النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

رابط مختصر
العدد 9243 الخميس 31 يوليو 2014 الموافق 3 شوال 1435

لسبب ما، وأنا أراقب تطورات المشهد العربي، وخصوصا في فلسطين، بسمائه السوداء المغطاة بسحب الهزائم المتتالية، داهمتني قصيدة عنترة العبسي التي يستهلها بالقول: دهتْني صروفُ الدّهر وانْتَشب الغَدْرُ ومنْ ذا الذي في الناس يصفو له الدهر وكم طرقتني نكبة ٌ بعد نكبة ٍ ففَرّجتُها عنِّي ومَا مسَّني ضرُّ إلى أن يقول سيذْكُرني قَومي إذا الخيْلُ أقْبلت وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدر ربما كان عنترة حينها يدافع عن موقعه الاجتماعي في صفوف قبيلته “بني عبس”، ويحاول في نبرة متمردة ان ينتزع لنفسه مكانة اجتماعية تؤهله الزواج من حبيبته “عبلة”، لكنه في ذلك السياق كان يشير، بشكل غير مباشر، إلى دور القائد في الملمات - الليالي الظلمات - وحاجة الناس له كي ينتشلهم من المآزق المحدقة بهم، فينقلهم، بمواهبه القيادية، من ظلمات الهزيمة إلى مواطن النصر. مثل هذا القائد الفذ لا يأتي من “اللامكان”، أو حتى “اللازمان”، فهو يخرج من رحم أمته، ومن صفوفها، وفي نهاية طريق زمني طويل متعرج يطرقه ذلك القائد قبل أن ينجح خلاله في إبراز مواهبه القيادية التي تعترف له بها تلك الجماهير التي يقودها. تاريخ الدول، بما فيه تاريخ البلدان العربية يعج بمثل هؤلاء القادة، وتجارب العالم، بما في ذلك العالم الثالث تنضح بالعديد من القادة الأفذاذ الذين حققوا النصر لشعوبهم من خلال قدراتهم على التقاط اللحظات الحاسمة، التي بوسعهم تحويل المعارك التي يخوضونها من مآلات الهزيمة إلى نهايات النصر. في روسيا القيصرية، في نهايات القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، انبرى فلاديمير لينين من بين صفوف الحركة الاشتراكية الأوروبية، كي يسقط أعتى أنظمتها الملكية، وهي الإمبراطورية القيصرية الروسية، ويقيم على أنقاضها الاتحاد السوفياتي. أشرقت علامات القيادة عند لينين في بدايات عمله في صفوف الحركة العمالية الروسية، وأشعت في كتاباته العميقة مثل: “ما العمل؟”، و”موضوعات نيسان”، “والدولة والثورة”. في تلك الكتابات نجح لينين أن يمزج بمهارات تنظيمية لا متناهية بين العمل التنظيمي الحزبي الداخلي، والقيادة السياسية للجماهير الواسعة، والشعارات السياسية المناسبة لإيصال البرنامج الوطني إلى أفئدة المواطن الروسي قبل عقله. وكانت محصلة كل ذلك نجاح الثورة العمالية في روسيا في وقت أبكر مما كان متوقعا لها، وتأخرها في المانيا التي كانت الحركة الاشتراكية العالمية تتوهم انها “أكثر الفواكه نضجا”، وأقربها للانفجار. لعبت قيادة لينين التاريخية أكثر من أي عامل آخر في تحقيق ذلك. تجربة أخرى لم “يفتقد فيها البدر”، حيث توفرت القيادة المطلوبة التي قادت بلادها بطبيعة الحال وليس قبيلتها كما كان الحال في زمن عنترة العبسي، إلى النصر المطلوب، هي فيتنام، فقد مارس القائد الفيتنامي الفذ “هوشي منه”، دورا مميزا استطاع من خلاله أن يقود الشعب الفيتنامي المجزأة بلاده إلى فيتنامين شمالية وجنوبية إلى النصر على أعتى إمبرياليات القرن العشرين وهي الإمبريالية الأمريكية التي خرجت من الحرب الكونية منتصرة ونشطة حيث لم تنهكها معارك تلك الحرب، كما كان الحال عليه مع بريطانيا وفرنسا. تمكنت قيادة هوشي منه من فهم المعادلة المعقدة بين مقاييس الحزب الضيقة الصارمة، وأسس العمل الجبهوي الوطنية الواسعة والمرنة. وعلى نحو مواز لم يغفل هوشي متطلبات العمل العسكري التي كانت تتطلب أرقى درجات الدقة والانضباط، فمزجها جميعا في إطار إبداعي مثمر بالتعاون مع قائد عسكري فذ هو الجنرال الفيتنامي جياب. أدى كل ذلك، وتحت قيادة هوشي منه إلى إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة التي اضطرت مرغمة تحت ضربات قوات “الفيتكونغ” أن تعترف بهزيمة ظلت تعاني من ذيولها سنوات طوال في عقر دارها. وأدت إلى تدهور ملموس ليس على الصعيد السياسي فحسب، وإنما على المستوى الاقتصادي أيضا. وعلى المستوى العربي كان هناك أيضا “بدور” قيادية برزت في ليالي التاريخ العربي المعاصر المظلمة، نذكر منهم رموز من أمثال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس الجزائري الراحل هو الآخر احمد بن بله. وإذا كان هذا الأخير قد تمكن بفضل ملكاته القيادية ان يطرد الاستعمار الفرنسي من الجزائر، فقد نجح عبد الناصر في أن يهد مركز الإقطاع العربي في مصر، والإطاحة بأعتى الملكيات وأكثرها فسادا. ولم يفقد عبد الناصر قدراته القيادية حتى في أحلك الفترات التي عاشها العرب، وفي مقدمتهم مصر، إثر هزيمة حزيران 1967، فوجدناه يعيد تنظيم صفوف قواته المسلحة، ويتهيأ لحرب أكتوبر 1973 التي مهد لها بحرب الاستنزاف، لكن المنية واتته قبل أن ينجز تلك المهمة التي قطف ثمارها أنور السادات في حرب العبور. اليوم والعرب يعيشون مجموعة من الهزائم المتلاحقة لعل أكثرها حضورا وأشدها بشاعة ما نراه اليوم في غزة التي، ليست في جوهرها، سوى اعتراف ضمني بهزيمة متواصلة أمام آلة الحرب الصهيونية التي تكشف عن طبيعتها النازية يوميا فيما تنتهكه من جرائم على نحو متواصل بحق الشعب الفلسطيني تؤكدها أرقام الشهداء من الأطفال والنساء الأبرياء، وتعريها مصائب الضحايا من المواطنين الذي لم يرتكبوا من جريمة سوى كونهم فلسطينيين. في سماء العرب الحالك في السواد تبرز الحاجة إلى قمر ينير هذا السماء المدلهمة، كي ينتشل العرب من هذا الواقع المزري الذي لا يرضاه لهم حتى ألد اعدائهم، باستثناء العدو الصهيوني بطبيعة الحال. فـفي مثل هذه “الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدر”.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها