النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

التحرر من تاريخ الأوهام

رابط مختصر
العدد 9261 الأثنين 18 أغسطس 2014 الموافق 22 شوال 1435

في الأجواء الاستفزازية المليئة بالمشاحنات بين أطراف الصراع السياسي على الساحة الوطنية، نشأ وتربى جمهور من المشجعين يستبيحون كل شيء في الطريق إلى تحقيق الأهداف، دون التوقف للحظة واحدة للبحث عن المخرج من المأزق، ودون الانتباه إلى ان هنالك دوما حلولا خارجية بعيدة عن شعار «نحن أو هم»؟!! وهو شعار المفتونين بصياغة المزيد من الألفاظ البذيئة والكلمات الخارجة عن أدبيات الخلاف وحدودها الأخلاقية والدينية والسياسية، وبعيدا عن منطق الحرب الشاملة بين الفرقاء السياسيين في مواقع وفضائيات بذيئة واستفزازية، آخر همها الحقيقة والقيم والمصالح الوطنية، وأول همها الكذب ثم الكذب ثم الكذب «لتدمير الأعداء وتشويه صورهم». حيث ينشط المتصارعون في اشتقاق صيغ وتعابير يعافها الذوق وتتنزه عنها الأخلاق والقيم، ولأن هذا الجمهور من المشجعين قد استساغ هذا اللون من اللغة البذيئة، فقد بدأ ينفر تماماً من كل خطاب رشيد عاقل هادئ، يدعو إلى التهدئة والى التسامح والوحدة الوطنية ويشجع على الحوار ورفض منطق التخوين، ولذلك تتم مواجهة أي خطاب من هذا النوع بالتجاهل والاستخفاف وحتى بالاتهام بالعمالة، لأنه خطاب يرفض الإسفاف والنزول إلى مهاوي الشر والقطيعة، ومداعبة الشر الكامن في النفوس التي اعتادت خطاباً متشنجاً لا يضيف رؤية تنفع الناس، وتذهب بهم نحو المستقبل مسلحين بالثقة والأمل، ومما زاد في الطين بلة كثرة الفضائيات والفضاءات المفتوحة التي عززت بجلاء ثقافة مقززة من الكراهية والخروج عن لغة العقل فتحولت إلى ساحات لخوض صراعات قاسية واستفزازية لمشاعر الناس بمختلف مشاربهم وعقائدهم، معززة بالسقوط المهني والقيمي لبعض إعلامنا وانحرافه عن أداء رسالة التنوير وانخراطه بدلا من ذلك في خلق هذا التراكم الكئيب من الكراهية والتناحر وإشعال حرائق الإحباط وعدم التفاؤل بأي قادم. في ظل هذه الحرب اليومية «حرب شعارات ومعلومات وضغط وابتزاز» ينشط «مجاهدو الكيبورد على الأطراف طاقة لإشعال النيران»، ويراهن كل طرف على إلحاق «الهزيمة» بالطرف الثاني، دون التفكير في أي مخرج آخر، في حين ان الحل الوحيد - في ظل الوضع القائم - هو القتال في صفوف الإصلاحيين من كافة الأطراف الذين يريدون التقدم بالبلاد إلى الأمام وتحقيق إصلاح «تدريجي» لتعزيز قيم الحكم الرشيد والعدالة والإنصاف والمحاسبة والحفاظ على السلم الأهلي. لقد أثبت الواقع إلى حد اليوم أن صراع الشعارات «الديمقراطية، مدنية الدولة، العدالة، الحكومة المنتخبة» لا يكفي لبلورة رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية محددة وحقيقية ومقنعة لجميع الأطراف أو على الأقل لأغلب الأطراف للانخراط ضمن هذه الحركة التي بدت وكان عملها ينصب في هدف واحد وهو المشاركة الواسعة والمؤثرة في الحكم «تمهيدا للوصول الى السيطرة عليه في المراحل اللاحقة بعد تجريد الحكم الحالي من أي سلطة فعلية»، مما يجعل الصراع اقرب الى كسر عظم ينتصر فيه من يستسلم أولا أو يرفع الراية البيضاء.. هكذا يبدو الوضع حاليا، ولكنه يعكس فشل القوى السياسية المتصارعة في تقديم رؤية سياسية واضحة بحكم عجزها عن صياغة برامج سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية وواقعية كفيلة بمعالجة المشاكل التي يعاني منها المواطن، حيث لا يكفي الحديث عن شعارات سياسية تتعلق بالسلطة، وتركيزها في خطابها السياسي على البعد الديني والطائفي، بالاستمرار في دغدغة مشاعر المواطن الدينية، واستغلال المناسبات الدينية لصالح أهدافها السياسية، إضافة إلى تعامل هذهِ القوى بانتقائية واضحة مع مفاهيم الديمقراطية، وحصرها في نتائج الانتخابات فقط ضمن مفاهيم الأقلية والأغلبية والتباهي بعدد المشاركين في المظاهرات والتجمعات وعدد الرايات المرفوعة عاليا، دون إدراك لقدرة البلد والمواطن معا على الاحتمال، ودون الاهتمام - على ما يبدو- بالبحث عن حلول وسط تخلص الجميع من الورطة. والى حين الوصول إلى هذه القناعة التي لا خلاص للجميع بدونها، يواصل العابثون بلغة التحريض المتبادل لعبتهم المفضلة في إثارة العواطف والغرائز واستحضار الماضي وحروبه ورموزه باستنفار المشاعر الأكثر وحشية واستجلابها من أعماق تاريخ الأوهام. إن الكلمات التي ترتاد الطريق وتقود إلى التقدم لا تكون متسخة ولا وقحة، الكلمات الصادقة النظيفة تقول كل شيء بإيمان مجرد من الهوى وتكون بالضرورة مع الحرية والعدل والمساواة دون أن تنزلق في الخطاب الهابط. * إكليروس قال: إنّ المكسب المتحقّق اليوم لا يتمثّل في حريّة الكتابة فحسب، وإنّما في حريّة القراءة، فقد عشنا -في جيلنا - خلال عقود ماضية في زمن لم تكن فيه حريّة القراءة أمرا مشاعا في حين كان الكتّاب يكتبون والرقيب يصادر فلا يتاح لنا قراءة ما هو مصادر. قلت: فعلا ما أروع أن نتحدّث اليوم عن «حريّة القراءة ولكن ماذا نفعل حين نعيش هذه الحريّة فنكتب ونقرأ في حين أنّنا محاطون في الدّائرة المعرفيّة الكبرى بسياط التّجريم والتّحريم التي تطال مثقّفينا؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها