النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

غزة ومتطلبات التفكير بشكل غير تقليدي

رابط مختصر
العدد 9257 الخميس 14 أغسطس 2014 الموافق 18 شوال 1435

بعد معارك يقترب عمرها من الشهر، توصل الطرفان الفلسطيني والصهيوني إلى هدنة مؤقتة حددت بثلاثة أيام فقط، وصفها الطرفان، وكلاهما محق في ذلك، بأنها هشة. فمن غير المستبعد أن تندلع الاشتباكات من جديد. وهي أن طالت فلن تستمر طويلا، والتاريخ شاهد على ذلك. فخلال السنوات الخمس الأخيرة، هذه هي الحرب الرابعة الواسعة النطاق التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة. وفي كل مرة تنتهي الأمور إلى اتفاق على الهدنة، وتكون هدنة هشة لا تصمد كثيرا أمام طبيعة الصراع وعوامل تأججه، وعناصر اندلاع معاركه. فبخلاف أي حركة تحرر وطني أخرى، تواجه الثورة الفلسطينية عدواً مختلفا لم تعرفه حركة الاستعمار العالمية، بما فيها دولا عربية مثل الجزائر التي رغم أن الفرنسيين اعتبروا الجزائر، ظلما، جزءا من الأراضي الفرنسية، لكنهم لم يدعوا أنهم يستردون أرضا من عدو مغتصب لها. ومن ثم فهم يضعون في حسبانهم أنهم لا بد وأن يتركوا الجزائر يوما ما، وكل ما في وسعهم القيام به هو تأجيل اقتراب ذلك اليوم، مع الحرص على القيام بأكبر عمليات نهب لتلك البلاد في أقصر فترة ممكنة. والأمر كذلك بالنسبة لجنوب إفريقيا، فقد كان المستعمرون البيض يدركون أنهم قادمون جدد، اغتصبوا الأرض وتملكوها، وحولوا سكانها الأصليين إلى عبيد. لكنهم ليسوا سكانها الأصليين. أما الحركة الصهيونية، فالأمر مختلف تمام، فهي ترى في فلسطين حقا تاريخيا «اغتصبه الفلسطينيون، وطردوهم من أرضهم التي عاش فيها الأجداد». ومن هنا فالحركة الصهيونية، إنما قامت من أجل استعادة ذلك «الحق المغتصب»، وهذا ما نجحت فيه في حرب 1948 التي يطلق عليها الصهاينة «حرب الاستقلال». هذا يجعل من وضع حركة التحرر الوطني الفلسطيني وضعا معقدا تكشف الكثير من معالمه الحروب المتكررة التي شنتها الحركة الصهيونية ضد الدول العربية منذ العام 1948 في البداية، ولاحقا ضد الشعب الفلسطيني منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، إثر محادثات عسيرة، اضطر العدو الصهيوني في نهايتها إلى القبول بهذه الدولة التي ما تزال تعاني من قصور في الكثير من مقومات اكتمالها كدولة مثل سائر الدول الأخرى. هذا يدعو حركة التحرر الوطني الفلسطينية، كدولة قائمة وثورة مستمرة، أن تعيد النظر في استراتيجيتها التحررية، من مداخل غير تقليدية، ومختلفة عن نظيراتها من حركات التحرر الوطني الأخرى، وإن تنطلق في تلك الرؤية من زاوية شمولية تعالج الجوانب التالية: 1. الجانب العسكري، فربما آن الأوان كي تعيد حركة حماس النظر في استراتيجيتها العسكرية القائمة على استخدام الأنفاق المحفورة أرضا، والصواريخ المصنوعة محليا جوا، من أجل تطويرها، خاصة بعد إن ادعت إسرائيل، كما أوردت صحيفة «وورلد ستريت جورنال» الأمريكية أنها تمكنت من «تدمير 10 آلاف صاروخ من السلاح الجوي الفلسطيني، وازالت 30 نفقاً من تلك التي بنتها حماس». فتشييد الأنفاق، وصناعة الصواريخ، وغم محليتهما، لكنهما يواجهان صعوبة التطوير والاستمرار في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة. المطلوب هنا إعادة النظر وليس الإلغاء. مأخوذا بعين الاعتبار، وخاصة بالنسبة للصواريخ، الجدوى العسكرية مقابل الجهد المبذول، خاصة وأن القطاع لا يحظى بدعم دولة مستقلة كما كان عليه الوضع في الحرب الفيتنامية، عندما كان الفيتكونغ يتمتع بدعم مطلق من «هانوي». 2. الجانب السياسي، وهو يتفرع إلى شقين، الأول فلسطيني قح، وهو أن أحد الأسباب التي قادت إلى الحرب الأخيرة هو الوصول إلى وحدة وطنية فلسطينية، لم تتحمل تل أبيب أن تنتظر نتائجها. هذا يعني أن سلاح الوحدة الوطنية هو أقوى سلاح يمكن أن تشهره الثورة الفلسطينية في وجه عدوها الرئيس، ومن ثم فهذا يثير علامات استفهام كبيرة أمام عدم قدرة الثورة الفلسطينية على تشكيل الجبهة الوطنية المشتركة القادرة على تكتيل الجهود الوطنية، وتقليص الخلافات الثانوية، لمواجهة عدو من طبيعة الحركة الصهيونية. هذا لا يقلل ما أنجزته منظمة التحري، لكن ربما آن الأوان لصيغة أكثر تماسكا، ومرونة في آن، دون إغفال عرب 1948، الذي كما يبدو ما تزال مشاركتهم محدودة. أما الشق الثاني فيتعلق بالبعد العربي. فعند انطلاقة الثورة الفلسطينية في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، كانت الحركة القومية هي السمة السائدة في حركة التحرر الوطني العربية. ومن ثم فقد كانت فلسطين هي إحدى الأقاليم المنضوية تحت مظلة العمل القومي. أما اليوم، وبعد تشظي تلك الحركة، وتقزمها إلى حركات وطنية بالمعنى السياسي، فلابد من أن تبحث الثورة الفلسطينية عن صيغة تنظيمية فعالة تتحول بموجبها حركة التحرر الوطني العربية من مجرد متعاطف أو داعم إلى مشارك مباشر، وفاعل مؤثر. 3. الجانب الاقتصادي، ويتصدر قائمة متطلبات هذا الجانب المباشرة في فك الحصار المفروض على غزة، والذي يحول القطاع إلى ما يشبه الجزيرة المفصولة عن بقية العالم. فحتى المعابر لا تملك الثورة الفلسطينية أي نوع من السلطة على عمليات اغلاقها وإعادة فتحها. ولهذا الحصار، انعكاسات سلبية مباشرة وغير مباشرة على اقتصاد القطاع، سواء من حيث الأداء أو امتلاك مقومات النمو والتطور. والجانب الآخر هو التمويل الذي ما تزال تعتمد الثورة الفلسطينية على توفيره من خلال الهبات والتبرعات، وهذا لا يمكنه بناء اقتصاد متين وراسخ. ولعل الوقت حان كي تحقق السلطة والقطاع نوعا من الاكتفاء الذاتي الجزئي والمؤقت القادر على النمو كي يصبح مستمرا غير المعتمد على المساعدات الخارجية إلا في الحدود الضيقة التي نجد مثيلاتها في دول العالم الثالث الأخرى. ولا شك ان لدى البرجوازية الفلسطينية من القدرات المالية، والمؤهلات المنية التي يمكنها من المشاركة في مثل هذا الحل. الثورة الفلسطينية تواجه تحديات من طبيعة مختلفة، ومعارك غزة الأخيرة تثبت أنها بحاجة إلى تفكير مختلف غير تقليدي يولد ثورة من نمط جديد قادرة على مواجهة آلة الاستعمار الصهيوني، ذي الطبيعة السيئة المختلفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها