النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

التمييز الإيجابي للوحوش الصغيرة!

رابط مختصر
العدد 9299 الخميس 25 سبتمبر 2014 الموافق غرة ذو الحجة 1435

بعد محاكمة سريعة لم تستغرق سوى ثلاثة أشهر، أصدرت إحدى محاكم الجنايات المصرية حكما بإعدام مراهق لم يتعدَ الثامنة عشرة إلا بشهور قليلة لأنه استدرج طفلة فى الرابعة من عمرها وقام باغتصابها ثم قتلها.. وهو ما جدد أحزان أسرة طفلة أخرى فى الخامسة من عمرها اغتصبها مراهق آخر وقتلها، وفضلا عن أن إجراءات المحاكمة استغرقت ما يزيد على العام، فقد عاقبته المحكمة بالسجن خمسة عشر عاما، وأمرت بإيداعه فى إحدى دور الرعاية الاجتماعية للأحداث، وليس فى أحد السجون العمومية لأنه لم يكن حين ارتكب الجريمة قد وصل إلى سن الثامنة عشرة، وهو ما اعتبرته أسرة الضحية تحريضا قانونيا على ارتكاب جرائم القتل والاغتصاب، وعلقت فأسه فى رقبة المجلس القومي لرعاية الطفولة والأمومة، الذي سعى منذ سنوات لاستصدار قانون الطفل، وضمنه مادة تقضي باعتبار كل من لم يبلغ سن الثامنة عشرة ميلادية طفلا، لا يجوز الحكم عليه بالإعدام، ولا إيداعه السجون العمومية فى حالة إدانته والحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية حتى لا يتعلم الجريمة من المسجونين الأكبر سنا، بل يودع فى دور خاصة لرعاية الأحداث، تتوفر له فيها وسائل العلاج النفسي والاجتماعي، بينما قالت المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام، إنها طبقت القانون لان الجاني حين ارتكب جريمته كان قد تجاوز الثامنة عشرة بأيام وأنها لم تجد في أوراق الدعوى ما يدعوها لتخفيف عقوبة الإعدام، أو للأخذ بمنطق دفاعه بأنه لا يزال حديث عهد بالطفولة. أعادتني المقارنة بين الحكمين إلى فترة مبكرة من عمري، عملت خلالها أخصائيا اجتماعيا يدخل ضمن اهتماماتي وأحيانا عملي، الجرائم التي يرتكبها الأحداث الجانحون، تحمست خلالها للقوانين التي تأخذ بقاعدة التمييز الإيجابي بينهم وبين المجرمين الراشدين، بحيث يحاكمون أمام محاكم خاصة، ويكون للتقارير التي يعدها المتخصصون الاجتماعيون والنفسيون عن ظروفهم الاجتماعية والنفسية، تقديرها في الحكم الذي تصدره المحكمة ضدهم والذي قد يؤدي إلى تسليمهم إلى أسرهم، إذا كانت ظروفها تسمح بتوفير رعاية ملائمة لهم، وان يمضوا فترة الحبس الاحتياطي في دور للضيافة الاجتماعية، وفترة العقوبة في دور للرعاية بعيدا عن السجون التي يودع بها المجرمون المحترفون الذين قد يقودونهم إلى طريق الجريمة الذي لا عودة منه.. ووصل هذا الحماس لدي ولدى غيري - إلى حد المطالبة برفع سن «الحدث» إلى الحادية والعشرين باعتبارها سن الرشد المعترف به قانونا.. ولو أن ذلك قد حدث لما استطاعت المحكمة أن تحكم بالإعدام على «الطفل» الذي ارتكب جريمتي الاغتصاب والقتل بعد بلوغه الثامنة عشرة بأسابيع، ولعاقبته بالسجن لفترة يقضيها في إحدى دور الرعاية لأنه لم يبلغ الحادية والعشرين. وكان من بين أسباب حماسي لهذا التمييز الإيجابي انني كنت متأثرا بمدرسة كانت حديثة آنذاك في علم النفس هي مدرسة الدوافع النفسية قامت على أنقاض مدرسة الغرائز التي كانت تنطلق من تصور أن الإنسان يولد ولديه غرائز ورثها عن أسلافه، هي التي تتحكم في سلوكه ومن بينها غرائز قد تدفعه لارتكاب الجرائم كالقتل أو السرقة أو الاغتصاب، في حين كان الذين يفسرون سلوك الإنسان بالدوافع النفسية من علماء النفس يذهبون إلى انه ابن بيئته، وان ما يحرك سلوكه هو دوافع نفسية مكتسبة وليست موروثة، تتخلق عبر البيئة التي تحيط به ومن ظروفه الاجتماعية الخاصة وظروف المجتمع المحيط به. وفهو ضحية هذه البيئة ويمكن أن يتغير بتغييرها وبالتالي فلا يجوز ان نعامل الأحداث الجانحين - وهو مصطلح أحلته هذه المدرسة محل مصطلح الأحداث المنحرفين الذي كان شائعا قبله - معاملة المجرمين ، بل ينبغي أن نتعامل معهم باعتبارهم ضحايا للبيئة التي نشؤوا فيها وانطلاقا من ان تغيير هذه البيئة أو إصلاحها كفيل بإعادتهم إلى الطريق السوي.. وبعدولهم عن هذا الجنوح الذي يدفعهم لارتكاب الجرائم. ولم أكن وحدي الذي تأثر - آنذاك - بمدرسة الدوافع النفسية إذ كان التأثر بها شائعا في جيلنا بين من يدرسون علوم النفس والاجتماع وما يتصل بها، في مناخ فكري كان صاعدا آنذاك يسعى لتأسيس مدرسة اجتماعية للعلوم الإنسانية بشكل عام.. وكان زميلنا «كمال عطية» - خلال سنوات الدراسة - أكثرنا تأثرا بهذه المدرسة وأكثرنا قراءة في الكتب التي تتناولها وكان من حسن حظه انه وجد الطريق ممهدا فور تخرجه لكي يعمل في واحدة من أحدث وأكبر مؤسسات رعاية الأحداث الجانحين، تأسست في ذلك الحين في المرج.. إحدى ضواحي القاهرة - على مساحة واسعة من الأرض، وضمت مئات من الذين صدر ضدهم أحكام بالسجن من هؤلاء أو أودعوا فيها بقرارات إدارية لأنهم ممن يوصفون اليوم بـ«أطفال الشوارع» وهي مصادفة سعيدة دفعتنا لإقامة احتفال خاص ابتهاجا بالحظ السعيد الذي صادفه لكي يجد وظيفة تتناسب مع اهتماماته وتؤهله لكي يطبق نظرية الدوافع النفسية على الأحداث الجانحين.. وهو حظ لم يصادف معظمنا إذ جرى توزيعنا على أعمال لم تكن وثيقة الصلة بما درسناه.. أو تحمسنا له. وذات يوم بعد عدة شهور عنّ لنا نحن زملاء «كمال» فى الدراسة أن نزوره فى المؤسسة التي يعمل بها، لكي نعزي أنفسنا عما نعانيه من بلاء فى الأعمال الإدارية السخيفة التي ألحقنا بها بمتابعة ما حققه من سعادة حين التحق بالعمل الذي يشغف به، وما أنجزه من أفكاره، وكان ذهولنا بالغا، حين رأيناه يرتدي بيجامته ويجلس وراء مكتبه وإلى جواره مجموعة عيدان من جريد النخل و«فلكة» من النوع الذي يستخدم في تهيئة الأقدام، لكي تنزل عليها العصي في حالة توقيع عقوبة على صاحبها، وبين الحين والآخر يدخل عليه أحد معاونيه وهو يجر واحدا أو أكثر من الأحداث الذين يقيمون في دار الرعاية ليقدم له تقريرا شفويا بما ارتكبه أو ارتكبوه من مخالفات تشمل الاعتداء على زملائهم أو التحرش الجنسي بهم، أو إحداث جروح وكدمات في أجسادهم أو محاولة الهروب بالقفز من فوق السور الخارجي لها ......إلخ، وكان كمال يستمع إلى التقرير صامتا ثم ينفجر موجها أبشع الألفاظ والشتائم إلى المتهمين قبل أن يأمر معاونيه بلف الفلكة حول معصمي القدمين، ورفعهما إلى أعلى قبل أن ينهال عليهما بضربات عنيفة ومتوالية، وهو يواصل شتائمه ليعود بعدها ليواصل الحديث معنا لينقطع بعد قليل، بسبب دخول متهم آخر، ولم نكن في حاجة إلى سؤال «كمال» عن حجم السعادة التي يشعر بها في العمل بالمكان الذي كان يحلم به طوال عمره، ولا عن النتيجة التي أسفر عنها تطبيقه لنظرية الدوافع النفسية، ولم يشر هو إلى شيء من ذلك، لكني ألقيت نظرة على رف الكتب المجاور لمكتبه فإذا بها جميعا عن نظرية الغرائز النفسية.. وإلى جوارها مجموعة من العصي التي يستخدمها في تطبيقها. وبإشارة خفية إلى الوفد الذي صاحبني في زيارة رائد نظرية الدوافع النفسية، التفت عيوننا عند عناوين الكتب ثم إلى مجموعة العصي، واندفعنا نضحك بجنون، و«كمال» ينظر إلينا بذهول.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها