النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11207 الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:52AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أيـــام العبـــادي الصعبــــة

رابط مختصر
العدد 9273 السبت 30 أغسطس 2014 الموافق 4 ذو القعدة 1435

أيام وتنتهي المهلة الدستورية الخاصة بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة برئاسة رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي والمقرر إعلانها في العاشر من سبتمبر المقبل، إلا أن المشكلة ليست في التوقيت، لأن المهلة كافية لإجراء مفاوضات تشكيل الحكومة مع كل الكتل النيابية، بيد أن المشكلة الأمنية بالعراق وضعت أمام العبادي عراقيل عدة ربما كان على رأسها السقوف العالية لكل من الأكراد والعرب السنة والتدهور الأمني اللافت. وزاد من حدة المشكلة الأمنية مذبحة مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى التي قتل فيها أكثر من 80 مصلياً، غير هجوم مسلح شنه مسلحون مجهولو الهوية، مما أجبر الكتل السنية في البرلمان وحيال الضغوط التي مورست عليها من قبل الشارع السني، على اتخاذ موقف لمواجهة تداعيات تلك المذبحة، وتمثل بتعليق مفاوضاتها الخاصة بتشكيل الحكومة المقبلة.. هذا رغم ما أعلنه رئيس البرلمان سليم الجبوري، أن جريمة المسجد لن توقف مفاوضات تشكيل الحكومة. ولكنه قول يفتقد لبعض الدقة. وأمام هذه المذبحة السنية، رفع الشيعة أيضاً راية العصيان، ولكن أمام البرلمان هذه المرة، بسبب مجزرة قاعدة «سبايكر» في تكريت التي راح ضحيتها أكثر من 1700 من طلبة الكلية الجوية من الشيعة في الحادي عشر من يونيو الماضي، وغالبيتهم من محافظات الوسط والجنوب. كل هذه الأحداث الأمنية وضعت العبادي الذي لم يخطُ بعد خطواته نحو مجلس الوزراء، في مأزق رغم مساعيه لتطويق الأزمة السياسية الناتجة عن هذا الخلل الأمني بشقيها السني والشيعي معاً حتى وإن كانت أزمة قاعدة «سبايكر» خارج نطاق مسؤوليته، إلا أنه أمام وضع صعب يتطلب سرعة إجراء التحقيقات الجادة لكشف خيوط الجريمة، ومن ثم العمل بجدية لمنع حصول مثل هذه الجرائم مستقبلاً من أجل ردع الميليشيات الخارجة عن القانون أيا كانت مسمياتها وانتماءاتها. الوضع الأمني ليس المشكلة الوحيدة أمام العبادي، لأنه يواجه أيضاً معضلة إيجاد حلول عملية للمحاصصة الطائفية في تشكيل الحكومة، ولا تتوقف تلك المشكلة على السنة والأكراد فقط لأنها تطال الشيعة أيضاً وهو ما يضع العبادي في موقف لا يحسد عليه. فالمشاورات الجارية بين أطراف التحالف الوطني (الشيعي) نفسه، لا تخلو من المشاكل بسبب انعدام الثقة داخل أطراف التحالف الشيعي، رغم إعلان الجميع أنه يجب الإسراع بتشكيل الحكومة رداً على العمليات الإرهابية التي يريد أصحابها السيطرة على العراق، لأن استقراره لا يصب في مصلحة الميليشيات بسبب رغبتها في هدم أركان الدولة. وربما ترتبط بهذه المشكلة ما يذكره العراقيون صراحة بأن ثمة هناك جهات سياسية وأمنية وإعلامية تساند نوري المالكي، وتتحرك لإفشال مهمة العبادي، رغم يقينها بأن المالكي ورقة انتهت ولن يعود للساحة في الوقت الراهن، لوجود رفض كبير من قبل الجميع داخلياً ودولياً. حتى تداعيات «مجزرة سبايكر» لن تقف طويلاً في صف المالكي، لأنها وقعت في عهده ولم يفعل شيئاً في التحقيقات اللهم سوى إعلانه أنه طالب بالكشف عن مرتكبيها بسرعة ومحاسبتهم، بمعنى أنه لم يفعل شيئاً يرضي غليل أسر الضحايا، وقد رمى المالكي اللوم كله على البرلمان الذي تأخر في بحث المشكلة وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية. إلا أن الأمر تصاعد شيعياً، عندما أعرب الكثير من نواب التحالف الوطني الشيعي عن غضبهم لعدم حضور وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي إلى الجلسة وقيامه بإرسال مبعوث عنه. هذا أولاً، وثانياً كان ما ردده ممثل وزارة الدفاع أمام لجنة الاستجواب صادماً للنواب الشيعة عندما أبلغهم في جلسة مغلقة أن أعداد الضحايا الذين قيل إنهم قتلوا خلال العملية التي نفذتها جماعات تنتمي إلى تنظيم «داعش» أثناء احتلالها مدينة تكريت في 11 يونيو الماضي هي أقل بكثير من الرقم الذي جرى تداوله (1700 قتيل) بينما يجري الحديث حتى الآن عن أعداد أخرى ما زالوا محتجزين لدى أحد قادة التنظيم من عشائر محافظة صلاح الدين. وكانت الطامة الكبرى لدى النواب الشيعة هو ما فجره قائد عمليات صلاح الدين الفريق الركن علي الفريجي، وكان بمثابة قنبلة من الوزن الثقيل عندما أعلن أمام أعضاء البرلمان أنه لا يوجد طلاب للقوة الجوية في قاعدة سبايكر. العبادي الذي شغل سابقاً متحدثاً رسمياً باسم نوري المالكي وأصبح خصمه حالياً، رفض نصائح رئيس الوزراء المنتهية ولايته، وهى تصل الى حد التحريض ضد القوى السياسية المنافسة وليس النصائح، ومنها عدم الإذعان للشروط التي تضعها بعض الكتل السياسية (في إشارة إلى الكتلتين الكردية والسنية في البرلمان)، ثم دعا المالكي خلفه العبادي الى تشكيل حكومة أغلبية سياسية، الأمر الذي يخالف ما دعت إليه المرجعية الشيعية العليا في النجف، آية الله علي السيستاني، التي كانت العامل الرئيس للإطاحة بالمالكي. ومن الواضح أن العبادي لم يبتلع طعم المالكي، خاصة بعد التزامه بتوصيات المرجعية الدينية في « تشكيل حكومة ذات قبول وطني واسع وتتمتع بالكفاءة والنزاهة من أجل السير بالبلاد إلى بر الأمان وحل الإشكالات الكثيرة التي يعاني منها في مجالات الأمن والسياسية والاقتصاد ومكافحة الفساد الإداري والمالي». وكما هى المشاكل مع الشيعة، فثمة منغصات أيضاً مع الأكراد والسنة مع العبادي حيث يرفضون تكرار مشاكلهم وأزماتهم مع المالكي الذي نكث بكل وعودهم معهم، عندما أعطى وعوداً لم يستطع الوفاء بها، وهو الأمر الذي يضع ضغوطاً على العبادي، في ظل الصور القاتمة الذي ترسمها بعض النخب السياسية العراقية على خلفية عدم استطاعة رئيس الوزراء المكلف إعلان أسماء الحكومة في الوقت المحدد في إطار المهلة الدستورية. وشبه البعض ما يجري بالعراق حالياً بـ"مجموعة العمال الذين يشاركون في تشييد مبنى ولكن بلا رسوم هندسية معتمدة، ويكتمل التشبيه عندما يصفون وضع العراق اليوم بأنه أشبه بعمارة غير مكسوة، بل عارية تماماً، والجميع لا يملك الإرادة لكسوها، حيث إن كل الحكومات التي جاءت ما بعد عام 2003 جعلت العراق في وضع اللا دولة. لم يتوقف التشبيه على الداخل فقط، لأنه امتد إلى جوار العراق، وهنا تصعد نظرية المؤامرة إذ يفتقد بعض العراقيين مناخاً إقليمياً سوياً، ولا سيما من دول الجوار العراقي، حيث يعتقد هؤلاء أن الجيران يتمنون أن يبقى العراق على هذه الصيغة، لأن العراق كدولة لا يفيدهم، بل يمثل خطراً عليهم. وبمناسبة الحديث عن الواقع الإقليمي، لا يزال مبكراً تحديد شكل العلاقات بين عراق حيدر العبادي وإيران، وهل ستكون مثلها أيام حكومتي نوري المالكي، وقد ننتظر الإجابة الى حين تشكيل الحكومة وتوالي الزيارات المتبادلة بين الطرفين لنحكم على شكل العلاقات ومتانتها. إلا أن ترحيب إيران والمرشد الأعلى باختيار العبادي جاء ليتفق مع المواقف الإقليمية والدولية والأمريكية، فالإيرانيون هنا خضعوا للحل السياسي العراقي بضرورة التغيير، واقتنعوا بضرورة التخلي عن نوري المالكي، وتكليف شخص آخر بمهمة تشكيل الحكومة، مما أجبر القيادة الإيرانية على الانصياع لموقف عراقي شيعي شبه إجماعي على ضرورة التغيير، إلى أن وصل الخيار الى الاسم الذي لم يكن في حساباتهم، حفظاً لماء الوجه وتجنباً لانفجار الموقف الشيعي بوجه طهران. هذا وسط تأكيدات من طهران بأن حيدر العبادي لم يكن وارداً لدى القيادات الإيرانية المعنية بالشأن العراقي، بل كان من ضمن لائحة الأسماء المستبعدة، رغم انه لا يضمر عداء لطهران، وهو على علاقة جيدة مع المسؤولين فيها، إلا أن الحرس الثوري أصر بداية على فرض شروطه، وحاول عدم الرضوخ للضغوط الخارجية، ومحاولة الخروج منتصراً في هذه المعركة، لما لها من انعكاسات على موقفه الداخلي وتؤثر على موقعه في رسم السياسات الخارجية لإيران. وهنا أدرك مسؤولو الملف العراقي في القيادة الإيرانية حجم الأزمة، وشجعوا القيادة الإيرانية على القبول بالعبادي كحل وسط أو دون الوسط بالنسبة لطهران، لعلها تحسن وضعها المتراجع في المعادلة العراقية، وتتجنب الصدام المباشر مع الرأي العام العراقي والعربي والمرجعية الدينية في النجف. إجمالاً.. لقد أغلق العراقيون صفحة سوداء من تاريخهم الحديث بانتهاء حكم المالكي الذي يعتبره أغلب العراقيين أنه صورة سيئة للحاكم، فقد أجج الطائفية في العراق الذي حاول تكبيله وحكمه بالحديد والنار، وسبب له في الكثير من الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ولهذا، سيكون رئيس الوزراء العراقي المكلف محظوظاً بلا شك لأنه جاء بعد المالكي مباشرة، ولعله لا يكرر أخطاءه التي كانت وبالاً على العراق، من تفكك لمؤسسات الدولة، وانتشار غير مسبوق للفتنة الطائفية، وتهميش للسنة، والارتماء في أحضان إيران التي ساهمت بقدر كبير في تعقيد العملية السياسية في العراق إضراراً بشعب العراق، في وقت استعدى المالكي كل دول الجوار تقريباً باستثناء إيران.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا