النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

غـــــوانتـــــنامــــو

رابط مختصر
العدد 9264 الخميس 21 أغسطس 2014 الموافق 25 شوال 1435

يوسف زيدان ليس مجرد كاتب رواية، فهو أيضا باحث يغوص في بحار التراث العربي المخطوط وعلومه، بحثا عن لآلئه. من أشهر رواياته «عزازيل»، وأقصرها «ظل الأفعى»، وأحدثها «غوانتنامو». وقبل صدور هذه الرواية الأخيرة، كشف زيدان في مقابلة له مع صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية«، » إلى أنها تعد الرواية الثانية من ثلاثية بدأت برواية (محال) التي صدرت العام الماضي وستنتهي برواية (نور)، مستطردا تحدثت رواية (محال) عن شاب مصري يعمل في الإرشاد السياحي بأسوان ثم تتقلب به الأحوال ويتم القبض عليه على الحدود الباكستانية الأفغانية خلال الحرب الضروس التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على حركة طالبان الأفغانية لتنتهي الرواية عند هذا الحد. أما أحداث رواية (غوانتانامو) فتدور كلها في الزنزانة، لتأتي الرواية الأخيرة (نور) وتسرد ما حدث مع الفتاة التي أحبها بطل رواية (محال). وسردت أحداث رواية (محال) على لسان (الراوي العليم) أما (غوانتانامو) و(نور) فتسردان على لسان أبطال الروايتين. زمن الرواية يمتد بين بين منتصف التسعينات من القرن الماضي ومنتصف العقد الأول من القرن 21، وهي الفترة الممتدة بين طرد الاستعمار السوفياتي من أفغانستان وبداية الغزو الأمريكي لها، وتعرج على أحداث تفجير البرجين في الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2001، قبل أن تحط رحالها عند المعسكر الأمريكي في خليج »غوانتنامو«، وهو الاسم الذي اختاره زيدان، بشكل موفق، لروايته التي تدور أحداثها في ذلك المعسكر الذي حولته الإدارة الأمريكية إلى معسكر للتعذيب، ومختبر لتجاربها على المعتقلين. تتوزع الرواية، بشكل متناغم على ثلاثة محاور، زاوج بينها زيدان بشكل متكامل ومحكم، وحاكها في نسيج روائي، مزج فيه، بشكل مبدع، بين الخيال اللامتناهي، والواقع المأساوي. أول تلك المحاور الذي لم يغب عن معظم صفحات الرواية هو المحور العقيدي أو الفكري. فنجد زيدان لا يكف عن اللجوء إلى الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في كل مشهد من مشاهد الرواية، التي يسردها على لسان بطل الرواية وهو شاب من أصول مزدوجة (مصري سوداني)، أصبح يعرف باسم »برس«. بل أنه يغوص عميقا في الربط بين الأحداث والعقيدة، فيكرر ذلك عند الحديث عن طهارة الوضوء، وصحة الصيام. ويستفيد من ذلك في إبراز الاختلافات بين الفرق الإسلامية، عندما تتباين مواقف السجناء حول حلول اليوم الأول من شهر رمضان، فيصوم البعض منهم دون الآخر. وفي السياق ذاته نجد حسن اقتباس زيدان للآيات التي تلائم الموقف الذي يواجهه أي من النزلاء. نقرأ ذلك حين يذهب «برس» لل «استخارة»، بشأن ما عرضه عليه المحقق «مارتن»، حول مقايضة إطلاق سراحه بالتعاون مع الأمريكان، «فيسبح برس طويلا بقوله تعالى (يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة من أمرهم)». ولعل في تطرق زيدان إلى جماعة المورموري فيه إشارة إلى هذا المحور، حيث يؤكد زيدان في أحد تصريحاته «أن هذه الجماعة ليس لها كتاب مقدس، وإنما هو من فكر زيدان». والمحور الثاني هو ذلك السياسي، حيث نجده حاضرا في كل الحوارات التي كانت تتم بين بطل الرواية، ففي كل جلسة كان لا يكف الشاب الذي حمل الرقم 676، ولا حقا أصبح يعرف باسم »برس« لكونه مراسلا صحفيا، عن الربط بين أسئلة المحققين، وسياسة الولايات المتحدة الخارجية. ومن ثم يكشف، في خضم سرد الرواية لحوارات التحقيق، الكثير من تلك السياسة، بما يكتنفها من مؤامرات لم يعد في وسع الإعلام الأمريكي إخفاءها، بما في ذلك الدور الذي تمارسه وكالة المخابرات المركزية سواء في التعامل مع معتقلي غوانتنامو، أو في البلدان التي لواشنطن مصالح اقتصادية فيها. ويفشل من أوكلت لهم مهمة التحقيق مع نزلاء سجن غوانتنامو في تمويه الجانب البشع في تلك السياسة. أما المحور الثالث فكان المحور الاجتماعي، ويجسده زيدان من خلال ابراز الفروقات في القيم الاجتماعية بين الشرق والغرب، ويكرسه في الحوارات المتكررة بين، الطبيبة النفسانية »ساره كلاوس« و»برس«. ويسبق ذلك بسلوك المجندة السوداء »سالي« التي حاولت من أول لقاء به أن توهم »برس« بأنها ستحاول تخفيف قيود المعتقل وقوانينه المطبقة على بعض نزلائه، ومن بينهم هو شخصيا. ثم تحاول من خلال ذلك أن تغريه بممارسة الجنس معها. وعندما يرفض ذلك، تمسكا بقيمه الاجتماعية، يكتشف لاحقا أنها لم تتردد في القيام بذلك مع زميله في الزنزانة المجاورة له »محب الحور«. يستخدم زيدان هذه الحادثة في تجسيم التباين في القيم الاجتماعية حيث ينبذ السجناء زميلهم »محب الحور«، بعد أن عرف الجميع أن »سالي« حبلى منه، وأنها في إجازة حمل. لكن ما حاول زيدان أن يكرسه -وقد وفق كثيرا في ذلك بشكل إبداعي-في ذهن القارئ وفي صورة مشمئزة هو »ملف التعذيب«. هنا ينجح زيدان في إثارة القارئ فيما يشبه الدعوة الاستفزازية لشجب التعذيب بأشكاله الجسدية والمعنوية. إذ يواجه نزلاء غوانتنامو أنواع التعذيب كافة بدءا من طبيعة الزنازن التي يرمى بهم فيها، والتي تقترب من أشكال القبور الحية، مرورا بالسلاسل التي يقيدون بها والتي تترك تشويهاتها على البنية البدنية للسجناء، انتهاء بوجبات الطعام. هذا على المستوى المادي، أما على المستوى المعنوي، فيبدأ مسلسله، بعزل السجين عن الزمان والمكان، حيث يفقد النزلاء كليا علاقتهم بالعالم الحسي، ويمر بالاستفزازات اليومية التي تمس القيم والعقيدة، وينتهي بالسجن الانفرادي ولفترات طويلة، كنوع من العقاب المباشر لأي معتقل يبدي ما ترى فيه إدارة السجن شكلا من أكال العصيان. بقيت قضية لا بد من الإشارة لها، وهي أن زيدان خلال توقيع كتابه نوه إلى «أن فكرة كتابة رواية (غوانتنامو) جاءته من خلال إعجابه برواية (العجوز والبحر) للكاتب الأمريكي (أرسنت همنغواي). وأن هذا الإعجاب دفعني لكتابة هذه الرواية التي رأيتها في حلمي عندما كنت في الإعدادية، (موضحًا) كيف بنى أرسنت عمله دون معطيات، وكيف يحكي شيئًا في الحلم ولا يكمله؟». ترى هل بنى زيدان روايته من معلومات استقاها من أحد نزلاء غوانتنامو، أم هي من بناة أفكاره وأحلامه؟ في الحالتين تبقى غوانتنامو عملا ابداعيا جميلا يدعونا لترقب ثالثة الثلاثية «نور».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها