النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

مثقفون عديمو الشجاعة..

رابط مختصر
العدد 9240 الاثنين 28 يوليو 2014 الموافق 30 رمضان 1435

مثقفون عديمو الشجاعة.. هل بقي للكتابة من جدوى؟ قال: ألا تشعر بلا جدوى الكتابة بعد كل هذه السنين الطويلة؟ ألم تتعب من حالة الشيزوفرانيا الثقافية التي تسكنكم؟؟ وهل غيرت الكتابة في الواقع من شيء؟؟ قلت: انني اعتقد إنني كما انا في الفكر كما في العمل كما في حياتي الشخصية وحتى في مشاعري وإذا ما شعرت باللاجدوى اتعب نفسيا واشعر وكأنني ادور في حلقة مفرغة، انا أؤمن بالفعل والعمل والانجاز، ظللت اكتب طوال 30 عاما متواصلة بلا انقطاع، كتبت في الثقافة وفي السياسة والنقد الادبي، لأني أؤمن بدور الكلمة ودور الفكر ودور النخب في التاريخ. قال: الواقع يقول عكس ذلك، الواقع مؤلم: الذي يحكمنا هو الضحالة والخطابية والتهريج الًديني والغرائزية الطائفية والمصالح، الكل يكذب على الكل هذه هي كلمة السر الرئيسية، ولذلك ان التشاؤم هو الموقف الفكري الامثل وعيا بالأزمة والمخاطر، التفاؤل هنا مجرد موقف اخلاقي أقرب الى البلاهة أقرب الى الامنيات العاطفية، عندما اتعب يتعثر لدي كل شيء. قلت: الذي ما زال يحركني هو الامل والثقة بان التاريخ يتحرك الى الامام وان المثقف ما يزال بإمكانه مواجهة الرداءة والبلادة. قال: هؤلاء المثقفون الذين تتحدث عنهم عديمو الشجاعة لانهم يساندون الحرفية والتقليد ويخشون مواجهة الطائفية والتخلف، ويسكتون عن الخرافة والسخافة والبلادة، وبذلك يتخلون عن دورهم في التنوير والتحرير. قلت: إنك تنظر الى المثقف وكأنه كائن خارق خارج على نطاق الأدمية، فالمثقف جزء من كيان هذه الامة المغلوبة على امرها، المرهقة المسكونة بالخرافة والخيال. قال: المصيبة أننا حاولنا جاهدين - في كثير من الأحيان ومن خلال العديد من النماذج التنموية المنقولة حرفيا - إقامة نمط اقتصادي اجتماعي يتعارض في أهداف وطبيعة وأسس الثقافة المحلية وخصوصياتها وبناها العميقة، وهو ما تسبب في صراع بين الوافد والداخل الذي يتم الحط منه بدلا من الارتقاء به، يحدث ذلك في الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي المعمار وفي الصناعة، وحتى في الملابس والديكورات والمأكل والمشرب والفنون بكافة أشكالها. إن الشعارات الخالية من المحتوى المحلي «الوطني والقومي» إذا لم ترتكز على ثقافة أصلية، ومتضمنة لعناصر التفوق والتميز، فستبقى شعارات مهزوزة، وغير معبرة عن طموحات الناس، بل ستبقى غريبة عنهم، ويبقون غرباء عنها، بالرغم من جميع الظواهر. واعتقد أخيرا أنه ما لم يفترق الفكر عن السيف، والعقل عن العاطفة، والتحليل المستقبلي الواعي عن التهريج وإطلاق الأحكام جزافاً، وما لم يفترق العمق عن السطحية، والجدية عن الاستخفاف، فلن تبنى حضارة، ولن تتغير صورة الانحطاط. قلت: وجهان من أزمة الثقافة والمثقف عندنا، وجهان غريبان ولكنهما بارزان على نحو لافت: الأول يتعلق بضعف أو حتى غياب أو تراجع الالتزام عند العديد من مثقفينا، والثاني تراجع قيم العقل والعلم عند البعض الاخر، واستشراء «ثقافة» سحرية بمعنى من المعاني، تقدس المرجعيات وترفع من شأن «الهلاميات اللغوية»، إذا صح التعبير. فالفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر يقول مثلا: إن عالم الذرة في المعمل وهو يجري الاختبارات المعقدة على فصل عناصر الذرة، لا يعد مثقفاً فهو مجرد «عارف» متخصص، إلا أن هذا العالم نفسه عندما يعي خطورة الاستخدامات العسكرية للذرة على حياة الإنسان ومستقبله ومستقبل بيئته، وقرر أن يوقع على بيان ما، فإنه ينتقل في هذه اللحظة من كونه مجرد مختص إلى مثقف، لأنه في هذه الحالة يخرج من كونه «عارفاً» إلى منطقة الثقافة، ويغادر كونه «مختصاً» ليعبر عن ضمير الناس. فالمثقف يجب أن يعبر عن ضمير المجتمع باعتباره حاملاً للوعي الاجتماعي، بالتوجيه والنقد والكشف وإعلان الحقائق بالإضافة إلى الالتزام الاجتماعي الذي يجعل المثقف لا يستكين للواقع بكل عيوبه ومفاسده ومغرياته، بل يعمل على فهمه وتحليله وتغييره في ذات الوقت. قال: أين يقف المثقف عندنا من هذه المعادلة؟ معادلة المعرفة مضروبة في معادلة الوعي والالتزام؟ قلت: إن أكثر ما يؤلم هو غياب قيم الالتزام أو تراجعها حتى أصبح الاستسلام و ضمان الاستمرار ومجرد البقاء البيولوجي فضيلة من الفضائل، وأصبح الصمت أداة رئيسية لتحقيق الانسجام مع الواقع، وبذلك استشرت «قيم» أكل العيش والقدرية والتقية وتحولت إلى أدوات أساسية في العمل الثقافي العربي. أما بالنسبة للبعد الثاني من الموضوع فيجب التأكيد على أن العلم نسبي بالضرورة لأنه إنساني، يلتزم بوسائل العقل ويستند إلى قوانين دقيقة وصارمة لا علاقة لها بالإعجاز، وهذه تكاد تكون بديهية عند جميع الشعوب التي تجاوزت مرحلة المنهج السحري الذي ينكر حاجة العلم إلى العقل. والعلم بهذا المعنى، ومنذ القرن السابع عشر على الأقل، إن لم يكن منذ القرن السادس عشر، غير مقدس بالضرورة، لأنه لا يستطيع أن يكون مقدساً وعلماً في ذات الوقت، فمعرفة الإنسان، مثل الإنسان، ناقصة وغير منزهة عن النقد والمراجعة، ولكن وللأسف الشديد فإن ظاهرة الخلط بين العلم وغيره مازالت مستشرية عندنا على نحو مرعب، ما زال هنالك من يتحدث عندنا «باعتزاز» عن «العلم» بعيداً جداً عن هذا المدلول ولذلك نعجب عندما نسمع من يتحدث عن علم سحري خارق لا يخضع لقواعد العقل الأساسية، ومع ذلك يحتفظ عنده - لوحده تقريباً - بصفة العلم، وهو من أعظم المدهشات في هذا العصر، إن لم يكن أعظمها على الإطلاق. همسة: يحمل الشاعر على كتفيه وهم تغيير العالم، على طريقة دونكيشوت يطلقون هديل ناياتهم المذبوحة في أذن الريح، وبالتالي فإننا مع الأيام ننسى إحداثيات الواقعي، ونحلق في أساطير مفرودة على جهات الشعر، هؤلاء هم الشعراء الحقيقيون، وما تبقى من جنود التكسب لا أعتقد أن لهم محلا ً في دفتر الشعر، ربما كانوا بهلوانات كلمات، الشاعر لا يدري لمن يمد نزفه وسابلته، وطبول أعراسه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها