النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

ماذا بوسع التعليم العالي أن يقدم للتنمية؟!

رابط مختصر
العدد 9263 الأربعاء 20 أغسطس 2014 الموافق 24 شوال 1435

قبل نحو عقدين من الزمان جاء في تقرير جاك ديلور الشهير الصادر عن منظمة اليونسكو في العام 1996م بعنوان (التعلم ذلك الكنز المكنون) تحديد الغايات الأربع للتربية في عصر المعلومات والتي صاغها على نحو دقيق وعلمي نخبة من خبراء التربية وعلم المستقبليات من مختلف أنحاء العالم، وهي: التعلم للمعرفة – والتعليم للعمل – التعلم للكينونة – والتعلم للعيش المشترك باعتبار هذه الغايات هو مفتاح العيش في القرن الحادي والعشرين، قرن إنتاج المعرفة وتسويقها. كما تضمن التقرير إشارة بالغة الأهمية إلى الخطأ الذي تقع فيه العديد من نظم التعليم الجامعي في العالم الثالث، وهو التوسع في فتح تخصصات نظرية (إنسانية في الغالب) في مؤسسات التعليم العالي على حساب التخصصات الفنية والتقنية قصيرة ومتوسطة المدى (وغير المكلفة للدولة من حيث نفقات التكوين) والتي يحتاجها سوق العمل، بما يضخم من أعداد الخريجين من حملة الشهادات الجامعية في تخصصات إنسانية نظرية غير مطلوبة، مع فقر شديد في التخصصات والمجالات التي يحتاجها السوق خاصة التقنية والفنية منها، ويؤدي ذلك في الغالب إلى إهدار موازنات ضخمة وموارد بشرية دون مردودية اقتصادية مع استمرار الخلل الهيكلي في قطاع العمل، ولذلك اقترح التقرير إعادة النظر في التوجيه الجامعي، بتنويع اختصاصاته واختصار سنواته وربطه بالدرجة الأولى باحتياجات السوق، مع الاحتفاظ بقدر معقول من المسارات النظرية والإنسانية، بحيث لا تتجاوز الثلث على اقصى تقدير.. ومع أن هذه التوصية التي أوردها التقرير منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، فإن الإشكالية ما تزال قائمة حتى اليوم في العديد من البلدان العربية، ومنها البحرين، فلئن كانت البحرين آخذة بمزيد من السياسات لمعالجة المتطلبات المادية المرتبطة بنشر التعليم وترسيخه بين مختلف الفئات الاجتماعية ليكون حقا مشاعا، فإنها تواجه حاليا، وسوف تواجه في المستقبل، شأنها في ذلك شأن اغلب دول العالم تحدي توظيف حملة الشهادات عامة، والشهادات الجامعية خاصة، وهو تحد كبير ومؤلم ومتعب للدولة وللمجتمع وللخريجين معاَ، بما يتطلب عاجلا إعادة النظر في العلاقة بين مخرجات التعليم الجامعي وسوق العمل، من خلال المزاوجة الضرورية بين التعليم والتدريب مدى الحياة، والعمل في ذات الوقت على بناء الكفاءات التي يتطلبها اقتصاد المعرفة، وبما يعني تبني نوع من « السياسة العملية البرجماتية»من خلال دمج التعليم والتدريب ضمن عملية هندسة المجتمع وإعداد مستلزماته ضمن ما بات يعبر عنه بإعداد الموارد البشرية، وهذا ما ركزت عليه الرؤية الاقتصادية 2030م، ومبادرات المشروع الوطني للتعليم والتدريب. حيث توضع عملية إعادة توجيه التعليم الجامعي ضمن عنوان تعزيز حاجات البلاد من الموارد البشرية وتعديل اختلالات العلاقة بين الخريجين والسوق، من حيث توزع اختصاصاتهم أكثر مما توضع تحت عنوان رغبات الطلبة، وهي عملية تحتل أهمية متصاعدة في تحديد مستقبلهم الدراسي والمهني، رغم ما يعتري ذلك من صعوبات متتالية، إذ تنحو تلك العملية بصفة متزايدة نحو تغليب السمات التطبيقية والتقنية على التعليم عامة، والتعليم العالي خاصة، وتغليب العلمي والتقني والفني من المواد على الأدبي والإنساني فيه، والميل المتزايد إلى تغليب المسارات التطبيقية القصيرة ذات المردودية المباشرة على المسارات الطويلة(مثل البكالوريوس والدراسات العليا)، حيث تنجز تلك العملية عبر إجراءات وآليات وأجهزة تضع عملها تحت عناوين وبرامج تجديدية، يراد منها تجاوز ما تعتبره تقييمات محلية وعربية ودولية عقم التعليم الجامعي العربي، في مستوى الربط بين المخرجات وحاجات سوق العمل والمهارات المطلوبة، ومتطلبات الاندماج في الدورة الاقتصادية العالمية. وتعترض تلك الاستراتيجيات صعوبات التمويل وتوفير الأجهزة التقنية اللازمة وعدم اتساق ما ينجزه القطاع الخاص مع ما ينجزه القطاع الحكومي ضمن خطة موحدة، تختصر الآجال وتقتصد الأموال، ولكن الصعوبة الأكبر بين كل تلك السياسات والبرامج تتمثل في عدم اتساق بين الثقافة الاجتماعية السائدة، ومتطلبات التحول في التعليم والتدريب والتوظيف على حد سواء، مما يستدعي إعادة بناء إستراتيجية البناء الاجتماعي على أساس قيمي جديد، فليست البنى السياسية والاجتماعية كلها معدلة على نفس وتيرة التجديد، وليست القوى الاجتماعية جميعها على اتفاق على مضمون هذا التحول والياته، بل وليست جميعها مهيأة لقبوله أصلا، فما بالك بتوظيفه في اتجاه يمثل فائدة حقيقية وملموسة للأجيال الجديدة. هنالك اليوم إجماع عالمي على أن اختراق التكنولوجيا للتعليم في جميع مراحله بما سيعيد (إن لم يكن قدر بدأ يعيد بالفعل) بناء توزيع الدخل الاقتصادي بين الناس، وسوف تظهر تبعاً لذلك ثلاثة مستويات معاشية اقتصادية جديدة بينهم حسب نوعية التربية التكنولوجية التي يتلقاها كل فرد في المعاهد والجامعات. وإن هذا التبدل سيضع فئة محدودة جدا من الخريجين في قمة هرم سوق العمل والوظائف والأعمال، وسوف تتوزع الأغلبية الباقية على مستويات الأعمال التقليدية الخدمية والوظائف الحكومية والإدارية العادية (والآخذة في التقلص وفي التراجع من حيث الحاجة إليها ومن حيث مستويات الرواتب والدخول)، ولا شك أن التعليم العالي لن يستطيع فعل شيء كبير لوقف هذا التيار، ولكنه يستطيع قطعاً فعل ما يكفل الارتقاء بجودة المخرجات وأن يكون الصعود إلى الشريحة العليا من الدخول محكوماً بالذكاء والكفاءة الفردية واكتساب المهارات من خلال تأصيل موازين التوجيه الجامعي القائم على دراسات علمية وعلى قراءة دقيقة للاحتياجات التنموية. ونأمل ان يكون الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة لتطوير التعليم العالي والبحث العلمي التي تم الإعلان عنها مع نهاية العام الدراسي الماضي من قبل مجلس التعليم العالي، فاتحة خير لإعادة النظر في مجمل الموضوعات والقضايا ذات العلاقة. جملة مفيدة جاء في كتاب«جون فرانسوا ليوتار»(وضع ما بعد الحداثة):« يتطلب الوضع الحالي من الجامعات أن تشتغل على آليات تحويل نفسها بنفسها إلى المرحلة الجديدة، للوفاء بالمتطلبات الدنيا لتعليم جامعي يكون أساسه البحث العلمي المتجدد وليس تكرار ما أنجزه الآخرون أو التحول إلى مجرد عملية تدريس روتينية تنتهي بمنح الشهادات التي لم تعد تعني شيئا كبيرا في معيار المعرفة أو السوق.».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها