النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11924 الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 الموافق 25 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

أول عربي عمل في هوليوود كان نجدياً!

رابط مختصر
العدد 9230 الجمعة 18 يوليو 2014 الموافق 20 رمضان 1435

يعتقد البعض أن أول عربي مثــّل في هوليوود هو اللبناني «محمد لاقطين» الذي أطلق على نفسه اسم «فرانك لاكتين» وقدم أول أفلامه تحت عنوان «الخط الأصـفر» في عام 1961، قبل أن يتوفى في عام 1986 عن 70 عاما و191 فيلما، علما أن الممثلين العربيين اللذين دخلا هوليوود من بعده هما السوري ذو الجنسية الامريكية «ميشيل عصره» واللبناني «جورج نادر». والبعض الآخر يعتقد أن «ميشيل شلهوب» المعروف فنيا باسم «عمر الشريف» هو أول عربي يعمل في هوليوود، مذكرين بفيلمه الهوليوودي الأول «لورانس أوف أرابيا» الذي أنتج في عام 1962، وما حققه هناك من نجاحات وشهرة وصلت الآفاق ولاسيما بعد دوره في فيلم «دكتور زيفاغو». وقد يكون هذا صحيحا إذا ما نظرنا إلى الموضوع من زاوية عدد الأفلام التي مثلها هؤلاء وما حققوه من شهرة واستمرارية، لكن إذا ما نظرنا إليه من زاوية الأقدمية فإن أول عربي وصل إلى هوليوود ووقف أمام كاميراتها، بل ومثــّل إلى جانب النجم الامريكي الكبير «جون واين» هو نجدي من مدينة بريدة السعودية، كنا قد أشرنا إلى إسمه عرضا في مقالنا عن «أوائل الخليجيين الذين ذهبوا إلى اوروبا وأمريكا». وهنا أتوقف قليلا لأرد على أحد أصدقائي الأعزاء الذي يلومنني دوما على تركيزي في مقالات الجمعة على شخصيات من القصيم تحديدا، فأقول له ما قاله رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط الأستاذ طارق الحميد ذات مرة من أن أهل القصيم يمثلون حالة غريبة تستعصي على الفهم وتغري بالتأمل، بمعنى أنك حين تتأمل في الأسماء التي أنتجتها هذه المنطقة ستجد بينها رموزا لكل التيارات المتناقضة من حداثية وتقليدية وسلفية متشددة واسلامية معتدلة وليبرالية وتكفيرية ومتصوفة وشيوعية وبعثية وناصرية إلى جانب رموز المال والأعمال الناجحين والفاشلين. والقصيمي الذي دخل التاريخ كأول عربي يقتحم هوليوود إسمه «خليل بن إبراهيم الرواف التميمي»، وهو من مواليد 1895 في بريدة ــ وفي رواية أخرى أنه ولد في دمشق لعائلة نجدية كانت مقيمة هناك بسبب عملها في حراسة قوافل حجاج بيت الله الحرام من الشام إلى مكة طبقا لما ورد في تحقيق لمجلة «المجلة» في أكتوبر 1991 ــ لكنه اعتاد التنقل ما بين نجد وكل من العراق وسوريا والأردن ومصر لبيع الإبل، شأنه في ذلك شأن نجديين كثر ممن امتهنوا هذه التجارة في تلك الحقبة. أما عن قصة ذهابه إلى أمريكا، وبالتالي وصوله إلى هوليوود، فإنها قصة مشوقة ومليئة بالاثارة والفصول الدرامية. إذ يـُحكى أن الرواف كان يقيم في فندق دجلة ببغداد في عام 1932 حيث كانت تقيم أيضا سائحة أمريكية شقراء ثرية تدعى «فرانسيس أليسون». ويبدو أن نوعا من الود والإستلطاف حدث ما بين الرواف والشقراء الأمريكية خصوصا وأن الأول أراد معرفة المزيد من المعلومات عن أمريكا، والثانية أرادت التوسع في فهم ثقافة وعادات العرب. وقد لعب دور حلقة الوصل بين الطرفين اللذين لم يكونا يجيدان لغة مشتركة الدكتور خير الله وهو أحد أوائل المهاجرين العرب إلى أمريكا وتصادف وجوده في فندق دجلة في ذلك الوقت. وهكذا توطدت العلاقة بين النجدي الاسمر والامريكية الشقراء وقرر الأول أن يترك تجارته ويرافق الثانية في رحلتها من بغداد إلى دمشق فبيروت. وفي بيروت استقلت فرانسيس الباخرة عائدة إلى نيويورك بعدما عاهدت الرواف على الحب ووعدته بالعودة إلى بلاد الشام كي تعتنق الاسلام وتتزوجه. وبالفعل أوفت الامريكية بوعدها، وتزوجت بائع الجمال النجدي، ودبرت له من سفارة بلادها في بيروت البطاقة الخضراء التي تتيح لحاملها دخول الولايات المتحدة والاقامة والعمل بها. ثم غادرا بلاد الشام معا إلى أمريكا بحرا فوصلاها في عام 1935. في أمريكا بذلت فرانسيس المستحيل لتعريف زوجها العربي بالحياة والثقافة الامريكيتين، فأخذته في جولة دامت 6 أشهر بسيارتها في ربوع الولايات المتحدة، ابتداء من نيويورك وانتهاء بلوس انجلوس، وكانت تنفق على كل شيء بسخاء، وتقيم الولائم وتدعو أصدقاءها وصديقاتها من أجل التعرف على زوجها القادم من وراء البحار، وسط تغطية مكثفة من الصحافة. غير أن الرواف كان ينظر إلى كل هذا بشيء من عدم الارتياح، إذ رأى فيه خروجا على تقاليده وعاداته. وهكذا صارت الخلافات بينهما لا تتوقف بسبب تباين ثقافتيهما واختلاف تقاليدهما، الأمر الذي أدى ذبول عشقهما ووقوع الطلاق بينهما. ولما كانا قد تزوجا وفق الشريعة الاسلامية خارج الولايات المتحدة فإنهما اضطرا للعودة إلى الشام كي يتطلقا. ومما يــُذكر أن الشقراء الامريكية أوكلت المحامي السوري «فارس الخوري»، الذي صار فيما بعد أول رئيس لوزراء سوريا بعد الاستقلال، واستعانت بالشيخ فوزان السابق سفير المملكة العربية السعودية في مصر لتحصل على الطلاق. بعد أنْ طلق الرواف فرانسيس عاد إلى أمريكا حيث قادته خطاه إلى هوليوود، وكان جواز مروره هو إجادته للغة الانجليزية والشهرة التي استمدها من شهرة طليقته يوم ان غطت الصحافة خبر زواجهما وتجوالهما في ربوع الولايات المتحدة. في ستوديوهات هوليوود عمل الرواف مستشارا فنيا للتراث العربي والعادات البدوية والتقاليد الشرقية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنه أدى دور حارس بدوي لشيخ قبيلة في بادية العراق أمام نجم أفلام الويسترن المعروف «جون واين» في فيلم «آي كافر ذ وور» وترجمتها «كنت مراسلا حربيا»، وهو فيلم أنتج في عام 1937 من إخراج «أرثر لوبين». ثم قام الرواف لاحقا بتأليف كتاب حول كيفية تعلم العربية، وأردفه بافتتاح مدرستين لتعليم اللغة العربية والتعاليم الاسلامية للأمريكيين الراغبين في التعرف على ثقافة الشرق. ضمن من سحرتهم ثقافة الشرق فقرر تعلم العربية من خلال مدرسة الرواف كانت «كونستانس ويلمان» الشابة الامريكية الصغيرة التي كانت قد زارت أوروبا لاستكشافها والاقتراب من ثقافتها بتشجيع من والدها المحامي، فسمعت هناك بأن الحضارة العربية هي أساس الحضارة الغربية، فاعجب بها الرواف وتزوجها في عام 1946 ، ورزق منها في العام الاول بولد سماه نواف. غير أن الرواف كرر مع كونستانس ما فعله مع زوجته الأولى، بمعنى أنه لم يستطع التكيف معها بسبب اختلاف الثقافة والطباع، فطلقها حينما كان عمر ابنهما 8 أشهر. وفي هذا السياق تقول كونستانس: «كان والدي محاميا مشهورا في نيويورك ويشجعنا على البحث والدارسة وبعد عودتي من أوربا قابلت الدكتور خير الله الذي نصحني بتعلم اللغة العربية في مدارس الرواف، وهو ما تم فعلا وكان يقوم بتعلمي فأحب كل منا الاخر وتزوجنا ورزقنا بطفل. ثم بدات الخلافات تظهر بيننا بسبب غيرته الشديدة، وتجسسه علـّي، وتبدل آرائه عن المرأة وعملها وملابسها في المناسبات الاجتماعية، ناهيك عن أنه أخفى عني خبر زواجه الأول من سيدة أمريكية» ويبدو أن التجربة الأخيرة بعثت السأم واليأس في نفس الرواف، خصوصا مع قيام طليقته باخفاء ابنه نواف عن أنظاره خوفا من أن يهرب به. فقرر تصفية مدرستيه وكل أعماله التجارية في الولايات المتحدة بعد عام من إنفصاله عن أم نواف، وسافر من أمريكا إلى مصر حيث تزوج مجددا، لكن هذه المرة من سيدة مصرية من الاسكندرية. وقد أنجبت له الأخيرة ابنتين: أميمة التي تعمل بالتدريس، وآسيا الطبيبة الاستشارية في المستشفى العسكري بالرياض. وحينما عاد الرواف أخيرا في سن الخمسين إلى وطنه بعد كل ما مر به من تجارب، لم ينس وليده نواف، بل كان شغله الشاغل هو العثور عليه واستعادته من أمه. فسافر لهذا الغرض في عام 1958 إلى أمريكا برفقة الأمير طلال بن عبدالعزيز الذي حاول إقناع كونستانس ــ دون نجاح ــ أن تتنازل عن حضانة نواف لأبيه مع تعهد منه بالاشراف على تربيته ورعايته، ثم كرر الرواف المحاولة بنفسه حينما زار أمريكا في عام 1962 برفقة زوجته المصرية وابنتيه لكنه لم يجد أثرا لا لإبنه ولا لطليقته، وكذا كان الحال في محاولته الثالثة في عام 1987. فما الذي حدث يا ترى لنواف الذي لم يقابل والده إلا في سن الخامسة والأربعين حينما كان أبوه قد بلغ من العمر 95 عاما سنة؟ تقول المصادر المتنوعة التي اطلعتُ عليها أن «كونستانس ويلمان» بعدما تطلقتْ من الرواف بعام واحد تزوجتْ من عربي آخر هو الشاعر المصري «أحمد زكي أبو شادي»، أحد مؤسسي جماعة أبللو الشعرية، والذي كانت قد تعرفتْ عليه يوم أن أتى إلى مكتب الرواف باحثا عن وظيفة. وقد قام أبوشادي بتبني الطفل نواف ومعاملته مثل إبنه رمزي وابنتيه هدى وصفية من زوجته المصرية، خصوصا وأنه كان يعرف الرواف، وكان ممن عملوا ضمن الوفد السعودي في هيئة الأمم المتحدة. ولعل ما جعل وصول الرواف إلى ابنه صعبا ومعقدا هو أن كونستانس أطلقت على نواف ــ حينما كان في سن الثالثة ــ اسم جدها «كلايف» فصار اسمه الرسمي بعد تبنيه هو»كلايف أبوشادي»، ناهيك عن أن «أبوشادي» توفي دون أن يُخبر أبناءه من زوجته الأولى بالإسم الحقيقي لـ «كلايف». ثم أن نواف فضــّل في فترة لاحقا، حينما عرف أن «أبوشادي» ليس والده الحقيقي، أنْ يتسمى باسم عائلة والدته فصار «كلايف ويلمان»، بدلا من «كلايف أبوشادي». ويقول نواف في مقابلة صحفية أجريت معه لاستجلاء قصته الغريبة أنه بعد وفاة أبوشادي الذي رباه وتولى رعايته «كنت أقلب أوراق أبي ووجدت شهادة ميلادي وقد تغير اسمي من نواف إلى كلايف، فسألت والدتي فقالت نعم! ابوشادي ليس والدك.. والدك طلقني وذهب إلى السعودية. وكانت والدتي قد تزوجت من البريطاني «كيث غارني» وانتقلنا لبريطانيا حيث بقيت هناك حتى بلغت سن الثامنة عشرة. ثم عدنا لامريكا واشتركت في حرب فيتنام خلال 1969 ــ 1974. سألت والدتي بعفوية عن والدي فقالت: اطلب من السفارة السعودية معلومات عنه.. فكتبت للسفارة أربعة خطابات ولم أحظ بأي رد». فكيف عثر كلايف أو نواف على والده أخيرا؟ في عام 1974 إبتعثت جامعة الملك سعود «عثمان ياسين الرواف» ابن أخ خليل الرواف إلى الولايات المتحدة الامريكية من أجل نيل درجة الدكتوراه من جامعة ديوك في ولاية كارولينا، فأوصاه عمه خليل أن يعمل كل ما في وسعه للعثور على إبنه نواف، مشددا على طلب العون والمساعدة من السفارة السعودية في واشنطون. ولنترك هنا عثمان ليروي لنا ما فعله طبقا لماهو منشور في مجلة «المجلة» التي أتينا على ذكرها آنفا: «جئت الى السفارة حيث قال لي موظف فلسطيني كبير السن كان يعمل فيها انه يعرف القصة. وقادني الى صفية أبو شادي، التي كانت تعمل في اذاعة صوت أمريكا. ويضيف عثمان: «قالت لي صفية أنها تعرف نواف وأن والدها شادي كان متزوجا من والدته بعد طلاقها من خليل الرواف وأنه تبناه وأطلق عليه اسم كلايف ابوشادي، وأنهما ــ أي نواف وصفية ــ عاشا في منزل واحد لعدة سنوات إلى أن توفى والدها وتزوجت أم نواف رجلا آخر لا تعرف شيئا عنه». ثم قالت صفية ابو شادي مستطردة أنها سمعت من أحدهم أن نواف أو كلايف حارب معه في فيتنام في عام 1975 ضمن القوات الامريكية التي ارسلت الى هناك لصد الزحف الشيوعي. هنا فقط تجدد الأمل لدى ياسين الرواف في العثور على إبن عمه. فطالما أنه خدم في حرب فيتنام، فلا بد أن لدى الجيش الامريكي معلومات عنه. يقول ياسين الرواف: «كتبت إلى وزارة الدفاع الامريكية طالبا منها تزويدي باسم المستشفى الذي ولد فيه، ورقم بطاقة التأمين الاجتماعي الخاصة به ومكان عمله الحالي». ويستطرد قائلا ان كل ذلك لم يساعد في العثور عليه، إلى أن اقترح عليه أحد معارفه الامريكيين بنشر إعلان في مجلة عسكرية أمريكية خاصة بالمحاربين القدامى في صيغة «أنا عثمان الرواف، عنواني كذا، وأبحث عن إبن عمي الذي حارب في فيتنام، الخ الخ». لكن حتى هذه العملية لم تأت ثمارها لسبب بسيط هو أن ياسين كان يبحث عن كلايف أبوشادي فيما كان الأخير قد بدل اسمه إلى كلايف ويلمان كما سبق أن بينا. ورغم الفشل المتتالي على مدى سنوات طويلة من البحث المستمر، لم ييأس ياسين الرواف، وراح يدق أبواب أخرى، فقد سأل عنه عند القوات الامريكية التي جاءت إلى السعودية لتحرير الكويت في عام 1990، وكاتب قيادة فرقة الفرسان الاولى في ولاية تكساس لما نما الى سمعه أن إبن عمه كان يخدم في تلك الفرقة، إلى أن جاء الفرج في عام 1991 حينما ذهب ياسين إلى الولايات المتحدة والتقى بطريق الصدفة أحد زملاء دراسته في جامعة ديوك، وكان قد أصبح موظفا في وزارة الخارجية الامريكية. وحينما سمع الأخير من ياسين قصة ابن عمه وعده بأن يولي الموضوع عناية خاصة، وأعطاه اسم وعنوان محقق خاص ذي كفاءة ليتولى البحث. ولم تمض 3 أيام إلا والمحقق يفضي ببيانات هامة لياسين عن إبن عمه المفقود. حيث تبين أنه تسمى باسم «كلايف ويلمان» وأنه تزوج مرتين آخرهما من فتاة من أصل عربي سوري، وأنه يعمل كمثمن عقارات، ويقيم في مدينة ميرامار بولاية فلوريدا، ولديه إبنتان. لقد عاش خليل الرواف نحو نصف قرن ينتظر أن تكتحل عيناه برؤية ولده إلى أن تم له ذلك قبل وفاته بخمسة أعوام أي في عام 2000. وخلال هذه الفترة، بل منذ سن مبكرة جدا، كان الرجل مواظبا على كتابة مذكراته التي صدرت في عام 2013 في كتاب ضخم من 650 صفحة بعنوان «صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث». وفي هذا الكتاب سرد لرحلة المؤلف خلال قرن وخمسة أعوام في البلاد المختلفة، وتجاربه فيها، ولاسيما تجربته في الولايات المتحدة، ثم تسجيل لجوانب من تجربة «العقيلات» وتنقلاتهم بين نجد والشام والعراق ومصر، فالحديث عن معاصرته لقيام المملكة العربية السعودية وعمق التحولات التي نقلت البلاد وشعبها من حالة التشتت والتنافر إلى الاجتماع والتعايش.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها