النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

غزة ... فرحة لم تكتمل

رابط مختصر
العدد 9281 الأحد 7 سبتمبر 2014 الموافق 12 ذو القعدة 1435

لا أحد ينكر أن ثمن صمود غزة كان باهظا بكل المقاييس، وأن عرسها كان دمويا جراء إصرار إسرائيل على الكشف عن كل ما تحمله همجيتها من حقد تاريخي دفين على الشعب الفلسطيني، أفرغته في عملية «الجرف الصامد. مقابل ذلك، ليس هناك من في وسعه أن ينفي أن إسرائيل قد فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية من وراء تلك العملية، والتي كما يلخصها الباحث في الشؤون الإقليمية سامح راشد: أ‌- كسر إرادة المقاومة الفلسطينية. ب‌- استكشاف التطور الذي وصلت إليه القدرات العسكرية للمقاومة تسليحا وتدريبا وتخطيطا. ت‌- القضاء على أكبر قدر من تلك القدرات، بما في ذلك استنزاف مخزون الصواريخ وتدمير منصات إطلاقها. وقطع شرايين الإمداد العسكري والمدني عبر الأنفاق. ث‌- إحداث دمار واسع النطاق في القطاع ككل، بحيث يتطلب الأمر وقتا طويلا ومبالغ طائلة لإعادة الإعمار. ج‌- قطع الطريق على التوجه الفلسطيني نحو المصالحة، بفرض أمر واقع جديد يعيد تعميق الفجوة بين حماس والسلطة. بطبيعة الحال، يستثنى من ذلك الفشل البند (ث)، حيث تمكنت إسرائيل، وكما يقول الكاتب تحقيق «الدمار الواسع لبنية ومنشآت القطاع». كما قدم الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى ذلك، الآلاف من الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين والمشردين. لكن المحصلة العامة لتلك الحرب، كانت فرحة نضالية عاشها الفلسطينيون، ومن ورائهم العرب، وعرسا حقيقيا بكل آلامه ومخاضاته، فها هي آلة الحرب الصهيونية تضطر إلى خوض أطول الحروب العربية –الإسرائيلية زمنا، والتي لم تنحصر كلفتها في الخسائر الاقتصادية المباشرة مثل إغلاق مطار بن غوريون، بل امتدت كي تلقي بظلالها على علاقات إسرائيل السياسية مع أقرب حلفائها في المعسكر الغربي، الذي لم يكن في وسعه أن يجاهر، كما دأب دوما، بانحيازه المطلق للصف الإسرائيلي، واضطر إلى الاعتراف، مرغما، بنازية إسرائيل من جهة، ويشيد بالصمود الفلسطيني، ولو على استحياء، وفي شيء من التردد، من جهة ثانية. لكن، وذلك ما يحز في النفس، بل ويثير الاستغراب، ويرفع أكثر من علامة استفهام، لم تكد مفاوضات القاهرة أن تنهي جلساتها، وقبل أن يجف حبر الاتفاقية الموقعة بين الأطراف المتحاربة، انفجر الخلاف من جديد، وعلى نحو غير متوقع، وبشكل يثير الاشمئزاز، بين حركة «فتح» وحركة «حماس»، وتطورت الملاسنات الكلامية، كي تتحول إلى اتهامات تمس صلب الصمود الفلسطيني في غزة. فالوحدة الفلسطينية التي لمسناها خلال ذلك العدوان، وأثناء المفاوضات، دمرها التراشق السياسي الذي ما يزال مستمرا بين التنظيمين الرئيسين في الساحة الفلسطينية وهما «فتح»، و«حماس». وبدأ مسلسل الإدانات حيث اتهم بيان صادر عن اللجنة المركزية لحركة «فتح» «إقدام مليشيات حماس خلال العدوان بإطلاق الرصاص على أرجل وأجساد العشرات من كوادر وأعضاء حركة فتح والاعتداء عليهم بالضرب المبرح وتكسيرهم وصل بعضهم للعلاج في مستشفيات رام الله والخليل ونابلس، وفرض الإقامة الجبرية على أكثر من ثلاثمائة من كوادر وأعضاء الحركة في منازلهم بالرغم من إدراك حماس مدى خطورة ذلك على حياتهم وحياة أسرهم في ظل العدوان والقصف الإسرائيلي .... وابقاء المعتقلين السياسيين من كوادر ومناضلي حركة فتح في سجونها، بالرغم من اخلاء هذه السجون التي تعتبر هدفا مباشرا للقصف الإسرائيلي». وعاودت «حماس»، تشكيكها في وطنية «فتح»، واستندت في ذلك إلى مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مؤتمر عقد بتاريخ السابع من أغسطس، وما جاء في الخطاب الذي ألقاه خلال ذلك المؤتمر. ساذج من يتوهم بتلاشي التباينات بين «حماس» و«فتح»، فالاختلافات بينهما ذات طبيعة جوهرية وتستمد جذورها من الانتماءات الفكرية لكليهما. فبينما تنحدر «حماس» من مرجعيات دينية صرفة، تنتمي «فتح»، إلى فكر مدني يمزج بشيء من المرونة بين الالتزام الديني، والانتماء المدني، بالمعنى السياسي للتعبير. لكن منطق حركات التحرر الوطني يصر على أن مثل هذا الخلاف مهما بلغ اتساع دائرته، لا يمكنه أن يطغى على التناقض الرئيس مع العدو الصهيوني، الذي يفترض أن يكون كافيا لتقليص تلك الخلافات تحت راية وحدة سياسية وطنية تضع جانبا كل الاختلافات العقائدية التي يفترض فيها أن تتراجع من رأس سلم الأولويات في مرحلة التحرر الوطني، كما شهدناها في سلوك حركات تحرر أخرى، تعتبر فيتنام الأكثر قربا لذاكرتنا، كي تقبع في أدنى تلك درجات ذلك السلم. خطورة هذا التفتت المبكر، الذي قضى على الوحدة الوطنية التي كرستها معارك مواجهة «الجرف الصامد»، أنها، بالإضافة إلى مساهمتها في تهشيم الصورة المضيئة التي كسبتها القضية الفلسطينية بفضل صمود الفلسطينيين لخمسين يوما في وجه آلة حرب تعد من بين الأشرس على الصعيد العالمي، تفقد التضامن العربي والدولي الذي حققه ذلك الصمود نسبة عالية من زخمه، الأمر الذي من شأنه ان يفقد الثورة الفلسطينية الكثير من الأسلحة التي هي في أمس الحاجة لها، وفي مقدمتها المساعدات المالية التي يفترض أن تكون ضخمة، لإعادة تعمير غزة. عرس لم يكتمل، وفرحة لم تتم، قضت عليهما تلك الخلافات التي لا يعلم سوى الله، بالنهاية التي ستؤول لها، والتي لن تصب، في حال استمرار ذلك النزاع، في أي مكان سوى طاحون المصالح الصهيونية. وفي خضم هذه الحالة من الألم يحضرني قول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، حين يدعو حاثا على الوحدة الوطنية: «وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلاَّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها». أليس في ذلك دعوة صريحة واضحة لنبذ الخلافات الثانوية لصالح تلك الرئيسة؟ وهل هناك عدو أكثر سفورا من العدو الصهيوني؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها