النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول «الديانة» العالمية الجديدة انتهاك السيادة الوط

رابط مختصر
العدد 9296 الإثنين 22 سبتمبر 2014 الموافق 27 ذو القعدة 1435

قامت العلاقات الدولية على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وأن هذا المبدأ شكل احد أهم الركائز القانونية التي أقرّها ميثاق الأمم المتحدة، ولكن، ومع ذلك سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن أصدرت عدة قرارات لاعتماد نظام عالمي إنساني جديد يهدف إلى تقديم المساعدات للأقليات المضطهدة، وقد تبع ذلك قرارات عدة لمجلس الأمن بإرسال قوات إلى بعض المناطق الساخنة لحفظ السلام والقيام بمهمات إنسانية، بما في ذلك الدخول إلى إقليم (تيمور الشرقية) واقتطاعه من الدولة الأم، بهدف وقف انتهاكات حقوق الإنسان هناك، وكان ذلك قرارا خطيرا، لما ترتبت عليه من آثار عديدة تركت بصماتها على العلاقات الدولية، ومنها ما يتعلق بانتهاك سيادة الدول من خلال تشريع التدخلات المباشرة العسكرية والسياسية، وعودة الوصايات بأشكالها القديمة والجديدة، وقد رأينا بعد ذلك الترجمة العملية من خلال عودة الوصاية في كل من أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى المحاولات المحمومة لفرض الوصاية على إقليم دارفور السوداني.. ولعلّ هذا التحول في اتجاه انتهاك السيادة الوطنية للدول قد جاء نتيجة تداعيات التفتّح والاندماج التي شهدها العالم اثر انهيار المنظومة الاشتراكية وبروز كيانات وتجمّعات إقليمية جديدة، وترسّخ مسار العولمة وما أتاحه من تحكّم الشركات المتعدّدة الجنسيات والهيئات المالية الدولية في اقتصاديات الشعوب والتشكيك في الأدوار التقليدية للدولة بعد تراجع سلطانها على الصعيد الوطني، واتساع نطاق انتهاك حدود الدولة الاقتصادية والسياسية والمساس بهويتها الثقافية الوطنية، وخضوعها لضغوطات من الهيئات الأممية والدولية، حيث بدا واضحا أن السيادة الوطنية هي على رأس العناصر المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية الجديدة التي أسقطت معاني السيادة الاقتصادية والثقافية لتسقطها في تجارب أخرى على شاكلة التجربة العراقية بطريقة فجة وعنيفة باسم ديانة عالمية جديدة هي الديمقراطية الليبرالية المحفوفة بالشروط الإملاءات لحماية مصالح رأس المال الاحتكاري وصيغ الإصلاح السياسي المفروض من الخارج، بما فتح المجال أمام مسارات غامضة مطلة على المجهول والتشكيك في قيم السيادة الوطنية التي قاتلت من اجلها الشعوب والأمم منذ قديم الزمان... ومع أن التدخل في الشؤون الداخلية للدول مخالف للقانون الدولي-و هذا أمر بديهي- فإن هذا التدخل الفج والسافر أصبح اليوم يتلبس صورا مزينة ومموهة بأصناف الخداع، لتحسين صورة هذا التدخل المرفوض شعبيا وقانونيا وسياسيا وأخلاقيا، حيث أضيفت له صفة «الإنساني» أو الديمقراطي، لتبرير النكوص عن واحد أكثر المبادئ رسوخاً في القانون الدولي والعلاقات الدولية، وهو «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول»، هذا التدخل الذي بدأ يهدد الأوضاع القائمة والتي على أساسها يقوم الأمن الدولي والاستقرار الذي يؤمن للشعوب فرصة العيش والبناء والتنمية، حيث أصبحت المعادلة الجيدة على النحو التالي: - إما أن تتبنى الدول الأطروحات الأمريكية طوعاً أو كرها، وإما أن تخاطر بمواجهة مفتوحة ينبغي أن تتحسب لها بأقصى درجة من «العقلانية والحسابات الرشيدة»، خاصة وأن البنية القيادية الراهنة للنظام الدولي أتاحت للدولة العظمى الوحيدة سيطرة شبه كاملة على مجلس الأمن مكنتها من أن تستظل كثيراً في تدخلها في شؤون الدول بما يسمى بالشرعية الدولية، وقد شهد العالم ما الذي حل بالعراق وبأفغانستان وليبيا، بالإضافة إلى المواجهات المحتملة والمنتظرة.. ولذلك أصبح الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمثل أملاً حقيقياً للشعوب في البلدان العربية تحديدا على حد سواء خاصة تلك التي مازالت تحبو في طريقها الطويل نحو البناء الديمقراطي، وذلك لأن عصا الديمقراطية باتت تستخدم كذريعة للتدخل في شؤون هذه الشعوب إن هي تجرأت حكوماتها على تحدي مصالح القوى المهيمنة في الأوضاع الدولية الراهنة. وفي الخلاصة لابد أن نوضح أن مفهوم السيادة الوطنية تواجهه العديد من التحديات، منها: -ما يتعلق بالتركيبة الحالية للعلاقات الدولية الخاضعة حاليا لسلطة (القطب الأوحد) وإذا أريد الإفلات من عالم (أحادي القطب) فلا مفر إلا بالانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، يمنع تفرد القطب الأوحد بالهيمنة على العالم، وفي ظل الوضع الحالي فقد بدأ يلوح بعض الأمل في الأفق يشير إلى نهاية الاحتكار للساحة الدولية من قبل لاعب واحد، وسحق إرادات الدول الأخرى، وذلك في ظل الصعود الواضح للدورين الروسي والصيني.. - ما يرتبط باتساع تأثير التيارات الفكرية والسياسية التي ظهرت في ظل التحوّلات الجديدة والتي تدعو إلى تقليص سيادة الدولة التي لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في العلاقات الدولية بعد بروز قوى جديدة تنافس الدولة وتشاركها في صنع القرار وصياغة السياسات الدولية، ومن هذه القوى المنظمات غير الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات مما ساعد على ظهور خرائط جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية، التي لا تتطابق مع مصالح الدولة الوطنية، بالإضافة إلى الدور المتصاعد لوسائل الاتصال الحديثة في اختراق سيادة الدول وتأثيرات المؤسسات المالية والتجارية العالمية على سياسات بعض الدول وفرض قواعدها الخاصة في التنمية، وهذا يستدعي مراجعات جادة وعميقة على هذا الصعيد. - ما يتعلق بسياسات قوى العولمة التي تعمل جاهدة على محو الخرائط الجغرافية للدول الإقليمية من خلال التدخل الفج في المس بالسيادة الوطنية، بما يقف حائلا دون تدفق عمليات العولمة وتأثيراتها، لأن هذا التدخل يخلق حالات شاذة من التجزئة والكيانات الصغيرة المشوهة، بما يجعل مهمة الأمم المتحدة شاقه وعسيرة في ضوء عمليات التفكيك والتفتيت، بما يحول العالم إلى دويلات في حجم ورقة اليانصيب يصعب السيطرة عليها أو حتى إدارتها. ولعل الإنجاز المحلي على هذا الصعيد في مثل هذه المناخات الصعبة يتمثل في ثبات الرؤية الوطنية وحصر جميع أهداف وممارسات الإصلاح السياسي بالجهد الوطني الداخلي الذي لا يجب أن يقفز على المراحل ولا تعنيه أجندات الخارج المفضوحة في ارتباطاتها بلعبة المصالح، بل تركز المسار على رصد حاجات الداخل الوطني وموازنة خطوات الإصلاح السياسي مع جهود التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مسار واحد لا يفصل بين أبعاد عملية الإصلاح، بالرغم من الصعوبات والتحديات المعروفة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها