النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

عامر.. وناصر.. وتلفزة التاريخ

رابط مختصر
العدد 9236 الخميس 24 يوليو 2014 الموافق 26 رمضان 1435

عادت قضية العلاقة بين الدراما والتاريخ لتطرح نفسها على الاهتمام العام، بعد أن شهدت دراما رمضان التليفزيونية هذا العام عرض مسلسلين ينتمى أولهما إلى التاريخ الحديث وهو «سرايا عابدين» الذي يتناول الحياة الشخصية للخديو «إسماعيل» ألمع ملوك أسرة «محمد علي» التي حكمت مصر بين عامي 1953-1805 بعد محمد علي نفسه، وأكثرهم انجازا خلال الأعوام الستة عشر التى حكم فيها مصر بين عامي 1879-1863 وينتمي المسلسل الثاني إلى التاريخ المعاصر وهو «صديق العمر» الذى يتناول علاقة الصداقة الوثيقة التى جمعت بين الزعيم «جمال عبدالناصر» والمشير «عبدالحكيم عامر»، واستمرت عشر سنوات قبل ثورة 1952، وخمسة عشر عاما بعدها سطع خلالها نجم كليهما فتحول الأول من ضابط برتبة البكباشي «المقدم» إلى زعيم لثورة غيرت وجه التاريخ المصري والعربي، وأثرت في تاريخ العالم، ورئيس لأكبر دولة عربية، وصعد الثاني من ضابط برتبة الصاغ «الرائد» إلى قائد عام للقوات المسلحة، لما كان يعرف أيامها بــ«الجمهورية العربية المتحدة» برتبة «المشير» وتقاسما قيادة مصر، إلى أن دب الخلاف بينهما لينتهي بهزيمة 1967 الفاجعة، التى لا تزال مصر والأمة العربية تعانيان أثارها الكابوسية حتى اليوم وبانتحار «عبدالحكيم عامر». ومشكلة العلاقة بين الدراما - بكل أشكالها - وبين التاريخ تكمن فى أن الدراما - خاصة التليفزيونية منها -من الفنون ذات الجماهيرية الواسعة، التي تنقل القضايا المختلف عليها في التاريخ من صوامع المؤرخين الضيقة إلى الفضاء العام، لينتقل الاهتمام بها منهم إلى جماهير عريضة بعضها لم يكن يعرف عن هذه الإشكالية التاريخية شيئا قبل أن يشاهدها علي شاشة التليفزيون، وبعضها الآخر كان قد كون لنفسه رؤية خاصة حولها من خلال معاصرته لها، أو عبر قراءات صحفية عابرة ليكون هذا الحشد من المهتمين هو الأساس الذي تنطلق منه حملات الاتهام بأن صناع الدراما التليفزيونية يشوهون التاريخ بسبب الجهل أو سوء النية أحيانا. وأول المصادر التي تطلق عادة هذا الاتهام ضد الدراما التى تتناول شخصيات تاريخية معاصرة هم الأحياء من أقارب هذه الشخصيات أو أصدقائهم، أو معاونيهم الذين تتكون لديهم صورة ذهنية عن اقاربهم، تخلط بين عواطف البنوة أو الإخوة أو غيرهما من صلات الدم، وبين وقائع التاريخ وبين سلوك الشخصية التاريخية في حياتها الخاصة وسلوكها في الحياة العامة، لذلك تعتبر كل إشارة لخطأ وقع فيه ابن الأسرة البار وعميد العائلة أثناء ممارسته لدوره السياسي والعام هو تشويه للتاريخ، وتلجأ أحيانا إلى المكايدات القضائية لاستصدار حكم قضائي يحول بين إنتاج المسلسل أو عرضه، بل إن بعض هؤلاء الأقارب يعتبرون أن سير أقاربهم من الشخصيات العامة هي من بين الميراث الذى تركه لهم مورثهم، وأنهم الورثة الشرعيون لحقوق الملكية الأدبية والفكرية لتاريخهم، وبالتالى فمن حقهم أن يتقاضوا مقابلا ماديا من منتج كل مصنف فنى يترجم لحياتهم. وأسفر ذلك كله عن اتجاه في الدراما التاريخية التليفزيونية ينحو صناعه إلى تناول سير الشخصيات التاريخية المعاصرة، من الجانب الإيجابى والمشرق فيها، بل ويبالغ أحيانا في ذلك خوفا مما قد يتعرضون له من أحكام قضائية يستصدرها الورثة ضدهم أو انطلاقا من فكرة ساذجة بأن الشخصية العامة هي قدوة أخلاقية ينبغي أن تقدم للأجيال الجديدة في صورة الإنسان المثالي الذي لم يخطئ فى حياته، والذي لا يتسم بأي سمة من السمات التي يعرفها البشر فى أنفسهم.. فهو لا يكذب ولا يخادع ولا يتآمر ولا يشعر بالمنافسة تجاه الآخرين، حتى تقتدي به الأجيال الجديدة عندما تتعرف عليه عبر شاشة التليفزيون وهي فكرة تؤدي إلى نقيضها إذ البديهى أن يشعر كل من يشاهد مثل هذه المسلسلات انه يفتقد لكل الصفات المثالية التى كانت تتمتع بها هذه الشخصيات التاريخية الفذة لأنه - ككل البشر - يكذب ويخادع ويغار من الآخرين فييأس من محاولة تقليدها أو اتخاذها قدوة يسير على دربها ويسير في الاتجاه المعاكس! وكان طبيعيا أن يتعرض مسلسل «صديق العمر» للعاصفة النقدية التى تعرضت لها كل المسلسلات التي غامرت تناول التاريخ المعاصر، إذ اسرع عدد من شهود الوقائع يكشفون عما وقع فيه صناعه من أخطاء في رواية الأحداث أو في تجسيد الشخصيات، لم تقتصر على تواريخ حدوثها وتفاصيل وقائعها، بل وصلت إلى رصد أخطاء صغيرة مثل عدم تناسب أغطية الزي العسكرية مع الرتبة التى تحملها الشخصية، وارتداء بعض الشخصيات المحورية لنظارات طبية لم يستخدموها في حياتهم وهو ما دفع « سامى شرف» - إحدى الشخصيات التاريخية المحورية في أحداث تلك الحقبة - إلى تتبع الأخطاء التاريخية التى وقع فيها المسلسل، ليعلن - بعد الحلقة السابعة منه - توقفه عن مشاهدته بسبب ما يحفل به من أخطاء تاريخية تتراوح بين الفادحة والتافهة. وبينما اعتبرت أسرة الرئيس جمال عبدالناصر والقيادات الناصرية عموما المسلسل تزييفا فاضحا للتاريخ، اعتبرته أسرة المشير «عبدالحكيم عامر» محاولة لإنصاف عميدها الذى تعرض لحملة تشويه منظمة بسبب الظروف المأساوية التى انسحب فيها من المسرح السياسي والظروف الفاجعة التى رحل فيها عن الدنيا رسخت في أذهان الأجيال التى تتالت على مصر خلال ما يقرب من نصف قرن على رحيله عام 1967. وسرعان ما اكتشف المشاهدون بعد الحلقات الأولى منه أن المسلسل محاولة للتأريخ للعلاقة بين الزعيم السياسى لثورة 23 يوليو عام 1952 «جمال عبدالناصر» والقائد العسكرى «المشير عبدالحكيم عامر» من وجهة نظر تنحاز إلى حد كبير إلى وجهة نظر «المشير عامر» وأنصاره الذين يذهبون إلى انه تحمل مسؤولية كثير من الهزائم والنكسات التى تعرضت لها ثورة 23 يوليو عام 1952 من الهزيمة العسكرية في عامي 1956و1967 إلى انفصال سوريا عن مصر عام 1961 من دون ان يكون مسؤولا عنها بل أن هذه المسؤولية تقع على عاتق «عبدالناصر» بالدرجة الأولى بسبب تجاهله لآراء «عامر» التي كان يبديها فى الكواليس بل يأخذ بآراء آخرين ممن كان يستشيرهم .. أو يتمسك برأيه. وليس من حق أحد أن يصادر على حق صناع هذا المسلسل فيا الدفاع عن «المشير عامر» أو يحول بينهم وبين محاولة أنصاف تاريخه خاصة وان ذلك جانب من تاريخ ثورة 23 يوليو عام 1952 لا يزال غامضا ولا تزال وثائقه المصرية مصنفة «سري للغاية» لم تتكشف ولم يطلع عليها أحد، بل إذ معظمها لم يودع حتى الآن فى «دار الوثائق المصرية» ولكن حق هؤلاء في الدفاع عن ذكرى المشير «عامر» أو إنصاف تاريخه مشروط بأن يستند إلى معلومات حقيقية تجلى غموض أحداث هذه المرحلة وتزيح الستار عما لم يتكشف بعد من أسرارها وليس باصطناع وقائع لم تحدث، وتخليق شخصية تليفزيونية وهمية للمشير عبدالحكيم عامر تختلف تماما عن الصورة التى قدمها به معاصروه فى رواياتهم عن أحداث هذه المرحلة. باختصار ووضوح انصاف الشخصيات المظلومة في التاريخ لا يعني انتحال تاريخ مزيف لها، بل البحث عن التاريخ الحقيقي، إذ قد يكشف البحث عن أنها التي ظلمت نفسها وظلمت كل من أحاط بها.. وفي هذه الحالة قد لا تكون هناك ضرورة لهذا المسلسل وأمثاله من الأصل انطلاقا من القاعدة الشرعية التي تقول إن الله أمر بالستر!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها