النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

اليوتوبيا الستالينية في كوريا الشمالية

رابط مختصر
العدد 9267 الاحد 24 أغسطس 2014 الموافق 28 شوال 1435

من يتهيب زيارة آخر قلاع الصمت والرعب في العالم المتجسد في جمهورية «آل كيم» الكورية الشمالية، ويريد في الوقت نفسه أن يتعرف عن نمط الحياة في هذا البلد البائس ليس عليه سوى قراءة كتاب «كوريا الشمالية الحقيقية: الحياة والسياسة في اليوتوبيا الستالينية الفاشلة» لمؤلفه «أندريه لانكوف». فربما يجد في هذا الكتاب بعض ما يريد لعدة أسباب، لعل أهمها أن مؤلفه أكاديمي روسي ذو باع طويل في الشأن الكوري الشمالي بفضل تخصصه في شؤون هذه البلاد، وعمله لبعض الوقت في عام 1985 في «جامعة كيم إيل سونغ» في بيونغيانغ ضمن برنامج تبادل الطلبة والاكاديميين بين الأخيرة وجامعة لينينغراد الروسية، وتحدثه الكورية بطلاقة، وإنتقاله اليوم للعمل الأكاديمي في كوريا الجنوبية، فضلا عن قيامه بتأليف ثلاثة كتب مهمة عن كوريا الشمالية هي «الأزمة في كوريا الشمالية: فشل عملية القضاء على الستالينية» و«تكوين كوريا الشمالية 1945 – 1960» و«جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية ما بين الأمس واليوم». وهي كتب صدرت في الأعوام 1956 و2003 و2005 على التوالي. المعروف أن كوريا الشمالية ذات الـ 25 مليون نسمة هي من أكثر بلاد العالم غموضا، وأكثرها صدا لأبوابها أمام الباحثين والدارسين والإعلاميين والمؤرخين ومنعا لهم من الوصول إلى المعلومة. بل انها لا تسمح إلا لدخول عدد صغير من السياح إلى أراضيها سنويا، وهؤلاء لا يـُسمح لهم بالتجوال بحرية أو التحدث لمن يشاؤون، وإنما تقوم الجهات الرسمية بتحديد الأماكن المسموح لهم بزيارتها والتجول فيها، والأشخاص الذين من الممكن تبادل الحديث معهم. يبدأ لانكوف كتابه بالقفز فورا إلى الحديث عن تاريخ نشوء هذه الدولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وصعود «كيم إيل سونغ» إلى السلطة على رأس القيادة في الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية، ومنهما ينتقل إلى الحديث عن النظام الاشتراكي الذي تبناه الأخير وأدى إلى فشل ذريع في كل المجالات. وبطبيعة الحال فإن كل هذه الأمور معلومة للقاصي والداني وبالتالي فإن المؤلف لم يأت بجديد. غير ان الجديد تمثل في ما قاله عن عمليات التطهير التي قام بها «كيم إيل سونغ» لرفاقه ما بين أواخر الأربعينات وأواخر الخمسينات، من أجل القضاء على أي مصادر محتملة للانشقاق والتآمر على زعامته. فطبقا له استطاع اثنان من رفاقه من بين الرجال العشرة الذين أداروا البلاد منذ قيامها في عام 1949 أن يتفادوا أحكام الإدانة، وبالتالي ماتوا موتة طبيعية. ومن ضمن الآخرين قـُتل اثنان على أيدي مواطنين غاضبين بسبب شائعات عن خيانتهم وتعاملهم مع الأعداء، فيما تم التخلص من الستة الباقين على أيدي رفاقهم قتلا. ولا نحتاج هنا تذكير القارئ بمدى ما خلقه هذا من رعب وخوف في صفوف القيادات الوسطى والدنيا في حزب العمال الحاكم وجيش الشعب، الأمر الذي أطلق يد الرفيق «المبجل» كيم إيل سونغ في شؤون البلاد والعباد وحوّله إلى ملك غير متوج على رأس جمهورية اشتراكية. وككل الشيوعيين السابقين، لم يستطع لانكوف أن يخلع جلبابه القديم بالكامل. نرى ذلك بوضوح في انتقاده لنظام «كيم إيل سونغ» لجهة فشله سياسيا واقتصاديا من ناحية، ومدحه لجهة ما حققه للجماهير من خدمات صحية وتعليمية وإسكانية من ناحية أخرى. لكن ماذا عن انهيار الإنتاج الصناعي والزراعي لصالح ازدهار إنتاج أدوات القتل والدمار الشامل وما رافق الأخير من مجاعة وفساد وسياسات طائشة وعبثية تجاه الجيران منذ نهاية التسعينات؟ هذا ما لم يتناوله المؤلف بالتفصيل. على أنه يـُحسب له الإشارة العابرة إلى بعض صور الفساد في هذا البلد. من ذلك قوله في إحدى الصفحات أن في كوريا الشمالية يستطيع المواطن أن يتفادى عقوبة ممارسات يــُنظر إليه هناك كـ «جريمة سياسية». فمثلا امتلاك أجهزة الراديو ذات الذبذبات المبرمجة كان جريمة لعقود طويلة، وهو لايزال كذلك إلى اليوم، غير ان ما استجد بسبب انتشار الفساد هو إمكانية امتلاك تلك الأجهزة عبر تقديم رشوة لا تتجاوز المائة دولار أمريكي للشرطة. غير ان لانكوف يعود مرة أخرى ليخبرنا أن الحياة في كوريا الشمالية ليست كالحياة في الاتحاد السوفياتي السابق أو في دول أوروبا الشرقية زمن دورانها في فلك الدب الروسي، بمعنى أن لها طابعها وشكلها الخاص القابل للتغيير باتجاه اقتصاد السوق ببطء. وهو يستند في هذا إلى أمثلة منتقاة وحوارات أجراها مع أصحابها في داخل كوريا الشمالية وخارجها. من تلك الأمثلة قصة «كيم» الاربعيني الذي يمتلك منجما من الذهب، على الرغم من أن مناجم الذهب من الناحية التقنية تتبع القطاع العام، وقصة السيدة «يونغ» التي تملك وتدير العديد من المصانع التي تقوم بتقليد المنتجات الصينية من الملابس التي هي أصلا مقلدة، وقصة شخص ثالث يعمل بحماس في الاستثمار في منشآت سياحية في منتجع «كومغانغ» الجبلي رغم علمه بأن بلاده لا ترحب بالسياح الأجانب. ما يمكن إضافته هنا إلى الصورة الداكنة عن كوريا الشمالية أن نظامها لا يملك أدنى قدر من الكياسة والتهذيب في مخاطبة الآخر! لقد قرأنا وسمعنا عن دول وأنظمة وصل العداء بينها إلى أعلى درجاتها وأشد مستوياتها، لكنها لم تلجأ قط إلى استخدام ما استخدمته بيونغيانغ من ألفاظ نابية ومنحطة في مطلع إبريل لوصف رئيسة جمهورية كوريا الجنوبية السيدة «بارك غيون هي»، وهي ابنة «شونغ بارك هي» باني النهضة الصناعة في الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية. ففي ردها على اقتراح من الأخيرة لمساعدة أطفال كوريا الشمالية، قالت بيونغيانغ عن الرئيسة الكورية الجنوبية انها «عاهرة بغيضة، فشلت في أن تتزوج وتنجب»! وفي نقدها للرئيس الامريكي اوباما في مايو وصفته بوصف عنصري حينما قالت عنه أنه «لقيط يشبه القرود، ومن الأفضل له أن يعيش مع القرود في حديقة الحيوانات». لكن ماذا يقترح لانكوف كي تخرج كوريا الشمالية من حالتها المزرية هذه؟ إن اقتراحه هو أن تواصل الحكومات الأجنبية تمويل البرامج الإعلامية مثل «صوت أمريكا»، من جهة وتقوم بتطوير التبادلات الرسمية مع بيونغيانغ من جهة اخرى مع الأخذ بعين الاعتبار هدف اختراق الستار الحديدي لهذه الدولة وتحقيق التواصل مع شعبها المعزول عما يجري في العالم، علـّه يصحو من الخرافات التي رسخها آل كيم في عقله منذ اواخر الأربعينات. لكنه يعود ويناقض نفسه حينما نقرأ له قوله: فقط الكوريون الشماليون يستطيعون تغيير بلادهم، لأن أي محاولات لفرض حلول من الخارج، سواء من سيؤول اوبكين او واشنطن، لن تفلح. وتفسيره هو أن الكوريين الشماليين أمة فخورة بنفسها كما هو حال الأفغان والعراقيين، وبالتالي فهم ليسوا بوارد الترحيب بالغازي الأجنبي حتى وإن حمل لهم المن والسلوى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها