النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الأمن والديمقراطية في حديث وزير الداخلية

رابط مختصر
العدد 9233 الأثنين 21 يوليو 2014 الموافق 23 رمضان 1435

كان لافتا في كلمة وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة خلال لقائه المفتوح مع المواطنين وعدد من الإعلاميين أنه يحمل رسالة “سلام ووفاق ومصالحة” كشفت عنها عبارات دالة مثل “ضرورة طي صفحة الماضي” - “فرصة جديدة لفتح صفحة جديدة” “تضميد الجراح”....الخ الكلمات والعبارات التي تؤكد استعداد الدولة لفتح صفحة جديدة وتجاوز آثار الأحداث الجسيمة التي عصفت بالمملكة وتداعياتها الأمنية والسياسية والاجتماعية والتنموية. وفي الوقت نفسه، داعياً الجماعات والأفراد الذين “لم يستوعبوا الموقف الحضاري” وما يزالون يعملون من خارج إطار القانون، لمراجعة مواقفهم والتساؤل عن النتيجة التي أوصلتنا إليها “البذرة السيئة والفكرة الهدامة”. لقد تضمنت هذه الكلمة ما يشبه المراجعة السياسية-الأمنية للأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين بدءا من فبراير 2011م، وما جرته على البلد من آلام وأوجاع “لم يتمنّاها أحد للبحرين”، وتأتي إثارتها اليوم في هذا التوقيت تحديدا، في ضوء التحولات الإقليمية العاصفة التي باتت تهدد الإقليم برمته، وتعصف بدول كبيرة وراسخة مثل “سوريا والعراق” وتعصف بالمجتمعات وتهدد كياناتها بالتفكك نتيجة للاقتتال الطائفي، وسقوط كيان الدول، أو تحولها الى دول فاشلة. وكان لافتا أيضا إعلان وزير الداخلية في ذات الكلمة أنّ المرحلة المقبلة ستكون مرحلة “تضميد الجراح” من خلال “البرامج السياسية والإعلاميّة والشبابية” التي يتوجب أن يشارك فيها الجميع، وكذلك الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات المقبلة، في سياق استعادة العمل من داخل المؤسسات الدستورية لمعالجة كافة القضايا الوطنية. وهذه هي الديمقراطية في أفضل تجلياتها. والحقيقة أن هذه الكلمة تستعيد النقاش التقليدي حول العلاقة بين الأمن والديمقراطية، والمواءمة بينهما، فالأمن الوطني له التزاماته وضوابطه الأساسية التي تقتضي في بعض الأحيان الحد من الحرية، أو استخدام القوة للحد من الفوضى، وكذلك فإن المنهج الديمقراطي دون ضوابط معينة، يعد نوعا” من التسيب والإخلال بالأسس الأمنية للمجتمع، وعليه فإنه لا مناص من الموازنة بين متطلبات الامن ومتطلبات الديمقراطية والحرية، بشتى الوسائل القانونية المسموح بها دستوريا” بما يضمن أن يكون الأمن وفقا للقانون وللأسس الديمقراطية، وأن تكون الديمقراطية مراعية لمقتضيات الامن باعتباره يوفر للمجتمع وللديمقراطية “نفسها” الاستقرار الذي يمكن تحت لوائه، أن تنمو الديمقراطية وتزدهر. وقد لامس خطاب وزير الداخلية جانبا من هذه الإشكالية عندما حصر التهديدات الداخلية والخارجية التي تحتاج الى استعادة وحدة الصف وتضميد الجراح وطي صفحة الاحداث المؤلمة وبناء الثقة من جديد، والتأكيد على تبني الدولة مفهوما “للأمن الوطني وأسلوب عمله في حماية الشعب والوطن، وهذا المفهوم يجب ان يكون متوائما” عند السلطة ولدى الأحزاب السياسية ولدى الأغلبية الكبيرة من المواطنين، من اتفاق لمعالجة الإرهاب وتجفيف منابعه ووضع حد لمتجاوزي القانون والعاملين من خارجه، كما يلزم التعرض للأسس والاعتبارات الديمقراطية التي يجب ان تراعيها أجهزة الأمن عند قيامها بمسؤولياتها وواجباتها الوطنية ... فهناك خيط رفيع بين ضمان الأمن الوطني والحفاظ على تطبيق القانون وحماية الحرية والممارسة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وعندما نقول إن الديمقراطية هي تطبيق القانون يعني بالضرورة بان إحدى مسؤوليات أجهزة الأمن هي حماية النظام الديمقراطي في البلد ومواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه الديمقراطية من أعدائها من الارهابين في الداخل والخارج ويصبح الأمن في هذه الحالة حليفا “وراعيا” للديمقراطية خصوصا وأن مسؤولية الأمن الوطني لا تنحصر في الأجهزة الرسمية المتخصصة فقط بل يشارك معها قطاعات واسعة من الجماهير الواعية، ويصبح الشعب في خدمة الأمن الوطني، كما ان هناك مسؤولية كبرى تلقى على عاتق أجهزة الإعلام ورجالها، لأنها أجهزة ورجال وأقلام قادرة على إحكام التوازن المطلوب بين الأمن والديمقراطية. اللافت أن مثل هذه الدعوة للسلم ولتضميد الجراح وفتح صفحة جديدة تأتي من وزير الداخلية تحديدا، وذلك لأنه لا يعلم أهمية الوئام والسلام الا من خبر مقارعة العنف والإرهاب وخبر معانيه ومعاناته وثمنه، ولعل خطاب وزير الداخلية قد لامس في شموله واتزانه ووعيه بأبعاد هذه الإشكالية - بالإضافة الى البعدين السياسي والأمني - الجوانب المجتمعية والتربوية والشبابية، ليجعل من الإحاطة بالشباب وإخراجهم من حالة فقد الوزن -التي تجعلهم ريشة في مهب ريح الأهواء - إلى حالة الوعي بقيم المواطنة والانتماء، بما يستدعي مقاربة هذا النسيج الغني من الشباب بشفافية عالية وبالاستماع إليهم والحوار معهم، وتبني المسؤولية تجاه تحصينهم ضد الأهواء والاستغلال السياسي المريب، وهذه الخطوة تستدعي تكثيف جهود الجميع: الأهالي والتربويين والإعلاميين ورجال الدين جميعا، وهذا الجهد لا يجب أن يرتبط فقط بموضوع الأمن بشكل مجرد، بل ينبغي أن يرتبط تأسيسا بموضوع الانتماء، وبترسيخ حقيقي لمفهوم المواطنة، يتخطى الجانب النظري ويكون متلازما مع تعميق مفهوم الحرية والمسؤولية، التي لا مناص من ارتباطها بالمواطن ليصبح فاعلا “وحرا”، واعياً لما له من حقوق ممارساً إياها، وعارفاً بما عليه من واجبات، وملتزما بها، وعلى رأسها الحفاظ على أمن الوطن واستقراره واستقلاله والمحافظة على مكتسباته.. إذ لا مكان لتعميق مفهوم المواطنة بشكله الصحي والصحيح إلا ببناء المواطن الحر غير المستلب، والمستعصي عن الاستغلال من التيارات السياسية التي تتناهشه، وتستغل حاجاته وقلقه وتطلعاته، وتوظفها لتحقيق أهدافها الضيقة، ولا مكان أيضا لبناء هذه المواطنة إلا ضمن الدولة الديمقراطية التي تنظم مكوناتها الاجتماعية وأطيافها المتنوعة في سياق الحوار والشراكة والتفهم، وضمن القانون والشرعية بالدرجة الأولى. ومن حسن حظ البحرين أنها تمتلك القدرة على مواجهة واستيعاب مثل هذا الجنوح العرضي والاستثنائي نحو العنف، استنادا إلى ثقافة مجتمعية تمقت العنف، والموروث الاجتماعي والثقافي الذي يساعد على الوقوف أمام الظاهرة الطارئة، سواء أكانت باسم الدين أو باسم السياسة، والوقوف أمام ازدواجية الخطاب لدى بعض الأطراف المتخفية وراء شريعة حقوق الإنسان، وركوبها لتكريس تبعية الإنسان..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها