النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

رابطة نفخ المخ

رابط مختصر
العدد 9292 الخميس 18 سبتمبر 2014 الموافق 23 ذو القعدة 1435

منذ حوالى أربعين عاماً، وفى منتصف سبعينيات القرن الماضى، كنت أحد الذين يتلقون مرة كل شهر أو شهرين، رسائل مطولة، لا يقل حجم الواحدة منها عن 70 صفحة من قطع نصف الفولسكاب، يرسلها المفكر الكبير الراحل «إسماعيل المهدوي» من مستشفى الأمراض العقلية التى أمضى بها سبعة عشر عاماً، لأسباب نصفها سياسى ونصفها الآخر حالة غير حادة من البارانويا أصابته بعد هزيمة 1967، وكنتيجة لها، وكان يتخذ لها عنواناً ثابتاً هو «دردشات فكرية وثقافية من مستشفى المجانين». ولأن حالة «المهدوي» الصحية لم تمنعه - وهو كاتب وصحفى ومترجم ومناضل يسارى أمضى سنوات فى المعتقلات - من القراءة والبحث والتفكير، ثم الكتابة فى قضايا فلسفية وفكرية معقدة، بشكل عميق وبأسلوب سلس، فقد كنت أستمتع بقراءة رسائله، التى أتذكر من بينها دراسة مهمة عن «ظاهرة نفخ المخ».. وهو تعبير شعبى يستخدم للإشارة إلى أنماط من البشر، يجدون متعة خاصة فى إغاظة الآخرين، أو توتيرهم، لتحقيق مكسب تافه، أو على سبيل الانتقام أو من باب التسلية وإشغال الآخرين بهم من دون هدف محدد، مما يؤدى إلى انتفاخ مخهم - أو بمعنى أدق رفع ضغط دمهم إلى درجة عالية وتعطله بالتالى عن العمل، أو يدفعهم لتصرفات غير محسوبة، توقعهم فى الفخ الذى يحفره لهم خبراء النفخ فى المخ. وظاهرة «نفخ المخ» ليست مقصورة على ممرضى وتومرجية مستشفى الأمراض العقلية الذين روى «المهدوي» فى دردشاته نماذج من محاولاتهم الدائبة لإغاظته وتوتيره وإغراقه فى تفاصيل تافهة لتعطيله عن القراءة والكتابة، ولكنها تتسع لتشمل كثيرين تخصصوا فى نفخ أمخاخنا، فى مجالات متعددة من السياسة إلى الاقتصاد إلى الصحافة والإعلام ومن السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية، ومن الحكومة إلى المعارضة ومن الرياضة إلى القضاء. خذ عندك مثلا هذه الكمية الضخمة من الهواء التى ضختها الحكومات العربية فى كل العصور فى أمخاخ الناس خلال العقود القليلة الماضية، حول عناوين من نوع قضية فلسطين هي قضية العرب المركزية، ومشروعات إتمام الوحدة العربية التى كان «معمر القذافى» يطمحها بواقع مشروع كل شهر....إلخ. وفى كل مرة، كان الهواء ينتقل من أفواه المسؤولين إلى صفحات الصحف وشاشات الفضائيات -بالفاء وبالقاف- واجتماعات الأحزاب وثرثرات المقاهى ومداخلات الندوات، ويظل يضغط على أعصاب الناس لأسابيع، ثم فجأة ومن دون أى مناسبة أو تبرير، تغلق هذه الحكومات فمها وتكف عن النفخ أو تواصله فى اتجاه آخر، بعد أن تكون أمخاخ الناس قد تحولت إلى ملوخية بدون أرانب! ومن بين عمليات نفخ المخ الشهيرة، التى ظل الإعلام العربى يمارسها الأخبار التى تتعلق بالتعديل -أو التغيير- الوزارى، وتتضمن عادة تفاصيل تشمل اسم رئيس الوزراء القادم، وأسماء الوزراء الذين سيغادرون، وبيانات عمن سوف يحل محلهم، وهى أخبار لم يثبت مرة واحدة صحتها، وكان التعديل أو التغيير يفاجئ الجميع دائماً.. ومع أن الصحف تعلم أن الذين يسربون إليها هذه الأنباء لا هدف لهم إلا نفخ مخ وزير أو أكثر ممن يكرهونهم أو ينافسونهم أو يطمعون فى الحلول محلهم، فإنها لم تتوقف عن نشرها، إيماناً منها بأن الصحفى الشاطر، هو الذى ينفخ مخ القارئ المسكين، ويحول أمانيه وأحلامه إلى أخبار، وأن رسالة الإعلام هى نشر الأكاذيب لا الحقائق! ومنذ عقود نقلت رابطة نفخ المخ نشاطها إلى ساحة القضاء وشاعت ظاهرة استغلال ثغرات القانون لحفر المكائد القضائية للمختلفين فى الرأى أو الاجتهاد الفكرى أو السياسى، وبرزت أسماء عدد من المحامين الذين تعانى مكاتب بعضهم من الركود، تخصصوا فى إقامة هذا النوع من الدعاوى القضائية لحسابهم، أو بتوكيل عن غيرهم، وهى دعاوى كثيرة طالب رافعوها بمصادرة أقلام أو كتب أو مسلسلات أو بقطع العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدولة أو تلك، لأن إحدى صحفها نشرت ما يسيء إلى مقدساتنا، أو بمنع دخول رعاياها أو وزرائها.. أو سحب جوائز من هذا الشخص أو ذاك، أو تطليق هذا أو ذاك من زوجته، أو سحب ترخيص هذه الصحيفة أو تلك، أو حبس رئيس تحريرها لأنها تنشر مواد تتطاول على الأخلاق العامة. وهكذا نشطت رابطة نفخ المخ لتعطيل القضاء عن مهمته الأساسية وهى تحقيق العدالة، بشغله عن النظر فى القضايا التى تتعلق بمصالح الناس، فى بلد يعرف الجميع أن عدد القضايا والمحاكم فيه، أقل بكثير جداً مما تتطلبه العدالة الناجزة، ويرفع الإصلاحيون فيه شعار: العدالة البطيئة ظلم سريع. واستمرار هذا النوع من القضايا، وصدور أحكام ابتدائية لصالح رابطة نفخ المخ التى تقف وراءها، يؤكد أن التعديل الذى أدخل على قانون الإجراءات الجنائية بشأن دعاوى الحسبة يصادر المواطن الذى لا مصلحة له فى رفع هذه القضايا على قضايا الأحوال الشخصية وحدها يحتاج إلى تعديل آخر، يسد كل المنافذ التى يتسللون منها ليحولوا مخ البلد إلى ملوخية بدون تقلية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها