النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

أكثر من نصف قرن ولا يزال موضوعاً للجدل (1 من 2)

رابط مختصر
العدد 9293 الجمعة 19 سبتمبر 2014 الموافق 24 ذو القعدة 1435

مثلما لا تزال حملة نابليون بونابرت على مصر في عام 1789 موضوعا للجدل بين فريق من المصريين الذين يرون أنها نقلت بلادهم من حال إلى حال وربطتها بالحضارة من خلال المطابع والصحف ورسم الخرائط الطبوغرافية وسن القوانين الحديثة وفك رموز اللغة الهيروغليفية وإجراء مسح شامل للآثار والمعابد الفرعونية، وطرح فكرة حفر قناة السويس، ووضع سجلات للمواليد والوفيات، وبين فريق آخر يصف تلك الحملة بالحملة الاستعمارية التي سفكت الدماء ودمرت البلاد وافقرت العباد، فإن اسم «تشارلز دارليمبل بلغريف» لا يـُذكر في البحرين إلا وتشرئب الأعناق باحثة عن مصدر الصوت، وتتحفز آليات الدماغ لجولات طويلة من المناظرة والجدل حول شخصه وأعماله ومقاصده. ويحدث الشيء نفسه أيضا إذا ما ذكر أحدهم كلمة «المستشار» مجردة من أية اسم أو صفة، فهي في البحرين تعني «تشارلز بلغريف» تحديدا وليس غيره من المستشارين الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده. وهذا بطبيعة الحال ليس مستغربا حيال شخصية بريطانية ارتبط اسمها بأحداث ووقائع حقبة كاملة من تاريخ البحرين والمنطقة، بل ربما أكثر الحقب في تاريخ البحرين من حيث التحولات ذات التداعيات العميقة على أحوال أجيال بكاملها، ففيها تطورتْ صناعة اللؤلؤ وبارتْ، واكتشف النفط وتم تكريره وتصديره، وقامت الحرب العالمية الثانية وانتهتْ، ونما الوعي السياسي وتشعب، وســُنت القوانين الحديثة وطــُبقت، وبدأ التعليم النظامي، وظهرت نواة الدولة المدنية الحديثة بمظاهرها المعروفة. ولأن بلغريف ــ مهما كان رأينا فيه، وأيا كانت الجهة التي أخلص لها وتفانى في خدمتها ــ كانت له بصماته الشخصية على مجمل هذه التحولات، إلى الدرجة التي ترددت معها عبارة «عصر بلغريف»، فقد حق له ــ ككل العظام الذين يحفرون أسماءهم في الصخر ــ ألا يغيب ذكره عن المشهد المحلي رغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله عن البحرين، بل يبقى الاسم مادة للجدل وللغط ما بين فريق لا يرى فيه إلا شريرا زرعه المستعمر لتنفيذ سياسة فرق تسد الاستعمارية، وآخر لا يرى فيه إلا مـُصلحا جاء لإشاعة أفكار التنوير وبناء أسس ومقومات الدولة الحديثة التي نستظل بالكثير من معالمها اليوم. والحقيقة أننا لا نريد هنا أن نستغل هذه المساحة للتعريف بالرجل أو لسرد تاريخ قدومه إلى البحرين في عام 1926 وخروجه منها في عام 1957، إلا بالقدر الضروري لتفسير حادثة ما كان هو بطلها، أو إنجاز وقف الرجل خلفه أو بيان طباع وسلوكيات هيمنت على ممارساته وعلاقاته مع أهل البحرين. وبعبارة أخرى، فإننا لا نتوخى في هذه العجالة التطرق المستفيض لتاريخ بلغريف في البحرين، فذلك كله بات معروفا من خلال ما كتبه هو بنفسه في مذكراته الشخصية، أو ما كتبه المهتمون بالتاريخ الحديث استنادا إلى الوثائق البريطانية، وفي المقدمة منهم الشيخة مي بنت محمد بن ابراهيم آل خليفة مؤلفة كتاب «تشارلز بلجريف: السيرة والمذكرات 1926 ـ 1957» الصادر في عام 2000 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ولكننا فقط نود التأكيد على نقطة جوهرية هي أن كل مـَنْ يريد الكتابة أو الحديث عن «تشارلز بلغريف»، إنْ لم يلتزم بشروط محددة في عمله، فسوف لن يكون لعمله هذا أي وقع أو أثر أو فائدة. وربما أول هذه الشروط هو قراءة الظروف التي فرضت استقدامه، والمخاضات التي كانت تعيشها البحرين وقتذاك، وطبيعة العلاقة التي جمعته مع المعتمد البريطاني في البحرين، على فرضية أنهما ينتميان إلى جنسية واحدة لكنهما يعملان لصالح جهتين مختلفتين، وأخيرا إدراك المزايا والخبرات التي كان يتمتع بها والمستمدة من عمله في مناطق مختلفة ومن اختلاطه بشعوب متعددة. بموجب معاهدة الحماية البريطانية – البحرينية، كان المعتمد السياسي البريطاني (الباليوز) يتولى تمثيل البحرين خارجيا، لكن شئون الإمارة الداخلية لم تكن من اختصاصه، وإنما من اختصاص الحاكم حصريا. وفي عهد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة تم للمرة الأولى تأسيس إدارة جديدة أطلق عليها اسم مستشارية حكومة البحرين، كي تعنى بشؤون البلاد الداخلية. واختير لرئاستها ــ عن طريق النشر في جريدة التايمز البريطانية وإجراء المقابلة الشخصية ــ البريطاني «تشارلز بلغريف» المولود في سويسرا في عام 1894 والمتلقي لتعليمه العالي في كلية بدفورد التابعة لجامعة أكسفورد. كان هذا في عام 1926 أي بعد سنوات قليلة من موجة الاضطرابات التي اجتاحت البحرين في عام 1919 احتجاجا ضد تطبيق القوانين المدنية والجنائية في البلاد والتي كان معمولا بها في الهند البريطانية. تلك الاضطرابات والاحتجاجات التي بالغ المعتمد البريطاني الميجور «كلايف كيرك باتريك ديلي» في مواجهتها بالشدة والقسوة اللتين شكلتا تحديا لسلطات الحاكم (آنذاك) الشيخ عيسى بن علي، وبالتالي أدى إلى تولى ديلي لمنصب الحاكم العسكري لمدة أربعة أعوام (من 1922 - 1926). وبالعودة إلى السطور السابقة، يتضح أن أحد أسباب استقدام بلغريف وتنصيبه على رأس دائرة المستشارية هو قرار بريطانيا العظمى من خلال حكومة الهند البريطانية التي كانت حتى عام 1947 مسؤولة عن شؤون الخليج، إجراء بعض الإصلاحات في البحرين أملا في تهدئة الأوضاع، وهي نفس الأسباب التي دعتها إلى استبدال الميجور ديلي كمعتمد في البحرين، ودعوة الشيخ حمد بن عيسى ولي العهد إلى استلام الحكم خلفا لوالده الشيخ عيسى بن علي. وبإيجاز، يمكن القول انه بوصول تشارلز بلغريف إلى البحرين في عام 1926، بدأت صفحة جديدة ما بين البحرين وحكومة الهند البريطانية، إذ استطاع الرجل بفضل قدراته ومواهبه وخبراته المتنوعة وغير الاعتيادية والمستمدة من عمله كضابط إداري في قسم المستعمرات في تنجانيقا (تنزانيا حاليا)، وكضابط احتياط في الجيش البريطاني العامل في دارفور بالسودان وفي فلسطين ومصر، وكطالب حاصل على شهادة (أو تي سي) من جامعة أكسفورد، وكدارس لبعض الوقت في معهد الدراسات الأفريقية والشرقية التابع لجامعة لندن، وكملم باللهجات العربية المختلفة فضلا عن الهندية والسواحيلية والفرنسية، أنْ يحظى بتقدير وإعجاب ومساندة الشيخ حمد بن عيسى، الأمر الذي تجسد في تكليفه فورا بجملة من الأعباء الوظيفية الثقيلة. إذ أوكل إليه ــ طبقا لمذكراته الشخصية ــ أولا منصب القاضي في محكمة البحرين (حديثة التكوين)، وذلك بسبب خبرة سابقة له في عمل المحاكم في مصر وتنجانيقا، واجتيازه لامتحانين في القانون أثناء سنوات خدمته العسكرية، ثم منصب قومندان الشرطة فوظيفة المشرف العام على دوائر الصحة والمعارف والأشغال والطابو (المساحة) والجمارك. وربما لولا تكليفه بكل هذه الأعباء مجتمعة، لاستطاع الرجل تحقيق نجاحات وإصلاحات أوسع بكثير مما تحقق على يديه، وهو ما جعل البحرين تبز في ذلك التاريخ المبكر كل شقيقاتها الخليجيات تعليما وصحة وإعلاما ونظاما وقضاء وبنية تحتية. ومما أخذه البعض على بلغريف، خلافا لنزعة جمع كل الصلاحيات في يده على نحو ما اشرنا إليه سلفا، أنه كان معتدا بنفسه وينظر إلى الآخرين بتعال واشمئزاز وكبرياء، بل نادرا ما كان يذكر لهم خصالا حميدة أو يشيد ببلادهم وتقاليدهم. وهذه لئن اشترك فيها العديد من رجالات الإدارة الاستعمارية البريطانية، ولا سيما في الهند البريطانية، فإنه في حالة «تشارلز بلغريف» الذي وصل إلى البحرين يوم كانت الظروف المعيشية في الأخيرة بدائية ومتعبة مقارنة بأوضاع العواصم الكوزموبوليتنية، لم تكن كذلك! إذ من بعد فترة قصيرة من التذمر والتأفف بسبب الطقس والسكن وأسباب الترفيه، تأقلم الرجل مع أجواء البحرين واختلط بناسها وبنى فيها لنفسه ولزوجته «مارجوري» علاقات اجتماعية متشعبة ووطيدة معهم انعكست في ما كتبه في مذكراته من كلمات إشادة ومديح وثناء لبعض الأشخاص من خارج دائرة الأسرة الحاكمة، بل قيل انه من حرصه على تلك العلاقات، لم يخرج لتوديع الميجور ديلي حينما أنهت حكومة الهند البريطانية خدمته في البحرين في سبتمبر عام 1926، وذلك من باب التضامن مع بحرينيين كثر ممن أساء إليهم ديلي. لكن بلغريف نفسه كان في مقدمة مستقبلي ديلي عند زيارة الأخير إلى البحرين بعد سنوات، أي بعدما كان الكثيرون قد تجاوزا أحداث الماضي وعرفوا أن ما استحدثه ديلي من قوانين ــ ولا سيما «قانون الغوص» ــ كان بدافع تحقيق العدالة وتنظيم شؤون المهنة ومن أجل مصلحتهم. للكثيرين من زعماء التنظيمات السياسية في البحرين، سواء في الماضي أو الحاضر، ولع لا حدود له بتحميل بلغريف مسؤولية كل الأحداث الكبيرة التي وقعتْ في البحرين، مع التوقف دوما عند ما قيل عن دوره في خدمة المصالح الاستعمارية في المنطقة عبر إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والقومية، ودونما تحميل أنفسهم وتنظيماتهم أدنى مسؤولية لجهة إشعال فتيل الاضطرابات والإخلال بالسلم الأهلي والدعوة إلى العصيان والإضراب، ومعارضة كل خطوة إصلاحية فقط لأن مصدرها هو دار المستشارية، وذلك على نحو ما حدث في قانون الغوص الحامي لغواصي اللؤلؤ من استغلال النواخذة، ناهيك عن رفع لواء مطالب خارجية على حساب المطالب الداخلية كما حدث في منتصف الخمسينات حينما نست المعارضة مطالبها الداخلية المحقة وراحت تـُشعل الشارع من أجل مطالب خارجية ذات صلة بالمد القومي الناصري. وفي اعتقادي المتواضع أنّ العامل الاخير الذي برز في وقت عصيب لبريطانيا ــ ألا وهو وقت المد القومي وأزمة السويس ــ هو الذي أفسد أو قطع علاقة بلغريف برموز التنظيمات السياسية المحلية، وإلا فإن خطوط التواصل بينه وبينهم كانت قائمة، بدليل توصله مع الحكم في ذلك الوقت المبكر إلى اتفاقية يعترف بها النظام بهيئة الاتحاد الوطني ككيان يتحدث باسم شعب البحرين ويعكس طموحاته السياسية. ففي الأرشيفات القديمة لحكومة البحرين يوجد إعلانان لئن أثبتا مدى اهتمام البحرين المبكر بتنظيمات المجتمع المدني والهيئات السياسية الممثلة للشعب، فإنهما يثبتان من ناحية أخرى وقوف بلغريف خلفهما بدليل حملهما لتوقيعه. في الاعلان الأول الصادر في مارس 1956 ورد أنه يحق لافراد الشعب تشكيل هيئات تمثل مصالحهم وتبدي مقترحاتهم وتقدمها إلى الحكومة «التي عليها أنْ تنظر إلى تلك الاقتراحات متوخية الصالح العام. وإذا كان هناك من أسباب تدعو لعدم قبول تلك الاقتراحات فعلى الحكومة أنْ تبين لهم الاسباب المقنعة التي دعت إلى عدم قبولها». كما ورد في الاعلان ذاته أنّ الحكومة على استعداد دائما لمقابلة مندوبي الهيئات، وأنه يجب أنْ تــُعـْـلم الحكومة عن تشكيل أية هيئة وعن إسمها وأهدافها. أما الإعلان الثاني الصادر بالتزامن مع الاعلان الأول ففيه اعتراف صريح من الحكومة بـ «هيئة الاتحاد الوطني»، التي جسدت معارضة الخمسينات، كهيئة من الهيئات التي يمكن تأليفها بحسب الإعلان الأول. من الانتقادات الأخرى التي توجه إلى بلغريف أنه كان وراء قرار الاستغناء عن الكثيرين من المدرسين العرب من ذوي التوجهات القومية ممن دأبوا على إشغال طلبتهم بالأمور السياسية وتحريضهم على التظاهر والاعتصام. كما تعرض بلغريف إلى سخط جماعات المعارضة البحرينية بسبب إعادة طلبة أول بعثة دراسية إلى البلاد بعد ابتعاثهم للدراسة في الجامعة الامريكية في بيروت في الثلاثينات. والحقيقة أن الرجل تنبه مبكرا إلى مخاطر اشتغال الطلبة المبتعثين بالسياسة على حساب الهدف الذي أرسلوا من أجله وهو التحصيل العلمي. تلك المخاطر التي قاست منها الأجيال التالية من المبتعثين حينما أخذتها الانقسامات الايديولوجية بعيدا عن تحصيلها، بل وورطتها في تنظيمات غوغائية ذات أهداف عبثية مثل «تحرير الخليج وعمان من حكوماتها الرجعية»! شخصية كهذه، جمعت تحت يديها على مدى واحد وثلاثين عاما كافة المناصب الهامة في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في الخليج وأكثرها تطورا في تلك الحقبة، كان بإمكانها والحالة هذه أن تثري ثراء فاحشا من خلال استغلال مناصبها ونفوذها وعلاقاتها، وأن تنقل معها يوم خروجها النهائي من البحرين في الثامن عشر من أبريل 1957 ثروة طائلة، لكن صاحبنا خرج من بلادنا كما جاءها باستثناء اصطحابه لابنه الوحيد الذي ولد في البحرين وسماه «حمد» تيمناً باسم حاكم البحرين الأسبق المغفور له الشيخ حمد بن عيسى. ولعل أفضل دليل على صحة ما نقول هو انه حينما زاره الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في الستينات، وجده يقيم مع زوجته في شقة صغيرة متواضعة دون خدم أو حرس أو مظاهر ترف، وقد ظلت هذه حالته حتى تاريخ وفاته في الثامن والعشرين من فبراير 1969 ، علما بأنه ما بين تاريخ خروجه من البحرين وتاريخ وفاته قام بزيارة خاصة للبحرين في عام 1965. من أجمل ما سجله بلغريف في صورة بدت وكأنها تقييم لأوضاع مرحلته هو ما كتبه في عام 1937 وهذا نصه: «خلال السنوات العشر الماضية توطدت التغييرات والإصلاحات التي قام بها الشيخ حمد بعد استلامه الحكم من والده، مما جعل بلدان الخليج الأخرى تعتبر البحرين بلدا متقدما جدا. غير أن الرغبة في التقدم جاءت من البحرينيين أنفسهم، ولم تفرضها عليهم الحكومة. إن البحرين اليوم هي البلد الثاني عشر ضمن أكبر البلدان المنتجة للنفط في العالم، ولديها قاعدة بحرية، وتتمتع بموقع هام على خطوط الطيران، لكن الانتقال المفاجئ من الفقر إلى الرفاهية خلق مشاكل وظروف من الصعب التعامل معها. إن عصر الازدهار الكبير يبدو أنه قد بدأ الآن على افتراض أن حقول النفط لن تجف، لكن يجب أن نتذكر أن معظم ما تحقق في البحرين مثل محطات الكهرباء والمدارس والطرق والجسور والبلديات تم قبل حقبة النفط».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها