النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

استئناف الأحكام القضائية أمام محكمة التلفزيون

رابط مختصر
العدد 9264 الخميس 21 أغسطس 2014 الموافق 25 شوال 1435

لم يكن مسلسل «صديق العمر» الذي أرّخ للعلاقة بين الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر» وصديق عمره والرجل الثاني في دولته - أو الأول مكرر- المشير «عبدالحكيم عامر» هو الوحيد من بين دراما رمضان الذي سعى صناعه لاستئناف الأحكام التاريخية التي صدرت في قضية تحديد المسؤولية عن الهزيمة في حرب 1967: هل هو القائد السياسي لثورة يوليو 1952 «جمال عبدالناصر» أم القائد العسكري لها «عبدالحكيم عامر»؟ بل كان واحدا من ثلاثة مسلسلات على الأقل، بدت كما لو كانت محاولات لاستئناف الأحكام القضائية التي صدرت في جرائم جنائية كبرى سواء كانت لها صلة بالسياسة أو لم يكن. والمسلسلان الآخران هما «المرافعة» الذي كتبه وأنتجه وقام ببطولته الفنان «تامر عبدالمنعم» واشترك معه في البطولة عدد من النجوم العرب، كان في طليعتهم الفنانون «باسم ياخور» و«فاروق الفيشاوي» و«دوللي شاهين» وأخرجه «عمر الشيخ» واستند كاتبه إلى وقائع واحدة من أشهر جرائم القتل التي وقعت عام 2010، وأثارت اهتماما واسعا بين الرأي العام المصري والعربي، هي واقعة مقتل الفنانة اللبنانية «سوزان تميم» في «دبي» والتي اتهم رجل الأعمال المصري «هشام طلعت مصطفى» بالتحريض على قتلها لأسباب عاطفية ومالية واتهم ضابط سابق بجهاز مباحث أمن الدولة هو «محسن السكري» بتنفيذ عملية القتل، وبعد جولتين من التقاضي حكمت محكمة النقض المصرية على أولهما بالسجن لمدة خمسة عشر عاما وعلى الثاني بالسجن لمدة خمسة وعشرين عاما، حيث لا يزالان يقضيان مدة العقوبة حتى الآن. أما المسلسل الآخر فهو «ابن حلال» الذي قام ببطولته الممثل الصاعد «محمد رمضان» و«وفاء عامر» وكتبه «حسان دهشان» وأخرجه «إبراهيم فخر» فقد استوحى صناعه وقائع جريمة قتل أخرى أكثر بشاعة هي جريمة مقتل شابتين في عمر الزهور، هما «هبة» و«نادين» بأحد المجمعات السكنية المحدودة والمغلقة على سكانها بضاحية من ضواحي القاهرة، اتهم بقتلهما عامل فقير بهدف السرقة ولأن إحدى الفتاتين هي ابنة المطربة المعروفة «ليلى غفران» فقد أثارت وقائع محاكمة القاتل كثيرا من اللغط واجتذبت اهتمام الرأي العام، عاد المسلسل الذي سعى صناعه لاستئناف حكم الإعدام الذي صدر بحق القاتل ونفذ بالفعل ليضع فأس المسؤولية عن اغتيال الفتاتين في رقبة جهات أمنية لأسباب سياسية تتعلق بالصراعات داخل السلطة الحاكمة. ولأسباب مختلفة لم يتطرق صناع مسلسل «صديق العمر» إلى الجانب الجنائي في العلاقة بين «عبدالناصر» و«عبدالحكيم عامر» وهو يتعلق بما أثير حول ظروف انتحار الأخير التي نفت أسرته أثناء التحقيقات التي أجريت بعد رحيله، أن يكون قد انتحر وجزمت بأنه قتل، وحملت الجهات الأمنية التي أنيط بها احتجازه، المسؤولية عن قتله ولا تزال الدعوى القضائية التي أقامتها لإعادة التحقيق في ظروف مقتله منظورة أمام القضاء ولم يتطرقوا إلى هذا الجانب في الحلقات الأخيرة من المسلسل وقصروا عريضة الاستئناف التي تشكلها حوادثه، على دفع الاتهام بأنه المسؤول الوحيد عن هزيمة 1967 ليعلقوا فأسها في عنق صديقي العمر: «ناصر» و«عامر»! والمسلسلات الثلاثة بخاصة الأخيران، تشكل قسما من عشرة مسلسلات عرضت في رمضان هذا العام يقول النقاد أن صناعها استلهموا موضوعها من صفحات الجريمة في الصحف اليومية، وهو ما اعتبروه دليلا على نفاد القريحة الإبداعية لدى كتاب الدراما التليفزيونية، بعد أن استنفدوا الموضوعات التقليدية المكررة خلال العقود الماضية، والظاهرة صحيحة إلى حد ما، بعد أن لاحظ ناشرو الكتب أن الجيل الشاب من القراء بدأ يتجه بقوة نحو الروايات ذات الطابع البوليسي الذي يتسم بالتشويق وتوقعوا أن يؤثر ذلك بالتبعية على صناع الدراما السينمائية والتليفزيونية، لكن ذلك لا يؤثر بالضرورة في رأى آخرين على جودة العمل الأدبي، أو الفني سواء كان مسلسلا تليفزيونيا أو فيلما، ذلك أن التشويق كان أحد خصائص العمل الفني، سواء كان رواية أو مسلسلا، لكن القضية كانت تكمن دائما في مسألتين:- الأولي: أن استخدام الشكل البوليسي وان كان جذابا للقراءة وللمشاهدة وخاصة لدى الجيل الشاب ولدى القارئ أو المشاهد العام، هو مجرد شكل يمكن أن يساء استخدامه لأهداف تجارية محضة، يستهدف الناشرون والمنتجون منها تحقيق أقصى ربح بمعابثة أمزجة الجمهور، بحيث تتحول الرواية أو المسلسل إلى شكل يكاد يخلو من أي مضمون، بل قد يحمل - ربما دون قصد من صناعه - مضامين سيئة تشجع على ارتكاب الجرائم، أو يحول القراءة والمشاهدة، في أحسن الأحوال إى أداة للتسلية وقطع الوقت على النحو الذي عهدناه في سلاسل الروايات البوليسية التي قام ببطولتها شخصيات شهيرة مثل «أرسين لوبين» بطل روايات «موريس لبلان» و«شرلوك هولمز» بطل روايات «السير آرثر كونان دويل» و«هركليس بوارو» بطل روايات «أجاثا كريستي».. وغيرهم. وعلى العكس من ذلك، فإن الشكل البوليسي قد يستخدم لتقديم مضمون جيد يحتفظ للرواية بمكانتها من بين الأعمال ذات القيمة الإبداعية العالية، ويغص مع ذلك بعوامل التشويق التي تجذب القارئ، ومن الأمثلة البارزة في هذا الصدد، رواية «اللص والكلاب» إحدى أشهر روايات «نجيب محفوظ» التي استوحاها من واقعة حقيقية جرت في ستينيات القرن الماضي، حين خرج لص المساكن «محمود أمين سليمان» من السجن بعد قضاء مدة العقوبة لينتقم من زوجته السابقة بعد أن اكتشف أنها خانته مع أحد أتباعه، وتواطأ الاثنان معا لإبلاغ الشرطة ضده، حتى تتاح للزوجة فرصة طلب الطلاق والزواج بعشيقها، وحاول قتلهما أكثر من مرة ولكن رصاصاته كانت تطيش لتقتل أبرياء ومع أنه استطاع أن يفلت من الكلاب البوليسية التي كانت تطارده إلا أن الشرطة تمكنت من اقتناصه في النهاية. ومع أن التشويق في الرواية - التي تحولت إلى أكثر من فيلم سينمائي وأكثر من مسلسل تليفزيوني - استند إلى المطاردات المتواصلة والفاشلة بين اللص والكلاب، إلا أن «سعيد مهران» بطل الرواية اختلف عن البطل الحقيقي لها، في انه وسع نطاق معركته لتشمل كل الخونة، وليس الزوجة الخائنة والتابع الغادر وحدهما وبالذات الثوري الفوضوي «رءوف علوان» الذي أوهم «سعيد مهران» يوما بأن سرقة الأغنياء هي وسيلة لاسترداد ما سرقوه من الفقراء وحول السرقة من جريمة إلى أيديولوجية ثورية وحين خرج «سعيد» من السجن اكتشف أن «رؤوف» خان مبادئه وأصبح لسان حال يدافع عن الأغنياء الذين أقنعه بان سرقتهم حلال فأضافه إلى قائمة الكلاب الخونة الذين يطاردهم ويطاردونه! ليس الشكل البوليسي في حد ذاته نقيصة درامية وليس استيحاء ما ينشر في صفحة الجريمة كأساس لعمل روائي نقيصة أدبية يعير بها الروائي وإلا ما لجأ إليها كاتب بمكانة «نجيب محفوظ» وليس استيحاء ما ينشر في صفحة الجريمة ليكون موضوعا لمسلسل تليفزيوني دائما عملا تجاريا تافها إذ الفيصل في الحالتين هو مضمون العمل، والقيمة التي يحملها إلى القارئ أو المشاهد. وفى هذا السياق يمكن اعتبار مسلسلي «المرافعة» و«ابن حلال» محاولة لاستحياء الجريمتين اللتين استوحى كاتب كل منهما مسلسله منهما، وأضاف بعدا سياسيا واجتماعيا عليهما يتمثل في المناخ السياسي الذي كان سائدا خلال فترة وقوعهما والذي اتسم بالفساد وانحراف بعض أجهزة الأمن، لتوجيه أصابع الاتهام نحو من اعتبرهم مسؤولين عن هذه الجرائم.. فالذي قتل «سوزان تميم» هو منافس غير مصري له وليس معاونه وشريكه في الجريمة «محسن السكري».. والذي قتل «هبة» و«نادين» هو صراع بين حيتان الرأسمالية الذين أشاعوا ظاهرة التزاوج بين المال والسلطة التي تفشت في مصر قبل ثورة 25 يناير. أما المسألة الثانية، فهي تتعلق بمدى وعى المشاهد الذي يستقبل العمل الفني.. صحيح أن صناع المسلسلين قد غيرا أسماء الأبطال، وكثيرا من الحوادث لنفي الانطباع بأنهما يقدمان حوادث حقيقية وأنهما اتجها على عكس أحكام القضاء التي صدرت في القضيتين إلى تبرئة المتهمين في كل منهما، إلا أنه لم يكن عسيرا على المشاهد أن يستنتج من وقائع أخرى، الصلة بين أحداث كل منهما، وبين الوقائع الحقيقية للجرائم الأصلية التي بني عليها صناع المسلسل وقائعه.. خاصة أنها لا تزال حية في ذاكرة المشاهدين، ولم يمض عليها سوى ما يقل عن خمس سنوات. ولأن الكتلة الكبرى من جمهور مشاهدي التليفزيون على عكس قراء الرواية هو جمهور من العوام الذين يقصر وعيهم عن إدراك الفارق بين «الواقع» وبين «التعبير الفني» عنه فقد شاع بينهم الاعتقاد بان ما يرونه في هذه المسلسلات هو الوقائع الحقيقية لجريمة قتل «سوزان تميم» و«هبة» و«نادين» وان القضاء قد تواطأ حين أدان المتهمين في القضية الأولى وهما «هشام طلعت مصطفى» و«محسن السكري» وترك المجرم الحقيقي طليقا، وتواطأ في القضية الثانية حين أدان عاملا فقيرا، وترك المجرمين الحقيقيين طلقاء خاصة أن شائعات من هذا النوع كانت قد راجت أثناء نظر القضية وأشار إليها الإعلام وتبنتها أسر المتهمين واستند إلى بعضها دفاعهم.. فتحول المسلسلان من عمل فني إلى ما يشبه استئناف الحكم في القضيتين أمام محكمة التليفزيون باعتبارها أعلى درجات التقاضي في القضاء المصري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها