النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

لحظة الفراق ما أصعبها

رابط مختصر
العدد 9287 السبت 13 سبتمبر 2014 الموافق 18 ذو القعدة 1435

خالجتني مشاعر خلال الفترة الماضية أحسست معها بالوحدة، تطورت الى الإحساس بالخوف من الفراق وكان هذا أصعب من الشعور بالوحدة، وسأكون أدق لو قلت ان مبعث مخاوفي كان فراق من نحب، أو أن يخطفهم الموت فجأة، أو الخوف على فقدان صديق أو حبيب. فكان الخوف هو الشعور الذي تملكني وربما لست الوحيد في هذا الكون الذي تملكه هذا الخوف أو هذا الشعور، فمفارقة إنسان عزيز لدى أخيه أمر صعب التحمل، وإذا كان الأمر كذلك، فما بالنا إذا كان الفراق لحبيب، خاصة إذا ابتعد أو بدأ مشوار البعاد والافتراق، سواء لظروف اقتنعنا بها أو لم نقتنع. لايزال الشعور بالخوف من الفراق يداهمني من حين لآخر، خصوصا لفراق أشخاص مثلوا لنا قدوة ونموذج حياة، أو من شملونا بحنانهم وحبهم مثل الاباء والأجداد، وأحيانا يصعب علي التفكير من كثرة ما ألم بي هذا الشعور الذي إن ابتعد سرعان ما يأتيني ويداهمني بقوة. وساعتها تمر اللحظات ثقيلة مثل مرض مزمن لا يخضع لعلاج أو أدوية، فيتملكني الحزن والألم، ولا أجد سوى الكلمات السوداء على لساني، وساعتها تطير عن بالي كل مفردات الفرح، وكل هذا بسبب الحزن والخوف من الفراق، فراق قريب أو حبيب أو صديق، فراق أي إنسان شعرت معه بالمحبة والود، فافكر في مصيري بعده، وأجدني أحزن من مجرد التفكير في فراقه أو الابتعاد عنه وليس ألمه من الفراق بذاته بل الذكريات التي تليه فالنبتة إذا تقطع عنها الماء لا تموت بلحظتها ولكن مع تناقص الرطوبة فيها تضمر وتذبل إلى ان تموت. وحاولت ذات مرة الهروب من التفكير في الفراق قبل أن يجثم على عقلي ووجداني، وذهبت الي بعض الأصدقاء استجديهم أن نخرج ونسهر في أي مكان بعيد لكي أنسى التفكير في الفراق، وكان مكانا كله صخب وضجيج حتى لا أخضع للوحدة والتفكير لوحدي في مشاعري، ولكن للأسف، وجدت نفسي أيضا أفكر في احتمال فراق هؤلاء الأصدقاء الذين هم بجانبي الآن، ماذا لو افترقنا أو ابتعدنا أو فرقت بيننا الأيام والسنون، أو خطف الموت أحدنا، فماذا يتبقي لي سوى الأحزان والألم. كل هاجسي من أن يكون الخوف من الفراق هو شاغلي ومبعث ألمي وحزني، ولا أدري هل مشاعري صائبة أم مجرد شعور هامشي طارئ سيمر سريعا بدون أن ينال من صلابتي وقوتي، أو ينال من أعصابي ونفسيتي دون ان يحطمها أو تهتز. لكم مررت بمشاعر صعبة في أوقات عدة على مر حياتي، إلا ان من أثقلها على نفسي هو الإحساس بفراق الأحباب، لدرجة اني تمنيت ألا يمر أصدقائي وأحبائي بنفس الإحساس المؤلم، لأنني أشعر آنذاك بأن تلك اللحظات لا تنتهي، وتتوقف معها الحياة والكلمات، ويتضاعف معها الألم خاصة مع استرجاع الذكريات التي جمعتني بمن أشعر بفراقه، وفي تلك اللحظات أكاد أكره الذكريات، رغم أنها ما تبقى لي وقتها إن صدق حدسي وحدث الفراق لا قدر الله، فتلك الذكريات أحاول عبثا ابعادها عن ذاكرتي حتى وإن كانت سعيدة وحزينة فهي تأكل من رصيد نفسيتي وعزيمتي. وحتى لو جاهدت نفسي وأبعدت التفكير في لحظة الفراق أو الوداع قبل أن تلح على تفكيري، فالشعور يلح علي وبقوة، وأجد نفسي تحدثني بأنها فريضة علينا أن نفارق ونودع ونعيش تلك اللحظة مهما حاولنا ان نبتعد عنها وألا نقربها أو تقترب منا ومن هواجسنا وتفكيرنا وعقلنا. ولعلي اتساءل: هل هي طبيعة الحياة ومن نواميس الكون أن نفارق ونودع من نحب ونصادق ونجاور؟ وهل هي لحظة ضرورية وحتمية في حياتنا؟ عقلي يقول انها سنة الحياة، فالفراق سواء موت أو وداع أو سفر طويل أو خلاف، ال وهو مكتوب ومن سنن الحياة. ولكن المشكلة هى من يتحمل تلك اللحظة وما بعدها من مخاوف وهواجس بالوحدة وفقدان الأمل في أن تكون الحياة حلوة، فالقلوب تحترق من الألام والأحزان. وحتي على مستوي الشعوب والأوطان، نجدها تكره الفراق والوداع، وربما تعيش أخري في الأحزان أياما وليالي، وثمة من يسعون لاجترار الأحزان ويتذكرون الموت لمدة أربعين يوما، وهناك من يتذكر موعده ويقيم له حفلا تحت مسمي « تأبين»، وثمة من يحتفل بذكري الفراق والوداع، وأقول لكل هؤلاء: ما أبغضكم شعوب وقبائل وأفراد، فلماذا نتذكر أحزاننا وأسود ما في أيامنا، لماذا نجتر ذكريات دمعت فيها الأعين والمآقي؟ ونستعيد ذكريات تسببت في هجر الابتسامة لشفاهنا في وقت ضاعت فيه من على الوجوه ملامحها بسبب الحزن وغياب الضحكة. وأقولها مجددا لمن يجتر ذكريات الفراق والوداع والموت، ما أبغضكم بشر، فالقلب حزين رغم ذكريات السعادة التي عشناها سويا في ما مضى من أيام وسنين، والقلب يحزن للغياب والفراق بعد أن حللتم به كل هذه السنوات، والعين تحزن هي الأخرى على غياب من اعتادت على رؤيته، والأذن كذلك. أما القلب فهو صاحب النصيب الأكبر من الحزن ويظل أسيرا له، وتختنق الكلمات في الحناجر، وتغيب الأحرف، وإن خرجت الهمسات تكون متقطعة يصاحبها أنين الحزن مجروحة من الألم، وتكاد الصدور تبكي على ما فاتها وراح وأصبحت تضيق بكل ما رحبت به الحياة، أما الابتسامة فما لها نصيب بعد الآن، بعد أن ابتلع الفراق والوداع كل ما يجعلنا سعداء. وإذا كان حديثي عن الفراق وآلامه، فثمة حديث آخر لا يقل آلما وهو ما يقولون عنه إن فراق الأحباب يولد الكراهية أحيانا بينهم، وهذا أمر جدا غريب، فليس من الحب ما ينقلب الى الضد، فأحاسيس الحب الجميلة لا تنتهي أو تتحول بسرعة الى النقيض، وعلى من يقولون هذا أن يراجعوا مواقفهم ولا يضربون بها تعميما، فمن يفكر في حبيبته التي ربما تكون هجرته لأسباب عدة، لن يحول مشاعره الرقيقة الى غضب وحسد وحقد، فكل العبارات الجميلة والرقيقة التي قالها لها زمان لن تتحول الى كتلة من الغضب أو البغض يصبها في وجهها الذي يتذكره ولو بعد حين. فألم البعاد أو الفراق ليس إلا حبا وصدقا في هذا الحب، فالفراق يمزق القلب نعم ولكن لا يملؤه غضبا، وثمة من تدمع عيناه بمجرد تذكر الحبيب، الصديق، الجار، القريب، الأهل، وهذا لأن الم الفراق والبعاد ما هو سوى لحظة مؤلمة تؤثر على القلب والعاطفة والعقل معا. لكم أصابنا الحزن على وفاة الأجداد والأباء والأصدقاء والأحباب، وثمة من مات كمدا على فراق أبنائه، إنه ليس شعورا عابرا للأسف لأنه ينال منا عصبيا ونفسيا، وكلما أقرأ رسالة نشرتها إحدى الصحف عن قارئة أصبحت تمقت الحياة بكل ما رحبت من نعم بعد وفاة أحد اقربائها فجأة، وداهمتها الوساوس والتساؤلات: لماذا نعيش فوق هذه الأرض؟ وكيف نحيا بعد وفاة أعز الناس لنا، تساؤلات الفتاة زادتني هما وحزنا وخاصة تلك الفتاة ايضاً التي كتبت كلاماً عن وفاة جدتها رحمها الله وكانت تعتبرها اماً لها وعبرت في رسالتها عن الشرخ الذي اصاب قلبها بتلك المشاعر من أحساس الألم والخوف من الفراق... ولا نقول إلا اللهم أفض على قلوبنا بنعمة الصبر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها