النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مبارك بن لندن.. مكتشف الربع الخالي

رابط مختصر
العدد 9258 الجمعة 15 أغسطس 2014 الموافق 19 شوال 1435

ظلت صحراء الربع الخالي، التي يبلغ مساحتها نحو نصف مليون ميل مربع، وتعتبر إحدى أقسى الصحاري في العالم بقعة مجهولة لا يجرؤ أحد من خارجها على اقتحامها وكشف مجاهلها واسرارها حتى جاء رحالة وكاتب بريطاني يدعى السير «ويلفرد ثيسجر» في منتصف الاربعينات حاملا معه رغبة جامحة في اقتحامها ليدخل بذلك التاريخ كأول شخصية غربية تقدم على تلك المغامرة الصعبة. على أن البعض يجادل فيقول ان أول من جاب صحراء الربع الخالي كان الرحالة الرائد برترام توماس وتبعه الرحالة هاري سانت جون فيلبي الذي اشتهر باسم عبدالله فيلبي من بعد دخوله الاسلام والتحاقه بخدمة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه. لكن هذا البعض يعترف أن السير ثيسجر، الذي أطلق عليه البدو من رفاق مغامرته اسم «مبارك بن لندن»، قام بعبور الربع الخالي مرتين من الجنوب الغربي إلى الشرق ما بين عامي 1945 و1950، وعاش وسط سكانها من قبائل «المشقا» وهو الاسم الذي تطلقه القبائل الشمالية في نجد والربع الخالي على بدو المناصير وبني كثير والرواشد وغيرهم، فكان الافضل لجهة وصف هؤلاء وعاداتهم وطبيعة مساكنهم الصحراوية وانماط حياتهم، لأنه ببساطة تجرد من زيه الاوروبي وارتدى مكانه ملابس البدو من غترة وعقال وثوب إضافة إلى خنجر عماني كان يلفه حول وسطه مع حزام من الرصاص، فعاش معيشة أبناء القبائل البدوية واندمج معهم بالطول والعرض واعجب بمزاياهم من نبل وشجاعة وكرم. وبما أنه كان في الأصل كاتبا فقد تمكن من وضع مؤلف هام حول كل ما رآه وعاشه وما كونه من صداقات وما تعرض له من مواقف ومفاجآت. وهذا المؤلف الذي اختار له صاحبه عنوان «الرمال العربية» أو «أرابيان ساندس» يعتبر أول مرجع شامل عن صحراء الربع الخالي. وهو كتاب من القطع المتوسط يقع في 245 صفحة من اصدارات العام 1959. لم تكن مغامرته في صحراء الربع الخالي هي الأولى له. فحياته كلها مغامرات وتنقلات منذ أن أبصر النور في عام 1910 في المفوضية البريطانية في أديس أبابا كأكبر أنجال النبيل ولفرد تيسجر الوزير البريطاني المفوض في الحبشة آنذاك، وحتى وفاته في بريطانيا في أغسطس 2003. وخلال حياته الطويلة التي امتدت لنحو قرن من الزمان جال الرجل في مناطق من المملكة العربية السعودية والامارات المتصالحة وحضرموت وسلطنة عمان ومحمية عدن، إضافة إلى العراق وإيران وباكستان وأفغانستان والحبشة وكينيا والسودان وغرب إفريقيا. بعد أن درس في مدرسة آيتون الراقية وأكمل دراسته الجامعية في تخصص التاريخ بنجاح باهر في جامعة اكسفورد البريطانية العريقة ما بين عامي 1930 و1933 حيث اشتهر ككابتن لفريق الملاكمة بالجامعة عاد إلى أفريقيا بدعوة من امبراطور الحبشة هيلاسيلاسي لحضور حفل تتويجه، حيث انتهز فرصة الزيارة للقيام برحلة استكشافية لمجرى نهر أواش ومنطقة داراكيل الأثيوبية، وكانت الرحلة ممولة جزئيا من قبل الجمعية الجغرافية الملكية. وما بين عامي 1940 و1941 عين ضابطا في الجيش البريطاني برتبة رائد ورابط على الحدود السودانية قبل أن يتطوع في الجيش الأثيوبي الوطني المحارب ضد القوات الايطالية أثناء الحرب العالمية الثانية. كما خدم في تلك الفترة في حملات شمال أفريقيا. وقبل ذلك تم ارساله في مهمة خاصة إلى دمشق حيث استأنف دراسته للغة العربية. وفي عام 1945 ذهب إلى السعودية للعمل مع منظمة أبحاث الجراد الصحراوي، وانتهز الفرصة أثناء ذلك لاستكشاف المناطق الجنوبية الوعرة من شبه الجزيرة العربية ما بين عامي 1945 و1950 على نحو ما أسلفنا. وفي عمله الاستكشافي الأخير هذا اعتمد كثيرا على مرافقين شابين من قبيلة الرواشد الكثيرية هما سالم بن كبينة الراشدي الكثيري، وسالم بن غبيشة الراشدي الكثيري وبعض أفراد ومشايخ قبيلة الصيعر اليمنية وقبائل عمان والجنوب السعودي. اقتادته رغباته الجامحة في الاستكشاف بعد ذلك إلى السفر إلى العراق وبلاد فارس وكردستان وأفغانستان وباكستان والمستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا. وإذا كانت حصيلة مغامرته في صحاري شبه الجزيرة العربية المجهولة كتاب «الرمال العربية»، فإن حصيلة مغامراته في العراق تجسدت في كتاب «عرب الأهوار» أو «أرابيان مارش» من إصدارات العام 1964 والذي تضمن أشياء كثيرة من تلك التي لم يكشف عنها من سبقوه من رحالة، إضافة إلى وصف دقيق للمدن والسكان الأصليين في منطقة الأهوار بجنوب العراق - خصوصا أولئك الذين يُعرفون بـ «المعدان»، علما بأن المعدان هو جمع معد على وزن عرب وعربان والنسبة له هو «المعيدي» كما في قولهم «تسمع بالمعيدي خير من أنْ تراه». وقد قام الاستاذ باقر الدجيلي، الذي لجأ إليه ثيسجر في عام 1950 لتسهيل مهمته في الأهوار بحكم وظيفة الدجيلي آنذاك كقائمقام لقضاء «الشطرة»، بترجمة كتابات ثيسجر عن المعدان وسكان الأهوار وإضاف إليها التعليقات والهوامش الضرورية، وفسر ما كان غامضا أو يحتاج إلى تفسير كي تصبح مادة علمية متكاملة، خصوصا وأن الدجيلي كان يجيد الإنجليزية بطلاقة وملم إلماما تاما بأحوال الأهوار وسكانها وعاداتهم وأنسابهم. في عام 1990 عاد ثيسجر إلى بريطانيا فحصل في عام 1995 على وسام فارس، لكنه قبل ذلك كان قد حصل على وسام من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة تقديرا لجهوده الثمينة في اكتشاف المناطق العربية، وذلك حينما زار ثيسجر أبوظبي لافتتاح معرض فوتوغرافي لنحو ثلاثة آلاف صورة توثق لحياة الانسان في الخليج والجزيرة العربية في الماضي، علما بأن الرجل كان قد عاد إلى منطقة الخليج في عام 1977 لزيارة عمان والإمارات من أجل رؤية الشابين اللذين رافقاه في رحلة استكشاف الربع الخالي بعد أنْ شاخا، فرأى ما لم تصدقه عيناه من تحولات طالت المناطق التي كانت يوم أن زارها لأول مرة مجتمعات بدوية متخلفة تعاني من شظف العيش والفقر والمرض والجهل. وإذا ما عدنا إلى كتابه المهم الموسوم بـ «الرمال العربية» نجد فيه أوصافا ومواقف ورؤى عن جملة من الأمور. فعن طبيعة الصحراء القاسية كتب «تتجمع سحابة ويتساقط المطر فيعيش الناس، وتتبدد الغيوم بلا مطر فيموت أناس وحيوانات. ففي صحاري جنوب الجزيرة العربية لا يوجد نظام للفصول. فلا صعود ولا هبوط في النسغ، بل قفار خالية حيث تشير الحرارة المتغيرة وحدها إلى مرور السنين». ثم يضيف قائلا: «إنها أرض قاسية وجافة لا تعرف شيئا عن اللطف والراحة، ومع ذلك عاش فيها أناس منذ أقدم العصور. أما الأجيال التي ولدت فقد تركت حجارة سودتها النار في مواقع الخيام، كما تركت بعض الآثار الواهنة للأقدام المطبوعة على سهول الحصباء، وفي أماكن أخرى مسحت الرياح أقدامهم. يعيش الناس هناك لأنه العالم الذي ولدوا فيه. والحياة التي يعيشونها هي الحياة التي عاشها أسلافهم من قبل فهم يتقبلون المشقات والحرمان ولا يعرفون سبيلا آخر». بعد ذلك يدعم رأيه السابق فينقل ما كتبه لورنس العرب في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» وهو: «كانت أساليب حياة البدو قاسية حتى بالنسبة إلى الذين نشأوا فيها، وفظيعة بالنسبة إلى الغرباء -موت في حياة- فليس بقدرة أي إنسان أن يحيا هذه الحياة من دون أن يتغير، فهو سيتأثر ولو بصورة ضئيلة بالصحراء، وبسمات البدو سيبقى فيها الحنين للعودة ضعيفا كان أو قويا حسب طبيعته. فهذه الطبيعة القاسية بإمكانها أنْ تسحر المرء بصورة لا يستطيع أي طقس معتدل أنْ يضاهيها». وعن قساوة حياة البدو وتباهيهم بالحرية كتب مبارك بن لندن: «يقدر البدو الحرية أكثر من تقديرهم للراحة والرفاهية، ولأنهم لا يكترثون للشدائد وإنما يتباهون بمشاق حياتهم القاسية فقد أجبروا القرويين وسكان المدن الذين يكرهونهم على أن يعترفوا بتفوقهم». وعن أمانة البدو كتب: «كنت أضع النقود في أكياس من الخيش مربوطة بخيوط ثخينة، وكان الخرج مفكوكا. ومع أنّ رفاقي كانوا في فقر مدقع فإن النقود ظلت في أمان كما لو كانت مودعة في أحد المصارف. لقد أمضيت خمس سنوات مع البدو فلم أفقد مليما واحخدا أو حتى رصاصة مع أن قيمتها تفوق في نظرهم قيمة النقود». وفي مكان آخر من كتابه يصف مبارك بن لندن سهرة جمعته برفاقه البدو في وسط الصحراء فيقول: «حتى في هذه الليلة حيث يعتبر هؤلاء أنفسهم ميسورين فإنهم سينامون عراة على الرمال الباردة وسيكون غطاؤهم مآزرهم الرقيقة فقط. وفكرتُ أيضا بالآبار المرة في لهيب الصيف الحار حيث يروون مرة بعد أخرى جمالهم العطشى وهي تتنقل في القفار الموحشة. كم هي نفوسهم نبيلة وصبورة. كنت أقارن وأنا أصغي إلى حديثهم وأراقب مجاملتهم الغريزية فأدرك مدى فشلي المحزن وأنانيتي الواضحة». ويضيف متناولا خاصية يتميز بها البدو وهي سؤالهم عن الأخبار ثم خوفهم من الرأي العام فيقول: «ماهي الأخبار؟ هذا هو السؤال الذي يلاحقك في الصحراء ولو كنت بين غرباء. وإذا سنحت الفرصة أمام البدو فإنهم على استعداد للتحدث لساعات. لا وجود لتكتم في الصحراء، فإذا تميز رجل فإنه يعلم أن شهرته ستنتشر في كل مكان. وإذا أساء لنفسه فهو يعلم بأن قصته سوف تتردد في كل الخيام. إن هذا الخوف من الرأي العام هو الذي يفرض تقاليد الصحراء القاسية في جميع الأوقات، وأنّ وعيهم بأنهم دائما أمام جمهور من المستمعين هو الذي يجعل الكثير من تصرفاتهم متكلفة». وفي كتاب مبارك بن لندن كلام جميل عن كرم البدو وسخائهم الاسطوري -طبقا لوصفه- حيث كتب قائلا: «في الصحراء يتقاسم البدو أي شيء لديهم: الماء الآسن والخبز الني ولحم الجمال القاسي». ويضيف أن «قانون الصحراء يقضي بتقاسم الطعام بالتساوي بين رفاق السفر بغض النظر عن ضآلته. وقد حدث مرة أنْ اصطادوا أرنبا بريا صغيرا، وبعد تقسيمه إلى أجزاء متساوية استدرك الرفيق المقرب مني ابن كبينة قائلا: الله!! لقد نسيتم تقسيم الكبد. لكن الآخرين أصروا أن يكون ذلك من نصيب أمْبارك -يقصد مبارك بن لندن- وحده». وفي مكان آخر يتحدث عن الموضوع نفسه من خلال مشاهداته فيخبرنا أنه رأى شيخا ارتخى جلده وبدا عليه الفقر فظن أنه شحاذ حقيقي، لكنه علم لاحقا أن ذلك الشخص هو أغنى رجال القبيلة وأن ما أوصله إلى الفقر المدقع هو كرمه واصراره على نحر جمل كلما أتى أحد إلى خيمته». وفي شهادته حول الملك عبدالعزيز آل سعود قال مبارك بن لندن انه كان: «أعظم ملك في تاريخ العرب يحكم الجزيرة العربية»، علما بأنه حينما تسرب إلى منطقتي الحجاز وعسير السعوديتين في عام 1946 من حواف الربع الخالي تم القبض عليه في منطقة السليل واودع السجن بتهمة دخول الاراضي السعودية دون إذن مسبق من قبل العاهل السعودي، لكن الأخير أمر لاحقا بإطلاق سراحه مع رفاقه فواصلوا رحلتهم إلى «أبوظبي» حيث التقى الشيخ زايد بن سلطان الذي كان وقتذاك يحكم المناطق الشرقية من المشيخة. وفي وصفه للشيخ زايد يرحمه الله قال: «كان رجلا قوي البنية جدا ويبلغ من العمر حوالي 30 عاما، وله وجه قوي ينم عن الذكاء. وكانت عيناه خارقتين يقظتين يعطيان انطباعا بأنه شخص هادئ قادر ذو عزيمة. أما لباسه فكان بسيطا جدا ومكونا من قماش عماني بني فاتح وصدرية غير مزررة، ويتميز عن رفاقه بعقاله الأسود وطريقة ارتدائه لكوفيته التي كانت ملقاة على كتفيه بدلا من أن تكون ملفوفة حول رأسه وفقا للعادات المحلية. وكان يتمنطق بخنجر وحزام رصاص وبندقية ملقاة على الرمال إلى جانبه». لقد كتب مبارك بن لندن كلاما شاعريا في وصف منطقة عسير التي وصل اليها من بعد حياة قاسية مع البدو في صحراء الربع الخالي لمدة ستة أشهر متواصلة تذوق خلالها طعم الجوع والعطش والحرارة والبرد القارص. ومن خلال كلامه عن عسير يتضح أنه كان مسرورا للوصول إليها، حيث قال ما نصه: «الآن أصبحت في عسير أقف على جانب جبلي مغطى بالغابات، حيث الزيتون البري وأشجار العرعر وجدول ماء ينساب في المنحنى ذات مياه مثلجة على ارتفاع تسعة آلاف قدم. إنه نقيض الصحراء الرملية القاحلة الشاسعة. فهنا تنبت الورود البرية والياسمين وصريمة الجدي ذات الأزهار الغنية بالرحيق والأزهار البرية الصفراء والفاتحة والبنفسجية، وتوجد حقول القمح والعنب والخضار. وعلى مبعدة مني ضباب أصفر يخفي الصحراء إلى الشرق». غير ان خيال مبارك بن لندن، على الرغم من كل هذا الجمال البيئي الذي اسهب في وصفه، كان لايزال منشغلا بصحراء الربع الخالي وما تمنحه من راحة بال ووحدة وفرصة للتأمل. قام مبارك بن لندن في مغامرته الاستكشافية لمنطقة شبه الجزيرة العربية بخمس رحلات: أولاها من صلالة إلى مقشن في الفترة ما بين 1945 و1946، وثانيتها تمثلت في العبور الأول لصحراء الربع الخالي في الفترة ما بين 1946 و1947، وثالثها رحلة العبور الثاني للربع الخالي الذي تم ما بين عامي 1947 و1948، ورابعها الرحلة إلى ليوا التي تمت في الفترة ما بين 1948 و1949، وآخرها الرحلة عبر عـُمان بين عامي 1949 و1950. في كل هذه الرحلات استعان مبارك بن لندن بعدد من أبناء القبائل المحلية الذين ارتبط بصداقات معهم. من هؤلاء «آل راشد» من قبيلة الكثيري الذين يقول عنهم ثيسجر او بن لندن أنهم كانوا «يرتدون القمصان العربية الطويلة ويعتمرون الكوفيات خمرية اللون الخفيفة المصبوغة بعشب صحراوي، ويرتدون ثيابهم بترتيب رغم أنها مهملة». ثم يضيف قائلا: «كانت قبيلتا راشد والعوامر الوحيدتين بين قبائل الجزيرة العربية اللتين تكيفتا مع حياة الرمال، وعاشتا بفروعهما في الرمال الوسطى أي في المكان الوحيد في الربع الخالي الذي توجد فيه الآبار، وانتقل بعضهم يمينا عبر الرمال إلى الساحل المتصالح، وهم يتجولون على نطاق واسع من ظفار إلى الرياض والأحساء والساحل المتصالح».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها