النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

صاحب الخيرات والمبرات البحريني الأبرز

رابط مختصر
العدد 9251 الجمعة 08 أغسطس 2014 الموافق 11 شوال 1435

ورد ذكره قديما في جريدة الاديب عبدالله الزايد “جريدة البحرين”، كما ورد اسمه في مؤلفات كثيرة مثل كتابي “الغوص والطواشة” و”البحرين بين عهدين – الحماية والاستقلال” لراشد عبدالرحمن الزياني، وكتاب “سنوات التحدي” لأحمد عبدالرحمن الزياني، وكتاب “عقد اللآل في تاريخ أوال” للشيخ محمد علي التاجر، وكتابي “بن جودر قاضي المحرق” و”مساجد البحرين تاريخ وآثار” لصلاح يوسف الجودر، وكتاب “مدرسة الهداية” لعبدالحميد المحادين. على أن الوحيد الذي أعد كتابا عن سيرته وحياته وآثاره بالتفصيل، وخصص له أيضا فصلا كاملا ضمن موسوعة “ضياء البدرين في تاريخ البحرين: أعيان البحرين في القرن الرابع عشر الهجري” هو الباحث الاستاذ بشار يوسف الحادي. ومن العمل البحثي المتقن للأخير نقتبس الكثير في حديثنا اليوم عن واحد من أشهر أصحاب البذل والعطاء والاحسان في البحرين، وأحد أكابر عائلة “بن مطر” المحرقية الكريمة. والاشارة هنا، بطبيعة الحال، إلى صاحب الخيرات والمبرات وأبي الأرامل والأيتام المغفور له الحاج سلمان بن حسين بن سلمان بن مطر. تقول الروايات الشفاهية التي جمعها الباحث الحادي ان الجد الأكبر لعائلة “بن مطر” أي “سلمان بن مطر” هو من مواليد أواسط بلاد نجد –ربما حوطة بني تميم– وأنه قدم إلى البحرين صغيرا برفقة عديله يحيى مؤسس عائلة اليحيى المحرقية، وأن الرجلين لا بد وأنهما استقرا لمدة من الزمن في الاحساء قبل وصولهما إلى المحرق من نجد. والجزئية الأخيرة توصل إليها الباحث الحادي من خلال قرائن عدة، أهمها تعلق الاسرة بالاحساء وحرصها على ارسال الصدقات إلى أهلها وترميم مساجدهم وحفر الآبار لهم ودعم مدارسهم، ناهيك عن وجود مصاهرة بين الاسرة وأسرة أحسائية مهاجرة إلى البحرين منذ اوائل القرن 13 للهجرة، هي أسرة الشيخ راشد بن عيسى بن أحمد بن خميس التي زوّجت ابنتها فاطمة للحاج سلمان بن حسين بن مطر. ومما قيل أيضا ان الجد سلمان بن مطر أثناء إقامته في الاحساء كان يتردد على البحرين فاعجب بأسواقها وخيراتها وازدهارها، وقرر أن يتخذ منها وطنا ومستقرا. وهكذا عاد ذات مرة إلى الهفوف من البحرين وأخذ أسرته وما خف حمله متجها صوب المحرق. وفي المحرق وجد الجد سلمان بن مطر ان العمل في التجارة هو أفضل ما يناسبه ويحقق له طموحاته في الثراء، فاشترى لنفسه سفينة كي يجلب بواسطتها الأخشاب ومواد البناء من الهند، مقلدا في ذلك ما كان يفعله معاصروه من تجار البحرين. وفي الوقت نفسه أراد لابنه حسين المولود في نجد في حدود عام 1818، والمتوفى في البحرين في عام 1911، والمتعلم في الكتاتيب للقرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب، أن يكون تاجرا مثله يعاونه في رحلاته التجارية ويقتسم معه الارباح، فكان له ما أراد. إذ سرعان ما تفوق حسين على والده في تجارة الاخشاب والحبال ومواد البناء والغوص، بل وراح يخوض ميدان بيع اللؤلؤ في الهند ويتعرف على أربابه الكبار من أسرة الإبراهيم الكويتية المعروفين باسم ملوك اللؤلؤ. والمعروف أن “حسين بن الحاج سلمان بن مطر” تزوج في البحرين بعدد من الزوجات، ورزق منهن عددا من البنين والبنات كان أكبرهم ولدا أطلق عليه اسم أبيه سلمان. والمعروف أيضا عن هذا الرجل أنه اشتهر بفعل الخير وكثرة الصدقات وحب المساكين وإقامة المشاريع ذات النفع العام. وعن صفاته يقول بشار الحادي نقلا عمن عاصروه وعرفوه عن كثب أنه كان: “سريع الخاطر، حاضر البديهة، طلق المحيا واللسان، محبا للعلوم، ناضج الرأي، مخلصا في سره وجهره، غيورا على قومه” ثم يضيف قائلا انه كان: “ذا خلق ونفس كبيرة عالية، وهمة في سبيل المجد والشماء، وغيرة على الحق والدين، وحمية صادقة على الآداب العامة والأخلاق، وميل خاص إلى معاضدة المشاريع النافعة في بلده وسواها، وشغف بمواساة البؤساء والمعوزين، تحفه الهيبة والوقار في غدوه ورواحه، ويجلله الهدوء والسكون في حركاته وسكناته”. أما ولده البكر الذي أسماه على اسم أبيه أي الحاج “سلمان بن حسين بن سلمان بن مطر” فقد أبصر النور في المحرق في عام 1848 للميلاد وتعلم القراءة والكتابة والحساب في كتاتيب المحرق التقليدية. ولأنه كان منذ نعومة أظفاره ذا ذكاء وفطنة ونجابة، فقد حرص والده على تعليمه اساليب الاتجار والمعاملات التجارية كي يكون عونا وسندا له، فاعتنى بتعليمه أصول البيع والشراء، ولاحقا حرص على تدريبه على فرز اللآلي بحسب أنواعها وأشكالها وأوزانها، وأدخله معه إلى السوق، قبل أن يعطيه بعض المال ليجرب حظه في التجارة مستقلا. هنا يتكرر مع سلمان ما كان بين والده وجده. فنراه يستثمر ما أعطاه له والده من رأسمال في استيراد وبيع الأخشاب والحبال ومواد البناء وصناعة السفن من الهند، إضافة إلى الاتجار في الانواع المختلفة من التمور المستوردة من البصرة والقطيف والاحساء، كما نراه يدخل في تجارة اللؤلؤ الرائجة وقتذاك ويتعرف على أربابها الكبار في بمبي من أسرة الإبراهيم الكويتية. وكانت المحصلة هي تحقيقه لنجاحات باهرة وأرباح ضخمة دفعت والده الحاج حسين إلى الدخول معه في تجارته كشريك، الأمر الذي رحب به الإبن سلمان خصوصا وأن والده كان قد تقدم به السن. بعد وفاة والده توسع الحاج سلمان بن مطر في الاتجار باللؤلؤ، إذ تملك اسطولا من سفن الغوص، واستعان بجهود نخبة من أفضل النواخذة من أمثال سلطان بن ظاعن آل مقلة، ماجد بن سعيد العصفور، شمسان بن فرج المناعي، سعد بن فرج، إبراهيم بن حمد بن زويد، وغيرهم، وكثرت اسفاره إلى بمبي من أجل بيع اللؤلؤ، وتوثقت علاقاته مع تجار اللؤلؤ الخليجيين من أمثال الحاج عبدالعزيز بن علي الإبراهيم في بمبي، والحاج محمد بن عبدالوهاب الفيحاني في دارين وغيرهم، ووظف عددا من الكتاب لقيد الايرادات والمصروفات وعقود البيع والشراء من أمثال العالم الداعية محمد بن علي بن يعقوب الحجازي. وبالتزامن مع هذه التطورات، التي حققت للحاج سلمان ثروة طائلة تجسدت في العدد الكبير من “الدكاكين والغرف والطبيلات والعماير والقهاوي والنخيل والعيون وغير ذلك داخل البحرين وخارجها” وحققت له أيضا شهرة واسعة في عالم “الطواشة” بدليل وجود رسائل موجهة إليه من رئيس الخليج حول تزويده بأنواع من اللآلي، كان الرجل مستمرا في الاتجار بالاخشاب ومواد البناء والتمور من خلال عمارة والده بالمحرق. ومما لا شك فيه أن هذه الثروة –وما رافقها من شهرة– معطوفة على خصاله الحميدة وسجله الناصع ونسبه الرفيع أدت إلى اضطلاع الحاج سلمان بعدد من المسؤوليات والوظائف. وفي هذا السياق ننقل ما كتبه بشار الحادي في الصفحة 21 من كتابه المشار إليه آنفا: “كان الحاج سلمان أيضا مستشارا مقربا إلى حاكم البحرين آنذاك الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، ثم إلى حاكم البلاد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، كما كان له دور مهم وبارز في حل المنازعات والخلافات بين القبائل والأسر والأفراد، وفي تثمين وتقسيم البيوت والأراضي والعقارات خصوصا للورثة المتنازعين، كما كان من ضمن المستشارين لمستشار حكومة البحرين في الكشف عن اللؤلؤ الياباني الذي كان يـُهـّرب إلى البحرين، إضافة إلى عضويته في مجلس الإدارة الخيرية بمدرسة الهداية الخليفية إلى غير ذلك من وظائف ومناصب”. ولذات الأسباب التي ذكرناه منحت الحكومة البريطانية الحاج سلمان بن مطر في يناير من عام 1905 الجنسية الانجليزية تقديرا لمكانته واعترافا بنفوذه، فاحتفظ الرجل بتلك الجنسية إلى جانب جنسيته البحرينية. والمعروف أن الحاج سلمان قام ببناء منزل له في المحرق في “فريج بن مطر”. وعن هذا المنزل وموقعه والمنازل المحيطة به كتب بشار الحادي في الصفحة 20 من كتابه نقلا عن الحاج حسن بن أحمد البوعينين الذي كان أحد جيران الحاج سلمان ما يلي: “يقع منزل الحاج سلمان بالمحرق وتحيط به المنازل التالية: منزل نجله أحمد بن سلمان بن مطر، ومنزل الحاج أحمد بن يوسف البوعينين، ومنزل الشيخ عبدالله بن ناصر الفضالة، ومدرسة الحاج حسين بن سلمان بن مطر، وبجانبها مجلس الحاج سلمان بن مطر الذي كان يستقبل فيه الضيوف، وهو يعتبر من أشهر مجالس البحرين، حيث كان له دور رائد في مجال إنقاذ الناس من الضائقة المالية الكبيرة التي حصلت للبحرين في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وبات الناس في فاقة شديدة وضاقت بهم السبل ففتح لهم الحاج سلمان بابه وشرع لهم مجلسه، يطعم الجياع من فقراء ومساكين وأيتام وأرامل، ويكسو العرايا”. وضيف “لا أحد من أهل البحرين ممن أدركوا تلك الفترة ينسى هذا الفضل للحاج سلمان، ومازال الناس إلى اليوم يذكرونه بالترحم عليه والدعاء له بظهر الغيب على ما كان منه من انقاذهم من تلك التهلكة”. تزوج الحاج سلمان –طبقا للحادي– بأربع زوجات ورزق منهن بعدد من البنين والبنات. أولى زوجاته كانت فاطمة بنت الشيخ راشد بن عيسى بن أحمد بن خميس، وشقيقة مفتي المحرق الشيخ عيسى بن راشد. والثانية كانت من عائلة الخان، والثالثة من أسرة الفضل العربية النجدية المقيمة في الهند، والرابعة من أسرة نجيبي. وأما أولاده فهم الحاج إبراهيم والحاج أحمد والحاج عبدالعزيز، وبناته هن لولوة ومنيرة ومريم وحصة وهيا. أما عن أملاكه العقارية فهي أكثر من أن تحصى وتعد. فمثلا نخيله و”دواليبه” منتشرة في كل أنحاء البحرين ابتداء من سماهيج والدير وجزيرة النبيه صالح وسترة وسند وصدد، وانتهاء بالسهلة والقرية والمصلى وسنابس وجدحفص وجرداب، ومرورا بجدالحاج وكرزكان والخميس والزنج والبلاد القديم والخميس والماحوز، إضافة إلى مزارع النخيل المملوكة له في القطيف ودارين وتاروت بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. ولذلك لم يكن من المبالغ فيه القول بأن ثروته تقدر بالملايين من الروبيات، بل ان هناك من الوثائق وايصالات الديون المستحقة له بمئات الآلاف من الروبيات على آحاد الناس ما يؤكد هذا. عـُرف عن الحاج سلمان اهتمامه بالزراعة بدليل أنه كان من أوائل من حرص على استيراد الشتلات والشجيرات من بلاد الهند لاستزراعها في البحرين. وفي هذا السياق عثر الباحث الحادي على رسالة مؤرخة في الخامس من ابريل سنة 1927 موجهة من حسن بن عبدالرحمن الخان البستكي في بمبي إلى سلمان بن حسين بن مطر في البحرين، يقول فيها الأول للثاني انه قد أرسل إليه مع “صالح بن هندي” عددا من شجيرات المانجو من نوع حافوز –كلمة محرفة أصلها ألفونسو– وشجيرات البابايا، والسنطرة أي اليوسفي، والليمون والمسمار، مضيفا أنه لم يجد الجيد من أشجار الورد والرازجي كي يزوده بها. وفي السياق نفسه هناك رسالة أخرى من عام 1938 موجهة من مستشار حكومة البحرين إلى الحاج سلمان يخبره فيها أن الحكومة قد جلبت اخصائيا في فن الزراعة من الهند، ويطلب منه أن يضرب موعدا لمقابلة الأخصائي كي يستفهم منه ما يريد. ومن مآثر الحاج سلمان بن مطر الكثيرة بناؤه للمساجد او ترميم القديم منها. فقد بنى مسجدا في المجمع 233 بقرية الدير حيث كان يملك مزرعة نخيل، وقام بتجديد وتوسعة مسجد الحاج حجي بن أحمد الزياني مع الحاج يوسف فخرو في حي الزياينة بالمحرق فصار المسجد جامعا يتسع لأكثر من ألف مصل، وشيد بجانبه عددا من المحلات خصصها كوقف على المسجد، إضافة إلى تشييد مركز ملحق لتحفيظ القرآن، وقام بترميم مسجد ابن العربي استجابة لطلب ورده من قضاة الشرع الذين خافوا من انهياره. أما خارج البحرين فقد قام ببناء بعض المساجد في الأحساء منها مسجد صابر ومسجد الكوت. لم يكتف الحاج سلمان بما سبق من أعمال الخير والبر، فقد أضاف إليها حفر عيون الماء لشرب الأهالي والفقراء والمساكين. من هذه العيون: العين الشرقية في “فريج البوخميس” بالمحرق، والعين الغربية بالقرب من بلدية المحرق وعمارة سلطان بن باكر وبناياته الأربع التي احتضنت إحداها مدرسة عبدالرحمن المعاودة لتدريس اللغتين الإنجليزية والعربية وغيرهما من المواد. كما أضاف إلى ما سبق تقديم الكسوة للفقراء في مواسم الأعياد عبر الاتفاق مع محلين في المحرق: الأول كان يمتلكه الحاج أحمد بوحمود وكان مكلفا بتزويد الفقراء من الرجال بالأقمشة قبل ذهابهم لتفصيل ما يحتاجونه على نفقة الحاج سلمان الخاصة، والثاني كان يمتلكه الحاج جاسم بوحمود وكان مكلفا بتزويد النساء الفقيرات بحاجتهن من الأقمشة النسائية. ولم ينس الحاج سلمان الأموات من مواطنيه، إذ حرص على توفير الأكفان لهم. ويـُذكر للحاج سلمان أيضا أنه كان يطوف على بيوت الفرجان ويتفقد سكانها من الفقراء والأرامل والعجزة ويأمر لهم شتاء بما يدفأهم من فرش وبطانيات بمعاونة موظفه إبراهيم الوردي. وهناك في الوثائق التي وجدها واطلع عليها الباحث بشار الحادي من سنوات الأربعينات ما يفيد أن الحاج سلمان كان يوزع يوميا على الفقراء ما بين 4 إلى 6 قلات من التمور. فإذا ما عرفنا أن القلة الواحدة تزن 25 كيلوغراما، فإن سلمان بن مطر كان يزود مواطنيه الفقراء يوميا بحوالي 200 – 300 كيلوغرام من التمور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها