النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

القوة العربية في مواجهة المخططات الأجنبية

رابط مختصر
العدد 9259 السبت 16 أغسطس 2014 الموافق 20 شوال 1435

حالفني الحظ أن أكون بمصر وقت إعلان الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي مشروعه العظيم وهو تنمية محور قناة السويس، والذي أسهب الخبراء المصريون في تعداد مزاياه العديدة لبلدهم وشعبهم، ويكفي أن نشير الى بعض أوصافهم عن المشروع مثل «مشروع الأمل» و«إعادة الثقة في قدرة مصر على النهوض من جديد» والاستيقاظ من سباتها بعد مرحلة جمود أرادت بعض القوي الدولية فرضها على المصريين غصبا عنهم. وسرعان ما ربط المصريون بإعلان إحياء المشروع بين السيسي ومحمد علي الذي بني مصر الحديثة، فكلاهما امتلك رؤية واضحة لقيادة مصر في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية، في الفترة الزمنية التي حكم فيها مصر. وكان بالاضافة الي رؤية محمد علي، عبقرية لا ينكرها، مكنته من بناء مصر الحديثة ووضع قواعد نهضتها. فمحمد علي أقدم على بناء جيش عصري وصناعة عسكرية ومدنية متطورة، فكان الجيش القوي ومركز قوته من المصريين لأول مرة في تاريخهم، وليكون هذا الجيش أيضا النواة التي يقتحم بها العالم ويحقق انتصارات عسكرية مدوية شهد لها التاريخ آنذاك. ولم تغب عن محمد علي رؤيته الخلاقة في المجال العلمي، فقرر إنشاء العشرات من المدارس العليا المتخصصة والمئات من المدارس المدنية لأول مرة فى مصر، وتمكن من القضاء على جزء كبير من التخلف الذي أصاب مصر في هذه الفترة والذي كان ميراثا عن قرون مضت. ويكتب تاريخ مصر الحديثة أن محمد علي هو الذي نهض بمصر منذ أن بنى مشروعات ضخمة بكل المقاييس خلال هذا العصر، قناطر خيرية، شبكة ري هائلة تعتمد على نظم وهندسة ري متطورة، زراعة محاصيل جديدة. المجال ليس محلا للمقارنة، وإنما الذي فرض هذا علينا هو تشابه الظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بمصر، فكان المصريون آنذاك يحلمون بزعيم او قائد ينتشلهم من تخلفهم ليقودهم نحو مستقبل أفضل. وننتقل بسرعة الى العام 2014 ليعيش المصريون نفس لحظات محمد علي، فلا أمن أو استقرار ومعاناة اقتصادية بالغة السوء، والأهم من كل هذا انسداد كل الآفاق التى تقود إلى المستقبل، ليظهر لهم زعيم وهبه الله نعمة قراءة حال مصر بصورة بالغة الدقة، ليكون أول مشروعاته القومية لمستقبل مصر هو تنمية قناة السويس ليكون «الحلم الواقعي» الذي سيعيشه المصريون على مدى السنوات المقبلة. من الواضح أن مشروعات مصر خلال المرحلة المقبلة ستكون عملاقة، لتنهض من جديدة وتعود الى مكانتها السياسية والاقتصادية العظيمة التي يتمناها كل عربي مهموم بقضايا العروبة والإسلام، فمصر القوية اضافة لنا جميعا، وليس كما يدعي البعض أن مصر في طريقها الى زوال. فقد أثبت الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن لديه مشروعا قوميا يفتح به أفاق المستقبل امام شعبه الذي ينتظر منه الكثير، فهو كما ذكرهم بمحمد علي، يذكرهم أيضا بزعيمهم خالد الذكر جمال عبدالناصر الذي أتاح لمصر في بداية عهده قبل أن تتكالب عليه الأزمات الدولية من الجهات المتآمرة على بلاده، أن تكون نبراسا للوطنية والاستقلال والسيادة، وآلهم الجميع بضرورة نيل الحريات والاستقلال الوطني. ربما لم يتزامن مع السيسي احتلال وخلافه من هذا القبيل الذي كانت عليه الأحوال إبان ثورة يوليو المجيدة، ولكننا لا ننكر أن الوقت الراهن ربما يضاهي أجواء الخمسينيات، وبدل من أن تكون مستقلة سياسيا، أصبحت محتلة او تحت احتكار اقتصادي من قبل القوى الدولية. وهنا فجر الرئيس المصري القنبلة، فهيأ لبلاده مشروعا قوميا جديدا سوف يستوعب ملايين الشباب ليعملوا بجد في مشروع وطني يرمز لهم بالعدالة الاجتماعية، مشروع يعيد لهم الثقة في وطنهم الذي غابت عنه البوصلة فترة ما لظروف لما يكن للشعب يد فيها، ولكن رئيسهم الجديد ابن مؤسسة الجيش الوطنية والقوية في نفس الوقت، جاء لهم بالحلم ليصبح واقعا. فلن تغيب مصر مرة أخرى او تعيش مرة التيه الذي مرت بها في السابق. اعتقد أن القيادة المصرية الجديدة قد أدركت عن حق ما يمكن أن نسميه بـ «لعبة الأمم الكبيرة» التي تبحث فقط عن تحقيق مصالحها وحماية أمنها، ودائما ما توحي هذه الأمم لمواطنيها بأنها تعيش في مفترق طرق، ولهذا نراها تظل تحشد قواها وتقيم تحالفات مع الأخرين بحجة مواجهة خطر ما، وربما يكون هذا الخطر من صنع خيالها ولكنها تخلقه لكي تفزع به شعوبها، ثم تكرس الميزانيات والأموال لشن هجمات على الغير الذي تتدعي أنه عدوها، في حين يكون هذا العدو مجرد شعب آمن، ولكن الأمم الكبيرة استضعفت وأرادت ابتلاعه. ولهذا أيضا أدركت القيادة المصرية أن حدود القوة هو ان تتعامل مع هذه اللعبة التي أشرنا اليها، وأرادت أن تكون مصر منطقة حرة وقوية وآمنة لا ترضخ لأهواء الاخرين، فكان التحرك مبكرا في بداية العهد الرئاسي الجديد. هذا التحرك كان مباغتا للجميع وبه استغلال لحدود الواقع، فتنمية محور قناة السويس كان فكرة موجودة وتؤجل باستمرار الى أن جاء السيسي وإدارته ليخرجها من الدرج ويطرحها للشعب مباشرة الذي رحب بها على الفور، بخاصة وأن العائد مضمون ومجز وسيوفر فرص عمل للملايين، ناهيك عن الأرباح المتوقعة للمشروع الضخم. ثم استمر التحرك لتكون رحلة موسكو لتكون المحطة الأولى في الزيارات الدولية، في مؤشر يلمح الى نوايا مصر بالتحرك يمينا ويسارا وعدم الالتزام بالتوجهات الأوروبية والأمريكية التي حافظ عليها الرئيس الأسبق حسني مبارك. ربما يثير التوجه المصري حفيظة الغرب بما قد يؤدي الى احتدام الأوضاع الدولية والإقليمية الراهنة في مثل هذه الأجواء الملتهبة. أو قد ينذر الموقف بتزايد احتمالات تجدد أجواء الحرب الباردة، في ظل التباعد الحالي بين روسيا والغرب بسبب الأزمة الأوكرانية. هذه الحرب ليست واضحة الملامح حاليا، ولكنها قد تكون حتمية في حال اعتقدت أمريكا وأوروبا أن روسيا تتعمد استقطاب القوى الإقليمية لصفها في النزاع الأوكراني. وقد يعتقد الغرب أيضا أن روسيا تعمل على استدعاء الأصدقاء القدامى، خصوصا وأن دول وشعوب البلدان التي شهدت ثورات «الربيع العربي» مع تحفظنا على التسمية، اكتشفت أنها كانت ضحية لمؤامرات الغرب وخططه الخبيثة للقضاء على هذه الدول والعمل على ضياع مكتسباتها الوطنية ولتظل دولا مهمشة تحت رحمة الغرب. ورجل مثل السيسي لم يكن متسرعا في توسيع بوصلة مصر في السياسة الخارجية، فهو نفسه توجه الى موسكو وقت أن كان وزيرا للدفاع وقبل ترشحه لمنصب الرئاسة وعمل على تحسين العلاقات بين البلدين، ولم يستسلم لمقولات إن مصر تتجه شرقا وتترك الغرب، وتعمد فعل ما من شأنه مصلحة بلاده أمنيا واقتصاديا وقوميا وعسكريا. كما انه لم يستسلم للتوقيت بالغ الحرج في العلاقات الدولية واحتدام التوتر وغليان الأجواء السياسية الدولية والإقليمية. ولكنه كان مدركا حجم المخاطر إذ فكر جديا في تنويع مصادر السلاح واستيراد القمح وخلافه، ومن هنا يمكن فهم مضمون وأهمية العلاقات المصرية - الروسية في وقتنا الراهن على ضوء تقارب الرؤى والمواقف وربما تطابقها حيال الكثير من القضايا الدولية والإقليمية القائمة. من الواضح أن الرسالة المصرية قد وصلت بمعناها ومضمونها تماما للولايات المتحدة، فإذا كانت واشنطن لا تعترف سوى بالأقوياء، فمصر تعلمت الدرس ولا تريد ان تظل دولة خاملة ضعيفة، فقررت أن تكون من بين الأقوياء وتقف في وجه أمريكا وغيرها من القوى الأخرى، وهكذا سيكون الحال عندما يستكمل الاتحاد الخليجي فسيكون قوة وقيمة مضافة للشعوب والبلدان الخليجية والعرب أيضا، والسعودية القوية والبحرين القوية قيمة مضافة للمنطقة، فقوة وطننا العربي الكبير هي مجموع قوة الدول منفردة واتحاداتها الإقليمية، وبهذا نكون قد بدأنا اللبنة الأولى في مشروع مواجهة المخططات الأجنبية واحباطها. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا