النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

انعدام الرؤية: القيادة الحزبية عندما تورط جمهورها

رابط مختصر
العدد 9282 الإثنين 8 سبتمبر 2014 الموافق 13 ذو القعدة 1435

هنالك شبه إجماع على رفض الاستبداد السياسي والقوانين والأحكام الاستثنائية واحتكار السلطة والاستئثار بالقرار الوطني وتغييب الآخر وإقصائه وإلغائه، حتى لا يؤدي ذلك إلى فقد الشرعية وتمزق الوحدة الوطنية وضرب قيم السيادة والمواطنة، وتغييب الحوار وصيرورة الفساد، هذا الإجماع يشمل «السلطة الرشيدة» بالمعايير السياسية والأخلاقية والشعبية، والتي اختارت طريق البقاء من خلال التوافق مع الشعب، ومن خلال قيم المشاركة والمحاسبة والشفافية والعدل والعدالة، كما هي محل إجماع من قبل المعارضة المستنيرة والديمقراطية، ولا يكاد يقف ضد هذا الإجماع إلا عدد محدود من الذين لم يستوعبوا الدرس التاريخي، أو لم تصلهم رسالة العصر، أو الذين يرفضون التحول الديمقراطي لأسباب أيديولوجية تتعلق بمفهوم معاد للديمقراطية..وإذا كان الجدل مع السلطة السياسية التي اختارت الديمقراطية نهجا والمشاركة الشعبية في السلطة طريقا، قد أصبح ممكنا بعد التحول الديمقراطي وضمان الحريات، ومنها حرية التعبير، فان أمر الجدل مع المعارضة والمعارضين من مفردات المسالة الديمقراطية أو من الممارسات على الأرض، ليس من السهل تحقيقه دون التعرض للاتهام حيث تحولت المعارضة عندنا إلى« مقدس» خاصة تلك المعارضة التي تحتمي بأنواع المرجعيات التي تصنف بالمقدسة.. ولذلك فان أي نقاش معها حول هويتها أو لتقييم سلوكها أو برامجها ومواقفها لا يواجه إلا بالرفض والتشكيك والغضب.. إن المعارضة التي نقصد هي تلك القوى التي تحمل مشروعاً لإعادة بناء المجتمع وإصلاح أحواله وبناء نموذجها البديل بقوة الإقناع بالوسائل السلمية، انسجاما مع حدود ومحتوى البرنامج السياسي وأشكال النضال التي على أساسهما تعارض هذه المعارضة ما هو قائم، وهي تلك القوى التي نشأت وتطورت تاريخياً بوصفها معارضة ديمقراطية استمدت شرعية حضورها وتميزها من وضوح برامجها السياسية ومن اعتمادها النشاط السلمي، أسلوباً في نضالها، وهي أيضا التي تنشد التغيير الديمقراطي، بوعي ومسؤولية، قادرة على كسب ثقة المجتمع عبر استنباط المهام المناسبة دون مغالاة أو تطرف، وعبر نجاحها في تأكيد احترامها للآخر موقفاً وسلوكاً، خاصة لجهة نشر وترسيخ الوعي والمسؤولية ضمن القواعد التي تحفظ للمجتمع توازنه واسمراره وسلمه الأهلي، دون مناورات أو التفاف....الأمر الذي يفترض من جميع القوى التي تناضل من اجل ترسيخ الديمقراطية، وإنجاح المشروع الإصلاحي أن تصطف وراء هذا الهدف، فيكون الموقف انسجاما مع التوجه، ولا دفعا به إلى الخلف، بما يسهم في تأخر تحقيق نتائج ايجابية، بما في ذلك النتائج على صعيد الانجاز الديمقراطي نفسه، حيث أن النكوص أو التراجع في هذا المجال يخدم القوى المعادية للديمقراطية والتي ما فتئت تبرر الدعوات بالعودة إلى الوراء استناد إلى تلك المواقف العبثية والتصرفات العدمية.. والتي ترجع في الغالب الى ضعف القيادة أو انعدام الرؤية: وهنا، وبغض النظر عن التصنيفات النظرية للقيادة في العلوم السياسية (وهي كثيرة ومعقدة) فإن السائد منها صنفان على الأقل: - القيادة الرعناء المغامرة التي تدفع بجمهورها إلى التهلكة، تضحي به وبمقدراته وبأمنه وحتى بحياته، وتجعلها حطبا في نار الحروب الفارغة، والمواجهات الطاحنة للوصول إلى «حلمها» السياسي أو العسكري أو الطائفي. - القيادة العقلانية التي ترفض المغامرة والتضحية بجمهورها من اجل تحقيق مكاسب مهما كانت هامة، هذا النوع الثاني يسمونه القيادة الرؤيوية التي تمتلك القدرة على التحسب والتوقع والتعامل مع المستقبل.. كما أنها عادة ما يكون لها نموذج للقيم المرجعية، ولذلك فهذا النوع من القيادة يمثل بالنسبة للنخبة السياسية وللمجتمع نموذجا وقدوة سلوكية، بحيث يعبر في سلوكه العام والخاص عن القيم والمبادئ الأخلاقية التي يتبناها المجتمع ويؤمن بها، مثل التضامن والوحدة الوطنية وعدم التفريط في سيادة الوطن واستقلاله، وعدم إلقاء الناس في التهلكة، وعدم الشماتة بهم...الخ. فدور القائد كرمز للمجتمع وآماله وشرفه وكرامته هو الأساس بالنسبة لمجتمعاتنا بالنظر إلى علوية القيم الاجتماعية والروحية في منظور حضارتنا العربية الإسلامية، وبذلك يكون هذا النوع من القيادة قادرا على تحديد المشكلة وتقدير الخيارات والبدائل المتاحة وتكاليفها وعوائدها، ثم يتخذ القرار المناسب ويقنع الآخرين بتنفيذه، كما تكون القيادة هنا معنية باستمرار عجلة الحياة في الدوران وعدم تكليف الجمهور أي نوع من التضحيات غير الضرورية، كما تتصف بالحرص المتأني في اتخاذ القرارات، وتعتمد في إقناع أعضاء النخبة والمجتمع بصلاحية وعقلانية قراراتها استنادا إلى الحوار المنطقي العقلاني لا الى الخداع والتهييج والإثارة والفبركة واستحضار معاني المواجهة من التاريخ(يستثنى من ذلك حالة مواجهة المستعمرين)، فالقيادة الحقيقية الفاعلة هي التي تعتقد دائما بإمكانية وجود أو إيجاد حل لأية مشكلة في إطار القواعد والإمكانيات المتاحة ومن خلال المؤسسات القائمة، والقوانين الحاكمة وترى أن تسوية أي صراع ناشئ عن تعارض المصالح يكون بالتوافق والحوار وتنازل كل طرف من أطراف الصراع عن بعض مصالحة من أجل التوصل إلى اتفاق، وإذا ما تعذر ذلك يجب الانتظار حتى يحين الوقت الذي يثوب فيه المتصارعون إلى رشدهم ويحكمون عقولهم، وهذا النوع من القيادة لا يثق بالأيديولوجيات الجامدة حتى وان اضطر في لحظات معينة إلى رفع شعارات أيديولوجية، ويتسم في تعامله مع معارضيه بالمرونة والكياسة ورفض الخصومة والعداء، وهو أقرب ما يكون إلى رجل علاقات عامة. والسؤال هنا: أين نصنف من قاد الناس إلى مغامرة غير محسوبة، وجرهم جرا(بالخداع الأيديولوجي أحيانا وبالفتوى الدينية أحيانا أخرى، وبالتخويف والتهديد والوعيد في مرات كثيرة) إلى الاقتتال الطائفي وتصفية الحسابات والكراهية، وأوهمهم ان الحرق والقتل والاعتداء على الناس هو روح المقاومة والنضال؟ أين نصنف من يعلّم جمهوره أن يفرح لمقتل كل ضحية وان يفرح لخراب البصرة وضياع الأرزاق وانكماش الاقتصاد وهروب المستثمرين وتعطل حركة النماء؟ درجة فوق الهمس: قال عمرو بن العاص: «إني ما دخلت في أمر قط إلا وعرفت كيف أخرج منه، فرد عليه معاوية: أما أنا فإني لا ادخل قط في أمر لا اعرف كيف أخرج منه.!!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها