النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الشرق الأوسط... بحاجة إلى قراءة مختلفة

رابط مختصر
العدد 9267 الاحد 24 أغسطس 2014 الموافق 28 شوال 1435

من يتابع التغطيات الإعلام العربية اليوم، بل وحتى نسبة عالية من تلك العالمية، لأحداث منطقة الشرق الأوسط، يحكمه شعور بأن هناك شيئا ما ينقص تلك التحليلات، وخاصة التي سادت شبكات التواصل الاجتماعي. ويمكن تصنيف طرق تناول المعالجات إلى ثلاث فئات رئيسة هي: الأولى، وهي في غاية السطحية، ولم تكلف نفسها الغوص، بشيء من العمق، فراحت توزع الاتهامات على القوى السياسية العربية والإقليمية الفاعلة في ساحة الشرق الأوسط، واكتفت بتوزيع الصفات، أو لصق التصنيفات. فوضعت هذا التنظيم في خانة الولاء لهذه الدولة أو تلك، واعتبرت جوهر النزاعات، بما فيها تلك الأكثر دموية ووحشية، كما بتنا نراه في غزة، وقبلها العراق، وسبقتهما سوريا، لا يعدو كونها حروبا بالوكالة تخوضها القوى المحلية نيابة عن صراعات أكبر بين قوى، البعض منها إقليمي، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، الآخر دولي تتقدمه روسيا، والولايات المتحدة، ثم أضيفت لهما الصين وبعض الدول الأوروبية ذات العلاقة التاريخية بالمنطقة من أمثال بريطانيا وفرنسا، في مرحلة لاحقة. الثانية، هي الأخرى يشوبها بعض النقص، عندما اعتبرت ما يدور على أنه مجرد صراع محصور بين قوى محافظة هرمة، ترفض التغيير، وتجاهد بقوة كي توقف حركته، أو تؤجلها، وأخرى فتية تفتقد إلى الخبرات المطلوبة، ومن ثم فبينما تعاني الأولى من أمراض الكهولة، وأعراض الشيخوخة، نجد الثانية أسيرة «طيش الشباب»، و«نزق المراهقة السياسية»، وتسرع «تهور الفتوة». مقفلة في سياق ذلك أي دور للدول الإقليمية أو تلك الدولية. ومن ثم هي تجرد المنطقة ومن ثم قواها السياسية الفاعلة فيها من أحد بعادها المهمة وهو البعد الدولي أو حتى الإقليمي في النطاق الضيق للصراع. الثالثة هي التي ما تزال أسيرة السقوط في براثن «التفوق الغربي»، وتحديدا الولايات المتحدة، وتعتبر أن ما نراه اليوم، لا يمكن أن يكون أكثر من مشروعات تمت «صناعتها» وصياغة بنودها في الولايات المتحدة، وصنيعتها التاريخية إسرائيل، ومن ثم فقد «كفى الله المؤمنين شر القتال»، ولم تعد هناك حاجة لإذكاء الذهن بحثا عن تحليل أعمق يفسر المعارك الضارية التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات الأربع الماضية. فكلمة السر في غرف البنتاغون المغلقة، وفي ردهات «الموساد» المظلمة. في حقيقة الأمر، وقبل أن نجتهد للإشارة إلى نظرة رابعة، لا بد من التأكيد على حقيقتين مركزيتين، ترتبطان ارتباطا وثيقا بالصراع الذي نتحدث عنه، وتنطلقان من ظروفه التي يعيشها أولا، وتلك المحيطة به ثانيا. الأولى أن حركة الصعود والهبوط التي شهدتها المنطقة، او التقدم والتراجع التي ما تزال تعيشها، إنما هي حركة طبيعية لا بد وأن تتعرض لها أية منطقة، والشرق الأوسط ليس استثناء لتلك القاعدة. ومن ثم فالقياس ينبغي أن يرى المحصلة النهائية، ولا يغرق في التفاصيل اليومية، مهما بلغت هذه الأخيرة من حجم ظاهري، فأهميتها آنية بالمعيار الزمني، وضيقة بالميزان الجغرافي. وعليه فأن الأحداث التي نتحدث عنها، على الرغم من السلبيات التي رافقتها، لكنها تشكل حالة إيجابية بمنطق الحكم التاريخي على الأحداث. فقد كرست الصراعات التي احتدمت في المنطقة من الإنجازات الإيجابية التي لم يعد في مقدور من يريد أن يوقف حركة التاريخ إزالتها. الثانية، وهي الأخرى في غاية الأهمية، أن وحشية تلك الصراعات، بل وحتى «همجيتها»، تدل في نهاية الأمر على أهمية منطقة الشرق الأوسط على المستوى العالمي، وحيوية شعوبها على الصعيد الحضاري، ماذا وإلا، فلماذا لا نرى المشهد ذاته في مناطق أخرى من العالم، بما فيها تلك التي تختزن أراضيها نفطا خاما، كي نضع نهاية للجدل القائم بأن سبب الأحداث مصدره «النفط العربي». هذا دون التقليل من العامل النفطي عند الحديث عن أهمية المنطقة. شراسة الصراع، بل وحتى دمويته، هو محصلة الأهمية والحيوية. تأخذنا هذه المقدمة القصيرة المقتضبة إلى حقيقة تنير الطريق لمن يحاول أن يقرأ معادلة اتجاه الصراعات القائمة اليوم في منطقة الشرق الأوسط، وهي أن ما يجري اليوم هو محصلة منطقية وطبيعية لتفاعل عاملين أساسيين، الأول منهما هو سقوط منطق فرض قوة عظمى معينة شروطها على أية منطقة من مناطق العالم، بغض النظر عن صغر حجم القوى السياسية النشطة في تلك المنطقة. فسقوط معادلة صراع العالم الثنائي القطبين، لا يعني نجاح مشروع حلول عالم جديد يقوم على أحادية القطب، وهو ما تحاول واشنطن أن تروج له، وهو ما دحضته مسيرة الصراعات في المنطقة، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وتشظي منظومته وترسانتها الحربية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. أما الثاني، فهو عجز المنطقة العربية، بفعل عوامل كثير عن إفراز قيادتها السياسية التاريخية المؤهلة، الوطنية أو القومية، النشطة في دولة واحدة أو مجموعة من الدول، كي تأخذ زمام المبادرة، وتتقدم الصفوف، وتحشد الجماهير وراء برنامج عمل وطني مرحلي، ناضج، قابل للتطبيق وفق خطة زمنية محددة، ولتحقيق أهداف مرحلية متواصلة. مثل هذه القيادة التاريخية، فردا كانت أم مؤسسة، لا تولدها التمنيات الحاضرة، ولا تخرجها من رحم الواقع أوجاع الآلام الماضية، ولا يمكن نيلها بالتمنيات الطوباوية الحالمة. إنها الابن الشرعي بل وربما الوحيد، الذي تزرعه في رحم الأمة القراءة العلمية السليمة لأوضاع الأمة، القائمة على فهم تاريخها الماضي، ومزجه باستقراء مستقبلها القادم، واخضاعه لقوانين حاضرها القائم. وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال قراءة مختلفة تختلف روحا، وجوهرا، ومدخلا، وآفاقا، عما نشاهده أو نقرأه اليوم في القراءات المرصودة في مطلع هذه المقالة. قراءة تقوم بها قابلة تاريخية متمرسة وخبيرة. في اختصار نحن في حاجة إلى قراءة جديدة تتلوها أذهان متفتحة، ليست أسيرة الماضي وقيوده، ولا رهينة أوهام المستقبل الوردية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها