النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

بعض الدروس من غزة 2014 «1»

رابط مختصر
العدد 9260 الاحد 17 أغسطس 2014 الموافق 21 شوال 1435

تحديد عام الدروس بـالعام 2014 ليس زلة قلم، وإنما هو أمر واع ومقصود. فعلى امتداد السنوات الست الماضية (2008 – 2014) عرفت غزة ثلاث حروب متتالية، وهي بخلاف المعارك المتكررة التي يشهدها القطاع بين الحين والآخر، والتي لم تتوقف تل ابيب عنها منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. وإضافة الرقم 1 بين القوسين إشارة، هي الأخرى، مقصودة لأننا ينبغي الا نستبعد أنه، حتى وإن توقفت هذه الحرب بفعل وساطات عربية أو تدخلات دولية، فمن غير المستبعد ان تعود آلة الحرب الصهيونية فتفتعل أسبابا أخرى تبرر شن حرب جديدة على سكان غزة، الذين ليس هناك من جرم ارتكبوه سوى أنهم أصروا أن يعيشوا فوق رقعة أرض تعترف بأحقيتهم في امتلاكها المنظمات الدولية والقوانين الكونية، وترفض المؤسسة الصهيونية الانصياع لتلك الرغبة، وتعتبرها تهديدا مباشرا لمعايير أمنها المزيفة. أما أول الدروس التي تلقنها هذه الحرب لمن يتابعها، فهو سقوط نظرية التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، والمقولات التي ترافقه، التي زرعتها في أذهان المواطن العربي دوائر الإعلام الغربية، وغرستها عميقا في نفوسنا نظيراتها العربية. وأكبر خطأ يرتكب هنا وضع أرقام الضحايا البشرية، أو هدم المدن كمقياس للحكم على النصر أو الهزيمة. فالمقياس الحقيقي يبنى على مدى تحقيق أي من الأطراف المتحاربة أهدافه التي خاض غمار الحرب من أجلها. فآلاف الشهداء الفلسطينيين، واضعافهم من المشردين والمصابين، مقابل عشرات من القتلى اليهود، وأقل من ذلك من الجرحى أو المفقودين، أمر طبيعي في ظل اختلال موازين القوى لصالح العدو الصهيوني. لكن ما هو أهم من ذلك هو أن ذلك العدو، فشل حتى الآن، وباعتراف مؤسساته العسكرية والإعلامية، من تحقيق أي من أهدافه، فقد أخفق في الوصول إلى هدفه العسكري وهو هد الأنفاق ومنع مرور المقاتلين منها، وكذلك الأمر بالنسبة لهدفه السياسي وهو زرع اليأس في صفوف المقاتلين الفلسطينيين، وفشل أيضا في نيل هدفه الاجتماعي وهو «تجفيف» البحيرة السكانية كي ينفق السمك المقاتل، فما تزال الجماهير الفلسطينية تحتضن أبناءها المقاتلين، وترفض أن تدعوهم كي يكفوا عن صمودهم والذود عن حياض أوطانهم وأهاليهم، مهما بلغت التضحيات وغلا الثمن. ويأتي الدرس الثاني كي ينزع من بين يدي إسرائيل أقوى أسلحتها السياسية، حيث تتمرغ مقولتها التي كانت تستدر بها تعاطف العالم معها في أوحال جرائمها. فلم تعد تل أبيب عاصمة تلك الدولة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين، تهددها الدول العربية المحيطة بها والبالغ عدد مواطنيها مئات الملايين. فالمعركة اليوم، ومنذ تأسيس السلطة الفلسطينية، محصورة بين آلة الحرب الصهيونية بكل جبروتها، وأساليب المواجهة الفلسطينية بكل بساطتها، بل وحتى بدائيتها. ومن ثم فلم يعد بوسع إسرائيل أن تواصل كذبها كي تستدر تعاطف العالم معها. وهذا بدوره يعري موقف المتعاطفين الدوليين معها. أما الدرس الثالث فيتجاوز الحدود الفلسطينية ويحط رحاله عند الجغرافيا العربية فقد أثبت العرب، وهذه المرة ليس في أراضي الحكام فحسب، وإنما حتى في صفوف القوى المعارضة أيضا. أن حدود دعمهم للقضية الفلسطينية لم يتجاوز، حتى هذه اللحظة، ارتفاع أصوتهم المبحوحة مؤيدة للفلسطينيين وشاجبة للجرائم الإسرائيلية، وأن تجاوزها فلن يذهب أبعد من مساعدات فتات يرمون به من فوق موائدهم، والذي لا يمكنه أن يفوق ما ينفق، في ليلة واحدة، على موائد القمار ولعب الميسر في نوادي الليل الغربية. العرب الذين تنظموا كي يقاتلوا في أفغانستان لطرد السوفيات من هناك، وكانوا محقين في ذلك، ونجحوا فيما ذهبوا للقتال من أجله، تفتقدهم اليوم أراضي المعارك في غزة. وإن كانوا في السابق يحجمون عن ذلك لكون المقاتلين الفلسطينيين من غير المسلمين، فإن حركة «حماس»، التي ليس هناك من يجرؤ على الطعن في «إسلاميتها»، هي من يتصدر المواجهة اليوم، وهي أول من يتلقى الضربات. ويتسع نطاق الدرس الرابع فيصل إلى المستوى العالمي كي يكرس زيف الديمقراطيات الغربية، ومؤسساتها التي تحلق في سمائها. فتلك المؤسسات التي وقفت ولم تقعد خلال الأحداث التي عرفتها المنطقة العربية، وعرفت باسم «الربيع العربي»، مطالبة بإطلاق سراح سجين هنا، أو الاحتجاج على اعتقال مواطن هناك، وهي محقة في ذلك، نجدها اليوم تصمت صمت القبور على كل الجرائم الإسرائيلية التي فاقت نظيراتها الفاشية والنازية، وهي ان تفوهت بكلمة، اكتشفنا، أنها وبوعي كامل ومسبق، تساوي بين السجين والجلاد. بل أننا وجدناها، في بعض الحالات، كما شاهدنا في مواقف المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، تكاد أن تقترب من شجب المواقف الفلسطينية، وتبرير الهجمات الوحشية الإسرائيلية بعد تزييف معايير حقوق الإنسان، التي أتقنت تلك المؤسسة سبل تجييرها لصالح من تتعاطف معه، وفي حالة غزة وقع اختيارها على عساكر تل أبيب وليس مواطني غزة. هذه دروس أولية، ليس هناك من شك في أن المقاتلين، بل وحتى المواطنين، الفلسطينيين ممن خاضوا غمار تلك الحرب، وغيرها من الحروب السابقة، قد أكسبتهم تجارب الميدان ما هو أهم منها وأكثر غنى مما جاء فيها. لكنها جميعا يمكن أن تشكل خميرة مشتركة يستفاد منها خلال الحرب القائمة، والحروب المقبلة. فكيان صهيوني مثل الدولة العبرية لا يمكنه أن يتنفس إلا في أجواء الحروب وسماواتها. فاوكسجينه غبار المعارك، وغذاؤه دماء الشهداء، ويعيش على أنقاض المدن التي يهدمها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها