النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

المؤسس الأول للصحافة في الإمارات

رابط مختصر
العدد 9286 الجمعة 12 سبتمبر 2014 الموافق 17 ذو القعدة 1435

الذين عاشوا في عقدي الخمسينات والستينات لا بد وأنهم عرفوا حجم الامية الذي عانته مشيخات الساحل المتصالح التي صارت منذ عام 1971 تعرف باسم الإمارات العربية المتحدة. والذين لم يقدر لهم زيارة تلك المشيخات في تلك السنوات الخوالي لابد وانهم شاهدوها صورا ملونة صماء في استطلاعات مجلة العربي الكويتية، فعلموا كم كانت معزولة عن العالم، وكم كانت خالية وقتذاك من مباهج الحياة العصرية ووسائلها وخدماتها. فلا كهرباء، ولا مياه نقية، ولا مكيفات، ولا ثلاجات، ولا مجمعات تجارية، ولا «سوبرماركت»، ولا خطوط طيران منتظمة إلى الخارج، دعك من وجود الصحف ومحطات الراديو والتلفزة. وسط تلك الاجواء المعتمة قيّض الله للإمارات أحد أبنائها الشباب الميامين الذي أخذ على عاتقه نشر العلم والفكر في محاولة منه لربط بلاده بما يدور في العالم من حراك. هذا الشاب هو المغفور له إبراهيم بن محمد بن عبدالله المدفع الحارثي الملقب بالمدفع نسبة لسرايا المدفعية التي عهدت إلى عائلته إبان الحقبة العثمانية. والمدفع من أبناء الشارقة، وقد ارتبط اسمه بظهور أول صحيفة في الإمارات قبل 85 عاما، وكانت تدعى «صحيفة عُمان» ويحررها بنفسه بخط اليد، وبواسطة حبر كانوا يسمونه «النغر الأحمر» ويستخرجونه من سمك الحبار المتوفر بكثرة في مياه الخليج. حيث كان المدفع ينتج من هذه الصحيفة البدائية اليدوية خمس نسخ يعلق واحدة في وسط مدينة الشارقة كي يطلع من يجيد القراءة على محتواها من الأخبار والمعلومات فينقلها إلى الآخرين شفاهة، ويوزع النسخ الباقية على شيوخ البلاد وبعض أصدقائه. حدث ذلك في عام 1927 في عهد حاكم الشارقة الأسبق الشيخ سلطان بن صقر بن سلطان القاسمي، وكان المدفع وقتها لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، لكنه كان صاحب خط جميل بفضل تتلمذه على يد الشاعر أحمد بن عبدالرحمن الهرمسي المعروف عند سكان الشارقة باسم «بوسنيدة»، كما كان صاحب دراية بقواعد النحو والصرف والبلاغة كنتيجة لالتحاقة ب «المدرسة التيمية المحمودية» التي كانت أول مدرسة شبه نظامية في الشارقة، من بعد دراسته في الكتاتيب وتعلمه القرآن والتوحيد على يد الشيخ عبدالكريم بن علي البكري النجدي. والمعروف أن العرب لم يعرفوا الصحافة إلا مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر في عام 1789 حينما اصدر نابليون جريدتين باللغة الفرنسية هما «لوكورييه ديجيبت» و»لا ديكاد ايجيبتسيان»، إضافة إلى صحيفة «الحوادث اليومية» التي بدأت في الصدور في عام 1799 بموافقة نابليون وكان يحررها إسماعيل سعد الخشاب. وفي عام 1816 أصدر الوالي العثماني في بغداد داوود باشا صحيفة «جورنال عراق» باللغتين العربية والتركية، وفي عام 1828 أصدر محمد علي باشا صحيفة رسمية باسم «الوقائع المصرية». بعدها شهدت حلب في عام 1863 ظهور أول جريدة سورية باسم «الشهباء»، ثم ظهرت في دمشق في عام 1867 جريدة «سوريا». وفي عام 1885 أصدر رزق الله حسون جريدة عربية أهلية في استانبول سماها «مرآة الأحوال العربية. ويصف «كمال القبيسي» المدفع في مقال عنه نشره على موقع العربية نت في 2 ديسمبر 2011 بـ «صاحب الثورة الإعلامية في الامارات»، وهو وصف يستحقه المدفع باقتدار إذا ما أخذنا في الاعتبار الظروف التي عمل فيها وحجم المعاناة التي تكبدها من أجل إيصال الخبر والمعلومة إلى أكبر شريحة من مواطنيه في زمن كانت فيه نسبة المتعلمين متدنية للغاية. بل أن الرجل يستحق أكثر من ذلك لأن «صحيفة عمان» لم تكن إنجازه الوحيد. حيث أردفها في عام 1932 بصحيفة أخرى سماها «العمود» وكانت سياسية بطابع فكاهي وتقتفي أثر مجلة «جزبوز» العراقية، التي كانت تصل إلى الشارقة من وقت إلى آخر، وذلك لجهة انتقاد الأوضاع السائدة في المنطقة. كما أصدرفي العام التالي ما يمكن إعتباره «تويتر» الثلاثينات لجهة الإسم فقط، إذ ظهرت صحيفته الثالثة تحت إسم «صوت العصافير» أي «زقزقة» وكانت متخصصة في نقد الانجليز ومعارضة وجودهم في منطقة الخليج. وكانت للمدفع أيضا، إضافة إلى ما سبق، نشرة منتظمة يعرض فيها أخبار الهند التي كانت تحظى باهتمام سكان الامارات والخليج بسبب إعتمادهم على بلاد الهند في تجارتهم وأرزاقهم. كما أنه قام، حينما كان عمره 19 عاما، بتأسيس ثاني مكتبة تعرفها الشارقة وكانت تسمى «المكتبة التيمية الوهابية». وحول هذه المكتبة يقول الصديق العزيز الدكتور عبدالله الطابور، وهو من أبناء رأس الخيمة المهتمين بالتأريخ الإجتماعي والثقافي في دولة الإمارات الشقيقة، في كتابة «رجال في تاريخ الإمارات» صفحة 33 نقلا عن الشيخ محمد بن علي المحمود «لما أراد إبراهيم المدفع تأسيس مكتبة استشار بعض الأدباء من زملائه أمثال عبدالله بن صالح المطوع، والشيخ عبدالله بن علي المحمود.. الذين وقفوا إلى جانبه وساعدوه في مشروعه الثقافي وأمدوه بالكتب، والرأي والمشورة. ولكن يبدو أن إبراهيم المدفع قد ورث مكتبة قديمة عن جده محمد بن عبدالله المدفع وهي من أوائل المكتبات المعروفة آنذاك، ومن خلال هذه المكتبة أسس المدفع مكتبته الشهيرة التي سماها بالتيمية الوهابية». لكن من أين كان المدفع يأتي بالمواد التي ينشرها في صحفه؟ ومنْ كان يتعاون معه في اخراجها وتحريرها؟ السؤال الأول أجاب عليه المدفع بنفسه حينما قال ننقل هنا بتصرف في مقابلة صحفية له في عام 1979 في مجلته الشهيرة «الأزمنة العربية»: «كانت الاخبار ومواعيد وصول السفن الى الخليج تأتينا من مصر والعراق والكويت متأخرة شهرا أو شهرين عن طريق صحف مصرية مثل المقتطف ووادي النيل والرسالة والشورى والهلال، ومجلات عراقية مثل جزبوز والفرات وبوحمد، ومجلات كويتية مثل مجلة الكويت التي كان يحررها عبدالعزيز الرشيد، فنتابعها ونقوم باعادة صياغتها ونشرها، وكنا نكتب عن أخبار البلد والأسعار والمناظر المؤذية وحكايات البدو وأخبار الغوص والأسفار، وكتبنا أيضا مواضيع عن الحالة السياسية آنذاك، وأتذكر أننا كتبنا عن الايطاليين وكفاح عمر المختار وعن فلسطين أيام القاوقجي والحاج أمين الحسيني. أما الذين كانوا يتعاونون معه في إصدار الصحيفة عبر كتابة المقالات فمن بينهم المؤرخ عبدالله صالح المطوع، وحميد بن عبدالله الكندي، وأحمد بن عبدالرحمن المدفع، وعبدالله بن علي المحمود، ومحمد بن علي المحمود، والأديب مبارك بن سيف الناخي، وأحمد بن حديد وغيرهم. أما صحيفته «صوت العصافير» فكان يشاركه في كتابة مقالاتها إبن عمه حسن المدفع، والعراقي حنظل صالح، وعلي محمد الشرفاء الحمادي، والكويتي عبدالله الصانع، والشاعر البحريني عبدالرحمن المعاودة. ولأن هذه الصحيفة كانت زاخرة بهذه الأقلام العربية التي كانت تنتقد سياسات الإنجليز في منطقة الخليج عموما وفي الشارقة خصوصا فإنها اقضت مضاجع الانجليز، الأمر الذي حدا بممثل دار الاعتماد البريطانية «جاسم الكظماوي» إلى إصدار نشرة صحفية موازية كانت تكتب أحيانا بخط اليد وأحيانا بالآلة الكاتبة للرد على مقالات «صوت العصافير». وكعادة دولة الإمارات في تكريم وتخليد أبنائها البررة، فقد أطلق إسم إبراهيم محمد المدفع بعد وفاته في عام 1985 عن 76 عاما على الشارع الذي يقع فيه مبنى البلدية في إمارة الشارقة. كما قامت الأخيرة في عام 1966 بتأسيس «مجلس المدفع» الذي يعتبر اليوم من أهم المتاحف التراثية في الإمارات، خصوصا وأنه روعي في تصميمه الطراز المعماري الخليجي التقليدي ذي الأبراج المعروفة في الإمارات ب»البارجيل» والمعروفة في البحرين ب «البادغير». ويضم «مجلس المدفع» أو متحفه نحو 400 كتاب وجدت في بيته عند وفاته، وقلمه وأحباره التي كان يستخرجها من بطون أسماك الحبار ثم يحولها إلى اللون الأسود، وأوراقه، وصوره، ومقتنياته الشخصية كمفاتيحه وحافظة نقوده ومذياعه القديم، وصندوق «البشتخته» الخاص به. على أن أهم ما يتضمنه المتحف من وجهة نظر كمال القبيسي في المقال المشار اليه سالفا هو رسالة وجهها رئيس لجنة إغاثة الأسطول العثماني في البصرة قبل مائة عام إلى الجد الأكبر لإبراهيم المدفع وبدأها بعبارة «إلى جناب الأجل الأكرم عمدة شارجه عبدالرحمن المدفع. إلى جانب اشتغاله في الصحافة التي كانت همه الأكبر عمل المدفع سكرتيرا ومستشارا لأربعة من حكام الشارقة، فكان كاتبا خاصا ومستشارا للشيخ سلطان بن صقر القاسمي، ومن بعده لإبنه الشيخ صقر بن سلطان الذي عُرف بتوجهاته القومية والناصرية فكانت سببا في نفي الإنجليز له في عام 1965، ومستشارا للشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة السابق ولخلفه الحاكم الحالي الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. كما ترأس في 1940 دائرة حكومة الشارقة التي كان من مهامها الاشراف على الجمارك والمالية، ومثل حكومة الشارقة في مكتب مقاطعة إسرائيل وحضر جلساتها في البحرين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كما أنه مثل حاكم الشارقة في مجلس الحكام ومجلس التطوير الذي أنشأه الإنجليز في الإمارات المتصالحة بهدف تقديم بعض الخدمات والمشاريع الصحية والإنشائية، وذلك قبل أن تعتل صحته ويعتزل العمل الحكومي. وللمدفع اهتمامات شعرية تجلت في كتابته لعدد من القصائد لعل أهمها واحدة يصف فيها مصيف بحمانا الجبلي في لبنان وقد القاها في مناسبة الاحتفال السنوي الذي كانت بلدية بحمانا تقيمه لتكريم المصطافين العرب، وأخرى كتبها في عام 1927 يرصد فيها الحالة الاجتماعية لرجالات الخليج الذين كانوا يقيمون في «بمبي» من أجل التجارة وثالثة يخاطب فيها لبنان ونضاله من أجل الاستقلال ويدعو شعبه الى الاتحاد والنهضة وعدم التفرق. وقد أخترتُ لكم من القصيدة الأولى الأبيات التالية: لبنان قد سلبت عقلي برونقها وما علمت نظير الخلد لبنانا يا حسن ما قد رأينا من معالمها وقد شفى طقسها صما وعميانا طورا بعاليه نقضي وقت نزهتنا والنفس تلمح آفاقا وشطآنا وتارة في حقول الأرز مرتعنا نسرح العين في روض قد ازدانا واخترتُ لكم من القصيدة الثانية ما يلي: بمبي يا مرتع الغزلان من قدم وملتقى كل محبوب ونشوان بمبي يا من لها في القلب منتجع وذكريات بها التاريخ ملآن بمبي يا من غدا للناس مجتمعا يؤمها كل ملهوف وعطشان بمبي حسبك هل لي أن أرى أحدا ممن لهم ها هنا صيت وعنوان مررت في «كي واري» هائما قلقا وكنت أسأل عن ربع وخلان هذي منازلهم أيام عزلتهم بها قضوا وطرا فيها لهم شان كانت مجالسهم بالامس عامرة من نخبة القوم أصحاب وإخوان فمن دبي كذا البحرين مع قطر كذلك شارقة أيضا وعجمان كذا الكويت وبوظبي كذا عدن ورأس الخيمة أيضا بل وجيران كذلك أم الغواني والحسا وكذا من مسقط وعُمان بل وفرسان إنتقلتْ أسرة المدفع، وهي من قبيلة الحرث في بلدة مضيرب، من عُمان منذ القرن الثامن عشر الميلادي ونزلت اولا في بلدة ريام ثم انتقلت في عام 1690 إلى الشارقة لتستقر فيها، فصار أبناؤها من أشهر تجار الإمارة وحققوا مكانة إجتماعية مرموقة، وصار لهم نشاط كبير في تجارة اللؤلؤ وامتلاك السفن الشراعية الضخمة من نوع «البغلة» التي كانت تجلب التمور من البصرة، والارز والبهارات والعطور من الهند وافريقيا، وتنقل المسافرين إلى الهند للاتجار باللؤلؤ. علما بأن «البغلة» سفينة ذات مؤخرة مربعة وتزينها النقوش المحفورة، واستمدت شكلها واسمها من البرتغاليين الذين وصلوا الى الخليج في القرن السادس عشر طبقا لما ذكره «ألن فاليرز» في كتابه «أبناء سندباد» الصادر في عام 1982 عن وزارة الاعلام الكويتية. وعن أسباب هجرة آل المدفع من عمان إلى الشارقة يقول الدكتور عبدالله الطابور في كتابه سالف الذكر صفحة 21 «هناك بعض العوامل التي أدت إلى هجرتهم من فلج آل مدفع إلى الشارقة من أهمها العامل الاقتصادي. فقد هاجرت بعض العائلات من عمان في أوائل القرن الثامن عشر نظرا لما أصاب عمان في ذلك الوقت من كساد تجاري أدى إلى تدهور التجارة، إضافة إلى الظروف السياسية والتمزق الذي مرت به عمان الداخل، مما دفع بعض العائلات ومنها عائلة آل المدفع إلى البحث عن أماكن استقرار ومواقع جذب. فجاءت إلى مدن الساحل التي اشتهرت في ذلك الوقت بتجارة اللؤلؤ والأسفار». من أبناء أسرة المدفع المشهورين حسن بن عبدالله المدفع وهو من كبار تجار الشارقة ومؤسس المنتدى الاسلامي بالشارقة (23- 1924)، وآمنة المدفع صاحبة أول المجالس الأدبية الْثَّقَافِيّة النسائية بِالشَارِقة فِي بداية القرن العشرين، وَمحمد عبدالله والد إبراهيم المدفع، وَهُو أَول مَن فَكَّر فِي جَمْع تاريخ سَاحِل عَمَّان وَوَقَائِعِه وَسَافَر مِن أَجْل ذَلِك وَاستدعى ذَوِي الخبرة لِجمع المعلومات. على أنّ أكثرهم شهرة هو عبدالرحمن بن حسن المدفع الذي أقام في بمبي أربعين عاما وظل هناك ومات ودفن فيها، وكان بيته في بمبي مفتوحا لأبناء العروبة ومجلسه ملتقى أدبيا لأهالي الخليج واليمن. علما بأن عبدالرحمن المدفع كانت له جولات في بلاد الشام ومصر وتركيا وفرنسا، كما ذهب إلى بريطانيا قبل أن يستقر في بمبي التي فضلها على سائر المدن. ومما يُذكر أن إبراهيم المدفع تردد على مجلس إبن عمه في بمبي حيث التقى الكثير من رموز الفكر والثقافة العربية وخالطهم، الأمر الذي انعكس إيجابا على فكره ورؤاه وحصيلته الثقافية، بل تسبب في عشقه لمدينة بمبي والهند. وآية ذلك أنه أنشد يقول في إحدى قصائده: حي هذي الربى وحي المغاني خالدات وحي تلك المباني إن لي في ربوعها ذكريات من قديم وقد طواها الزمان كلما مرّ ذكرها في فؤادي عاودتني الهموم والأشجان أين صحب بهم قد أنسنا يشرحون الصدور في كل آن حصدتهم نوائب الدهر حصدا وسقتهم كأس المنون القاني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها