النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10912 السبت 23 فبراير 2019 الموافق 18 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:51AM
  • العصر
    3:08AM
  • المغرب
    5:36AM
  • العشاء
    7:06AM

كتاب الايام

الحج.. بين الدين والسياسة

رابط مختصر
العدد 9294 السبت 20 سبتمبر 2014 الموافق 25 ذو القعدة 1435

ونحن نعيش أياما عطرة في ظل قرب حلول شهر ذي الحجة بعظمته ومناسباته الإسلامية التي ننتظرها من العام للعام، ففيه يوم عرفة وهو خير أيام العام وعشرة أيام ذكرها القرآن الكريم في في سورة الفجر، وفيه يذهب الحجاج الى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج وشعائره لاتمام فريضة الإسلام الخامسة لمن استطاع. ويأتينا موسم الحج هذا العام والمسلمون يتعرضون لحرب شعواء ليس من «الآخر» كما اعتدنا في كل ما سبق من حروب وآثام، ولكن هذه المرة من داخلنا، فالعدو أصبح مسلما، وعناصره تقتل الأبرياء وتسيئ للاسلام الحنيف الوسطي. يأتينا الحج هذا العام ونحن نتألم من هول ما نرى ونشاهد يوميا من فظائع بسبب التشدد الديني في العراق وسوريا وليبيا واليمن أيضا، فهؤلاء الأصوليون يريدون العودة بنا وبالمسلمين الى عصور الجاهلية، وهنا تقتضي الأمور ان نتحدث عن تلك المشكلة الخطيرة التي أوقعتنا بها الجماعات الإرهابية الجديدة أمثال «داعش» و«جبهة النصرة »وغيرها من التكفيريين. فالمشكلة تستلزم جلوس المسلمين معا على طاولة واحدة ولكن بعيدا عن الرسميات والبروتوكولات والمؤتمرات الفضفاضة التي لا تخرج سوى بتوصيات رنانة ولكن لا مكان لها على أرض الواقع، وهو ما يزيد في حقيقة الأمر من قوة التكفيريين. فالمطلوب إذن حلول واقعية لتفادي الأزمة وتذليل الصعاب بعيدا عن مؤتمرات مواجهة الإرهاب التي أخذت الطابع السياسي وخرجت بحلول سياسية وعسكرية وائتلافات اقليمية ودولية، ولكن هذا قد لا يقضي على المشكلة وربما زاد من خطورتها وآثامها على شعوب المنطقة حيث يحاول المتطرفون الجدد السيطرة على مواردها وقتل شعوبها. فالجماعات الإرهابية تضخمت وهذا يزيد من ازمة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة التي تتحمل جزءا كبيرا من المشكلة لانها صاحبة اليد الطولي في تأسيس مثل هذه الجماعات لإعادة السيطرة على مقدرات المنطقة ولخلق مكان لها فيها، ومن ثم العودة اليها بعد قرار الرئيس الأمريكي باراك اوباما السابق بسحب الجيش الأمريكي من العراق. وها هو الجيش يعود مرة اخرى في صورة أولية على شكل شن هجمات جوية على معاقل داعش في العراق قد تمتد الى الأراضي السورية وهو ما سيخلق مشكلة اقليمية في وقت لاحق، لان اي تدخل أمريكي في سوريا يقتضي التنسيق أولا مع النظام السوري وما سيعيق عمل جماعات المعارضة السورية ويزيد من مشكلاتها في مواجهة جيش بشار الاسد. لا نريد ان تأخذنا السياسة عن ذكرى هذه الأيام العطرة، حيث نأمل ان تتوقف الجماعات المتطرفة تماما عن أعمال القتل والإرهاب والسلب والنهب، في الأيام الحرم تطبيقا لشرع الله. ويبدو ان المشكلة ليست جماعات متطرفة فقط، لان المملكة العربية السعودية التي تستقبل الحجاح وتوفر لهم كل سبل الراحة والأمان لأداء مناسك الحج بسهولة ويسر، تتعرض لمشكلات جمة من الحجيج أنفسهم، فبعد ان سيطرت على الحجاج الإيرانيين الذين يفتعلون الأزمات مع السلطات السعودية أثناء موسم الحج مثل تنظيم مظاهرات سياسية، شهد الموسم الماضي صنيعا مماثلا من بعض الحجاج المصريين الذين انتهكوا حرمة الحج ليأتوا بتصرفات سياسية محظورة مثل رفع شعارات جماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها المحكمة المصرية والسعودية على انها جماعة إرهابية، وطبيعي ان يوصف كل من يرفع هذه الشعارات على انه إرهابي ويعرض نفسه للجزاء والعقوبات وفقا لقوانين المملكة. وربما جاء تحذير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في البحرين لجميع الحجاج بالالتزام بقوانين المملكة وقوانين الحج وكذالك تحذير وزير الأوقاف المصري رئيس بعثة الحج هذا العام لحجاج بيت الله الحرام من الحديث في السياسة خلال موسم الحج، لان العقوبة ستكون ترحيل ومحاكمة من سيرفع شعارا سياسيا. وحسنا فعلت السلطات المصرية بان أصدرت تعليمات مشددة للحجاج بضرورة إبعاد السياسة عن موسم الحج، مؤكدة توقيع عقوبات قاسية على من يخالف هذه التعليمات. وقطعا تعد كل هذه التصرفات انتهاكا لمعاني الحج السامية ولا تخدم الإسلام الوسطي الصحيح والمعتدل الذي يرفض الغلو والتشدد. وبالتالي جاءت رسالة رجال الدين في كل البلدان لحجاجهم في محلها تماما حتى يسير موسم الحج على خير ما يرام، ولا يعكر صفوه شيء.. فالتثقيف الديني الصحيح للناس هو أفضل الطرق لمواجهة الإرهاب والتطرف الفكري، فالحج فرض، وعبادة، وثمة وصايا شرعية يجب اتباعها من قبل الحجاج عموما وليس من بلد بعينها، ومن تلك الوصايا عدم الوقوع في المخالفات والممارسات الخاطئة التي يتهاون فيها الكثير، كما لا يجوز شرعا لأي حاج أن يضر بنفسه ولا ان يسعى إلى إيصال الضرر الى الآخرين. كما انه لا يجوز للحاج مخالفة القواعد والنظم التي أقرتها السلطات السعودية من تنظيمات ولوائح وتفويج تحقق مصالح ضيوف الرحمن. ونعود ونقول انها أيام قليلة ويأتينا يوم عرفات، هذا اليوم العظيم هو يوم الحج الأكبر، وهو أفضل أيام العام كما اسلفنا، فيه يؤدي الحجاج شعيرة الحج، هذه العبادة العظيمة التي تتكرر معنا كل عام وتعاودنا كل عام. واذا كانت هذه الشعيرة تمر علينا وواقع المسلمين لا يسرنا، فحري بنا ان نعود إلى كتاب الله وسنة رسوله، لنتدبر سويا معاني الحج التي ينبغي ان نستحضرها في يوم عرفات، وكذلك مقاصده. وكما يأتينا معظم خطب عيد الأضحي المبارك، فإن معاني الحج ومقاصده تقضي القيام بواجب العبودية لله والطاعة له والاستجابة لأوامره والاحتكام إليه سبحانه. فخروج الحجاج من بلادهم لأداء هذه الفريضة وسفرهم الى بلد الله الحرام وبيته العتيق، متحملين في سبيل ذلك المشاق والمتاعب، مستسهلين المعوقات والمصاعب وقد أنفقوا من أموالهم وبذلوا مما يملكون استجابة لأمر الله وتلبية لندائه، وابتغاء لمرضاته، وتضحية في سبيله، فهذا يعني كمال العبودية والخضوع والاستجابة والطاعة لله وبذل المال والنفس والجهد لذلك، وليس تلبية لأمير جماعة الإرهاب او داعش او غيرها من التكفيريين، فالطاعة هنا لله ونقدم الدين على النزعات والرغبات. ومن المعاني الجميلة للحج أيضا الإخاء والاجتماع والمحبة والائتلاف، ليكتمل المعنى مع الصلاة التي تجمع المسلمين في اليوم خمس مرات على اختلاف طبقاتهم، وأجناسهم، وقبائلهم، وانتماءاتهم، الجميع يقف صفا واحدا بين يدي الله، بجانبه أخوه المسلم، الذي قد يختلف معه في أشياء كثيرة، لكن يتفق معه في الانتماء والانتساب إلى هذا الدين العظيم، يصلي معه نحو قبلة واحدة في صف واحد الى رب واحد مع إمام واحد. هكذا فريضة الزكاة والصوم وفريضة الحج حينما تجمع المسلمين بقلوبهم وهم في أوطانهم ممن لم يحج إلى مكة، وتجمع المسلمين بأجسادهم وأبدانهم وأجسامهم ممن جاء إلى مكة للحج، فيجتمع الكل اجتماعا حقيقيا واقعيا في ذلك المكان الطاهر وفي تلك البقاع المقدسة يؤدون عبادات وشعائر موّدة يؤديها الجميع في مكان واحد ومقصد واحد آلا وهو إرضاء الله الواحد الأحد الفرد الصمد. ومن مقاصد الحج أيضا ان يعلو بنا وبعقولنا لننظر في آفاق واسعة ويعلو بأفكارنا وان ننشد الوحدة الإسلامية.. وليس من مقاصد الحج ان نعيش أجواء الفتنة التي يحاول بعض المتطرفين بثها في قلوبنا ونفوسنا، وهذا يؤكد ما نطالب به بان يلتقي المسلمون على قلب رجل واحد وصولا الى بر الأمان والوقوف معا وبقوة في مواجهة المتطرفين والقضاء على افكارهم الهدامة. وهذا يعني ضرورة الالتزام بالمنهج الديني بديلا عن مناهج الجاهلية، حتى يعود المسلم لأخلاق دينه الحنيف ويحترم الآخر ويراعي حرمته ولا يعتدي على ماله او عرضه او تصل الامور لحد ذبحه وقطع رقاب البشر في صورة مخزية تسيئ لنا جميعا. وكفانا ما نراه من اغتيالات وتفجيرات واعتداءات على الأرواح وهو ما يتنافى مع سمات الدين. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها