النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

من العنف البنيوي إلى العشوائي..

رابط مختصر
العدد 9270 الاربعاء 27 أغسطس 2014 الموافق 1 ذو القعدة 1435

من العنف البنيوي إلى العشوائي.. التوحــــش كعـــــنوان للمرحلـــــــة.. دخلت المنطقة العربية زمن «التوحش» بعد أن عمت الفوضى «الخلاقة» على النحو الذي أراده وخطط له الأمريكان، والتوحش اليوم ترافق مع سقوط الدولة في كل من العراق وسوريا وليبيا «البقية تأتي»، وتجسد صورته الأكثر عنفا وفتكا تنظيمات بدائية مريضة، من نوع داعش وعصائب الحق الخ.. وإذا كانت كلمة «لاعنف»صريحةَ النفي للعنف من حيث صيغتها، فإنها لا تعني أن اللاعنف هو نفي العنف بالضرورة عند البعض بما يدخل هؤلاء في مفارقة قاتلة.. ولذلك نراهم وهم يرفعون شعار اللاعنف في موقع من يدافع عن العنف ويبرره ويتعاطف معه ويسير في مواكبه حيث يعدو الكلام كلاما بلا افعال ولا التزام، يلقى على عواهنه ويمضي قائله الى حيث يزدهي ويتباهى بالسلمية المفصلة على مقاسات التسويق الإعلامي. إن اللاعنف في مدلوله الحقيقي يعني اتخاذ موقف تصدٍّ حقيقي للعنف، أي أن هدفه القضاء على أسبابه ونتائجه أي هو نفي للعنف في المحصلة، ليس اللاعنف رفضا للعنف بقدر ما هو الكفاح ضد العنف لغة ومنطقا وخطابا وتمثيلا وكنايات وأفعال، فهو بالتأكيد امتناع عن الفعل غير السياسي، لكنه امتناع عن الغضب والانفعال الغريزي. اللاعنف، إذن، قبل أن يكون منهج عمل، هو أولاً وأساسًا موقف أخلاقي وسياسي وروحي وفلسفي، يعتبر العنف نفيا لإنسانية الإنسان ونفيا للحياة ولمبدأ العيش المشترك. ليست الحرية والديمقراطية ـ رغم كل الظواهر والادعاءات - هما ما يدفعان هذا الحراك «السلمي العنيف» إلى الأمام على الأرجح، وانما النزعات الطائفية التي تريد استبدال معادلات الواقع القائم على أسس طائفية. وليس المطلوب في النهاية هو الإصلاح أو حتى تطوير النظام السياسي القائم، المطلوب تصفيته، أو على الأقل الوصول إلى لحظة «اقتسام المغانم»..!!. تلك خلاصة لانعدام القيم والعقلانية في السياسة، ولذلك نجد صعوبة كبيرة في تصديق ما يقال طالما ان القول ينفيه الفعل، حيث يعلن الحراك السياسي الاحتجاجي انه سلمي، يسعى إلى تحقيق أهدافه السياسية بانتهاج طريق اللاعنف ولكنه في ذات الوقت يولد ويسهم في صناعة ثقافة العنف والكراهية بالتحريض اليومي. ولعل الاستشهاد بسلمية الحراك تلعب على محورين اثنين: - المستوى الأول يمكن ان نسميه مستوى الإحالة الضمنية في الخطاب السياسي والإعلامي على الحراك العنيف في بلدان أخرى. كنموذج آخر يساعد على إقامة المقارنة الفجة، بحيث يبدو العنف الممارس محليا «لا شيء» مقارنة بالتمرد المسلح في تلك البلدان «العراق- سوريا- ليبيا-السودان....». - المستوى الثاني: يمكن أن نسميه مستوى قلب الصورة، وهو الخلط بين العنف «الشرعي» او القانوني وهو الذي تمثله أجهزة حفظ النظام وفقا لما ينص عليه القانون، وبين الفوضى والاضطرابات العنيفة والاعتداءات التي يمارسها الخارجون عن القانون بمستويات متفاوتة من التعدي، بحيث يتم هنا الحديث عن «عنف النظام» وأجهزة الأمن في محاولة لخلط الأوراق والتبرؤ من إدانة العنف حتى ولو بالعبارة العائمة: وبغض النظر- ما إذا كان العنف الممارس على الأرض تديره جماعات فاشية على يسار الحراك المعارض مثلا أم لا- فإنه من الواضح أن هذا العنف يتواصل معززا بالتبرير والتأويل والتهليل والإعلان عن «التعويل على سواعد الثوار». ان وقائع التاريخ تقول لنا انه من الممكن للحراك السياسي السلمي ان ينجح في تحقيق أهداف سياسية. وما يزال العالم يستذكر العديد من السير غير العنيفة التي كانت مضربا للأمثال، بما يعني أنه بالإمكان ان يكون التحول السياسي دون الحاجة إلى عواصف هوجاء، إلى بنادق ودبابات وصواريخ او فوضى، وقطع الطرق واشعال الحرائق، لكن هذا المنهج السلمي هل هو اصلاحي بالضرورة، بما يعني التفاهم والحوار والتوافق باعتباره الطريق الوحيد للحفاظ على إنسانية الإنسان وكرامته لكن لا يبدو هذا المعنى حاضرا في أذهان بعض الزعماء السلميين، وانما معنى الانفعالية واللاعقلانية، لأن اللاعنف يستلزم نزع سلاح الانفعالات والرغبات الجامحة والمشاعر المنفلتة من عقالها، ويستدعي رفض العنف مبنى ومعنى ورفضه تبريرا وتهليلا، ورفضه اعتبارا للقتل مشروعا، اللاعنف الحقيقي يبدأ من سلوك منهج السياسة، والسياسة هي طريق السلام والترفق والتدرج في تحقيق الأهداف، حتى يستطيع الفكاك من كلِّ رغبة في الانتقام. السلمية الحقيقية عندنا ما تزال، تطبيقًا وممارسة، متعثرًة على أرض الواقع، لأنها تعني، أولاً وقبل كلِّ شيء، انتصار فعل العقل والقلب المنفتحين، وانتصارا حقيقيا على ردِّ الفعل الغريزي كالصراخ الهستيري» للسحق»، وانتصارا على ثقافة استحضار العداوات الوهمية من أعمق أعماق التاريخ ومماثلتها على قياس الوقائع الجديدة. وانتصارا على الإقصاء والاجتثاث «الذي ابتدعه الطائفيون الممتلئة قلوبهم بالحقد والرغبة في الانتقام». المطلوب في النهاية - إذا ما أريد لهذا العنف أن يتراجع - الحد من النتائج الأكثر تدميرا لإنسانية الإنسان، والأكثر إذلالا له على صعيد العالم، والحد من الإفقار الذي تغرق فيه مناطق وقارات بأكملها بسبب الفوارق المجحفة بين الدول والشعوب، تلك الفوارق المتأتية في الغالب من مصالح الغرب الأساسية والمتمثلة في ضمان تدفق المواد الطبيعية بأسعار رخيصة، وتأمين مصادر الطاقة باي ثمن وبأي طريق، فالهيمنة والعنف والاحتقار والإيذاء المنظم للشعوب يكون دوما طريقا ممهدة للعنف، فإذا لم تتم السيطرة على النزعة الرأسمالية الهمجية المتوحشة في طمعها وعنفها وجشعها، فسيكون من المستحيل التكهن بأفق سلام أبدي، الا بوقف المشاكل المولدة للحروب والمآسي والعنف البنيوي والعشوائي معا..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها