النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مطارحات

رايات فوق رايات الوطن!!

رابط مختصر
العدد 9247 الأثنين 04 أغسطس 2014 الموافق 7 شوال 1435

لم يؤد النكوص عن الثوابت العربية، والعمل على التشكيك في الرابطة العربية-هوية ووجودا-إلى هذا الضعف العربي ولهذا التفكك فقط، وإنما شجع على تضخم الهويات الجزئية (المحلية-الطائفية-المناطقية-القبلية ..) وربما يكون هذا التشظي الحالي أشد خطر يتهدد المجتمعات العربية على صعيد الوحدة الوطنية حتى، فالانجرار وراء الجزئي-المحلي-الطائفي، يضغط بشدة على كل ما هو وطني ويهدد بضياع مكتسبات وطنية. التيار المحلي-الطائفي – التجزيئي، أصبح جارفا ومندفعا بقوة، ومن الصعب السباحة ضده وإن لم يتوقف سيجرف معه بشدة حتى الانتماء الأساسي لمجتمعاتنا وهو الانتماء للوطن، فما بالك بالانتماء للعروبة أو ما بقي منها. لقد أدت التحولات التي عصفت بالوطن العربي إلى النكوص عن الثوابت العربية، مما فتح الباب واسعا أمام تنامي الهويات الصغرى بكافة أشكالها، حيث أصبح من الطبيعي، الحديث صراحة عن هويات تفتيتية للوطن الواحد. وإذا كانت كل دولة عربية تجد من المبررات ما يكفي لتحريرها من أعباء الالتزامات القومية بعد الكوارث التي مست الحياة العربية في العقدين الماضيين، فإن المخيف أن يجاوز الأمر ذلك إلى استحضار الهويات الأصغر: المناطقية والطائفية والقبلية والعشائرية. وقد يكون في التشبث بالهوية الوطنية جانب ايجابي في ظل هذه الهويات التفتيتية الجديدة التي تختلق رايات ترتفع فوق رايات الوطن، فما بالك برايات الهوية القومية، فقد رأينا وما نزال نرى كيف أدى تفكيك العراق عمليا إلى هويات صغرى، في ظل الاحتلال الأمريكي إلى نشوء ما يشبه الكانتونات السكانية: إقليم للكرد، وآخر للعرب السنة وثالث للعرب الشيعة، مما فتح الباب أمام مجاز وحروب بدائية، والى رفع الأسوار الفاصلة والكتل الإسمنتية التي تقسم الشوارع والطرقات الأحياء.. هذا النموذج الذي حمله معه الاحتلال الأمريكي للعراق، هو الذي يتم تسويقه حاليا في المنطقة والتحريض على الأخذ به بكل السبل، من خلال مداخل عديدة وملتبسة، منها مدخل حقوق الإنسان والحقوق المدنية والثقافية، وغيرها من السبل التي تشجع الهويات الصغرى وتدغدغها، بما يؤثر سلبا على وحدة الأوطان، خاصة في الدول الحديثة النشأة والتي تحتاج إلى تعزيز هويتها العامة الجامعة لتجسيد وحدة شعبها وارضها قبل الهويات الصغيرة التي تأخذ بالأوطان الى الوراء.. إن المجتمع الواثق من نفسه مجتمع قويّ بهويّته الوطنية والقومية والروحية في ذات الوقت، وهو مجتمع قويّ بثقافته، وهو مجتمع يتشكّل وفق ما يتيحه لكلّ أفراده من ظروف للخلق والإبداع والحلم والطّموح والحرية، ورسم الأهداف والتّوق إلى الأفضل، وبما يجيزه من إمكانات لتحقيق هذه الطّموحات وبلوغ ما ينشدونه من أهداف، وهو بقدر ما يعمل على الوحدة والتوحيد والتماسك، يشجع على الانفتاح على العالم الخارجي والإقبال على فرص الإثراء المتبادل دون عقد. وإنّ ثقة كل مواطن بنفسه، وثقة الشّعب بقدراته وبمستقبله، والعمل على تعميقها وازدهارها يعدّ جانبا من الرّسالة التربوية والسياسية والإعلامية والثقافية التي تتعهّد الدولة والمجتمع بها،ولكن اختزال وجه الوحدة الوطنية في مجرد الانتماء اللفظي وشعارات السيادة المفرغة من المضمون، دون أن يتم ربطها بقيم المواطنة والحرية ودولة المؤسسات والمساواة أمام القانون، فلا يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الوحدة الوطنية ولا الى بناء دولة المواطنة المتساوية، مهما تحدثنا عن ذلك لفظيا، لان مجرد الحديث عن الوطن والوطنية والمواطنة، لا يخلق واقعا ولا يجسم الأهداف والحقائق على الأرض، فوعي الناس بالمواطنة يرتبط بالضرورة بمفهوم وانتماء مواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ضمن هويةً وطنيةً جامعة وشاملة، لا تكون تعبيراً عن موقف سياسي ضيق، بما يجعل الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وأساساً راسخاً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها. المصيبة التي تهلك الأوطان اليوم هي الطائفية، وذلك لأن الوطن والطائفية لا يلتقيان، فإما الوطن، وإما الطائفية، ولذلك فإن البحث خارج منطق الخطاب الطائفي، يقود بالضرورة إلى التعلق ببنية الخطاب العقلاني والوطني، المضاد للطائفية شكلاً ومضموناً، والمناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في السنوات الأخيرة في اللغة وفي السياسة والإعلام وحتى في الثقافة، لأن المنطق الطائفي، والذي يتحصن به البعض صراحة، والبعض مواربة، ليس مجرد فسحة كلامية أو حالة مرضية عارضة، انه بالعكس من ذلك تماما يعي بالضبط ما يريد، ويعلن عن نفسه بطرق مختلفة، لأنه يقوم على مبدأ أساسي: وهو الهيمنة والحلول محل الوطن واحتوائه وإضفاء صفاته وخصائصه وولاءاته عليه، ليشيد عدمه الخاص مكانه في هيئة حروب تدميرية لا نهاية لها، وهذا تقريبا ما اتضح بجلاء في الحالة العراقية، وبالتدريج سوف ينسحب بالضرورة على الجوار. وإذا كان الوطن ظاهرة تاريخية، فإنه لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفية له على السيادة، ولا مجال هنا، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات تعيد إخراج الطائفية لإخفاء جوهرها المخادع المخاتل الذي يدخلنا في الحلقة المفرغة التي يولدها غياب الوطن وغياب المواطن، ونفيهما إلى درجة العدم لتشييد العدم في هيئة حروب تدميرية عقيمة مستحضرة ثارات التاريخية، إلى درجة ان يصبح القتل المجاني مباحا باسم الطائفة مثلما شهدنا ومازلنا نشهد في العراق وسوريا ولبنان عندما تستثمر قوة سياسية منظمة ومسلحة وممولة جيداً وضعا تاريخيا معقدا يمر به بلد لتحل نفسها محل الوطن والدولة والسلطة، فتلغيه بما فيه ومن فيه، وكل شيء مباح على هذا النحو، بما في ذلك التحالف مع الخارج لتحقيق هيمنتها، ومن ثم تدخل في صراع شامل مع جميع المكونات التاريخية للوطن، حرثاً ونسلاً ومؤسسات. همسة: يقول مونتسكيو في دفاتره: «أنا لا أطلب من وطني شيئا أكثر مما أعطاني، إنني أجده يكافئني بوفرة الهواء الذي استنشقه كل يوم وأنا فيه، أنا لا أطلب أكثر من أن يمتنعوا عن إفساد هذا الهواء الذي استنشقه كل صباح وكل مساء».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها