النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الكاتب الجبار.. والشعب الأكثر جبروتاً

رابط مختصر
لعدد 9229 الخميس 17 يوليو 2014 الموافق 19 رمضان 1435

في خلال العام الماضي، اختفت أسماء عدد من الشخصيات السياسية والصحفية والإعلامية التي لمعت كالشهب في الفضاء العام، بعد ثورة 25 يناير وكان وراء لمعان أصحابها مشاركتها في الثورة أو دعمها لها مما حقق لهم جماهيرية واسعة، جعلت الصحف والفضائيات تتنافس على دعوتهم للكتابة على صفحاتها أو تقديم برامج علي شاشاتها وبحكم الميل المصري التقليدي للمبالغة والمجاملة أطلقت عليهم بعض الدوائر الإعلامية - بل والرسمية - ألقابا وأوصافا من نوع «مفكر الثورة» و»أديب الثورة» و»الكاتب الثوري العالمي». وبعد ثورة 30 يونيو - بدأ منحنى الكرم يتراجع ووهج المجاملة ينطفئ ليتحول المدح إلى هجاء والإعجاب إلى نفوذ، لتبدأ هذه الشخصيات في الانسحاب تدريجيا من المشهد السياسي والصحفي والإعلامي، فتتوقف عن الكتابة بإرادتها وقالوا في تبرير ذلك إن الصحف والقنوات التي كانت تنشر لهم مقالاتهم أو تبث برامجهم بدأت تحذف سطورا أو مشاهد منها أو تخالف شروط التعاقد معهم، فلا تنوه إلى مقالاتهم في صدر صفحتها الأولى أو تتدخل في محتوى ما يقدمونه من برامج أو تعترض على من يحاورونهم من ضيوف، وردت بعض هذه الجهات على ذلك قائلة إنها لم تحذف من هذه المقالات والبرامج إلا كلمات أو سطورا أو مشاهد تعرضها للمساءلة القانونية، بحكم أن الناشر- سواء كان صحيفة أو قناة تلفزيونية - شريك في المسؤولية المدنية والجنائية مع الكاتب ومع مقدم البرنامج وضيفه عما ينشره - أو يبثه - له.. واستغل المعادون لثورة 30 يونيو الفرصة ليتخذوا من توقف هؤلاء الكتاب عن نشر مقالاتهم وأصحاب هذه البرامج عن تقديمها دليلا على زعمهم بأن حريات الرأي والتعبير قد أخذت تتراجع في مصر. ذكرتني هذه الظاهرة بما انتهت إليه علاقة الكاتب الكبير الراحل «عباس محمود العقاد» (1889 - 1964) بثورة 1919، الذي لمع اسمه خلالها كالشهاب في الفضاء العام بسبب كتاباته دفاعا عنها وهجومه الحاد والمتواصل على أعدائها الذين كانوا يتآمرون على الاستقلال وعلى الديمقراطية مما دفع زعيم الثورة «سعد زغلول» إلى أن يطلق عليه لقب «الكاتب الجبار» الذي ظل لصيقا به لما يقرب من خمسة عشر عاما، ثم اختفى تدريجيا منذ اختلف «العقاد» مع «مصطفى النحاس» - خليفة «سعد» في رئاسة حزب الوفد وفي زعامة الشعب- فلم يعد أحد يذكر اللقب أو يذكر «العقاد» نفسه باعتباره كاتبا سياسيا.. أو يحرص على قراءة ما يكتبه في السياسة! وخلال تلك الأعوام كان «عباس العقاد» ألمع الكتاب السياسيين في الصحافة المصرية وأكثرهم شعبية، وكانت الصحف الوفدية تتنافس على استكتابه لإدراكها أن وجوده بين أسرة تحريرها يزيد من توزيعها ولذلك كانت تحرص على أن تنشر مقالاته في صدر صفحتها الأولى، وكلما صدرت جريدة جديدة سعت للتعاقد معه لكي يكتب لها ووسطت قيادة الوفد لديه لكي يدعمها بالكتابة فيها.. وكان «العقاد» كلما اختلف مع جريدة منها لسبب من الأسباب غير السياسية كتأخر مستحقاته المالية أو غيرها تركها ليجد في اليوم التالي عشرات غيرها تعرض عليه الكتابة فيها. وكانت كتابات الكاتب الجبار عباس العقاد هي التي أهلته بعد ذلك لكي يكون عضوا في مجلس النواب عن دائرة «أسوان» مسقط رأسه وهي السبب في الحكم عليه بالسجن لمدة تسعة أشهر عندما وقف عام 1930في مجلس النواب ليشارك أغلبية المجلس الوفدية في الاعتراض على مرسوم ملكي صدر بحل المجلس، فوقع في أحد أخطاء الارتجال الفادحة ودفعته الحماسة إلى أن يقول عبارته الشهيرة: إن هذا المجلس على استعداد لأن يحطم أكبر رأس في البلاد إذا فكر صاحبه في الاعتداء على الدستور.. ومع أن النواب تجاوبوا مع حماسته وأيدوا عباراته بموجة من التصفيق الحاد المتصل، إلا أن رئيس المجلس تنبه لخطورة ما قيل، إذ كان أكبر رأس في البلاد في ذلك الحين هو «الملك فؤاد» فقال له: إيه ده يا أستاذ «عقاد».. أنا لا أسمح بقول مثل هذه العبارات.. وأمر بحذف العبارة من مضبطة الجلسة. ومع أن العبارات كانت في تقدير قانونيي الحكومة تشكل جريمة العيب في الذات الملكية،إلا أنهم لم يكونوا يستطيعون إبلاغ النائب العام ضد «العقاد» ولأن الدستور كان يمنح حصانة لما يقوله نواب الأمة تحت القبة، فتربصوا بما أخذ «العقاد» يكتبه من مقالات في الصحف بعد حل البرلمان وفقده للحصانة إلى أن جمعوا منها عبارات قادوه بسببها إلى المحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، فحكمت عليه بالحبس لمدة تسعة أشهر أمضاها في السجن وخرج من بعد انتهاء العقوبة إلى ضريح «سعد زغلول» لينشد في ساحته قصيدته الشهيرة «لبثت جنين السجن تسعة أشهر/ وهأنذا في ساحة الخلد أولد/ عِداتي وصحبي لا اختلاف عليهما/ سيعهدني كل كما كان يعهد».. ثم يتجه إلى «بيت الأمة» ليلتقي بزعيم الأمة ورئيس الوفد «مصطفى النحاس» والمجاهد الكبير «مكرم عبيد» السكرتير العام لحزب الأغلبية ورئيس الوفد، فيحتفيان به ويخرجان معه إلى المشرفة لكي يتلقيا معه تحية الجماهير. بعد ذلك التاريخ بثلاث سنوات، بدأ الخلاف يدب بين الكاتب الجبار «عباس محمود العقاد» وبين قيادة الوفد ممثلة في زعيم الأمة والمجاهد الكبير.. وكانت الظروف السياسية قد تغيرت فسقطت دكتاتورية «إسماعيل صدقي» التي سجن «العقاد» في عهدها تسعة أشهر بسبب دفاعه عن الدستور، وتولت الحكم وزارة انتقالية برئاسة «توفيق نسيم» قامت بإلغاء دستور 1930 الذي أصدره «صدقي» ووعدت بإعادة دستور الأمة الذي ألغاه وهو دستور 1923 وقرر الوفد - بعد خمس سنوات من الجهاد ضد الدكتاتورية - أن يهادن حكومة «نسيم» وأن يشجعها على مواصلة الجهود من أجل إعادة دستور 1923 الذي كان الانجليز يعارضون في عودته، وهو ما عارض فيه «العقاد» الذي كان يشك في وفاء «نسيم» بوعوده فشن حملة عنيفة ضده وضد حكومته على صفحات جريدة «روزاليوسف» التي كان آنذاك كاتبها السياسي الأول. ولفتت قيادة الوفد نظر «العقاد» إلى مخالفة ما يكتبه لخط الوفد ولكنه واصل هجومه، ثم بدأ هذا الهجوم يطول من طرف خفيِّ المجاهد الكبير «مكرم عبيد» باعتباره المسؤول عن سياسة التقارب مع «توفيق نسيم» التي يتبعها الوفد ثم أصبح الهجوم الخفي هجوما علنيا صريحا، انتهي بأن اجتمعت الهيئة الوفدية - وهي أعلى سلطة في الوفد - لتتخذ بالإجماع قرارا بفصل جريدة ومجلة «روزاليوسف» من الحزب.. وخلال أيام بعد صدور القرار انهار توزيع جريدة «روزاليوسف» التي كانت من أوسع الصحف اليومية انتشارا، ليصل إلى الحضيض ولم يعد لاسم الكاتب الجبار «عباس العقاد» أو لغيره من الكتاب الجبارين الذين يكتبون على صفحاتها أثر في الحيلولة دون انصراف القراء عنها - وبعد شهور تراكمت خلالها ديون الصحيفة للمطابع وتجار الورق نتيجة لتوقف المعلنين عن الإعلان على صفحاتها وتوقف القراء عن شرائها، اضطرت صاحبتها إلى إغلاقها توفيرا للنفقات وحتى تستطيع أن تواصل إصدار المجلة الأسبوعية التي تحمل نفس الاسم. وهكذا وبين ليلة وضحاها أصبح الكاتب الجبار «عباس محمود العقاد» في الشارع لا يجد صحيفة تجرؤ على استكتابه إلا صحفا من الدرجة الثالثة تسعى للتمسح باسمه لكي تروج لنفسها، وحين عرضت عليه مجلة «مصر الفتاة» - وهي أسبوعية تنطق بلسان حزب صغير يحمل الاسم نفسه ويناصب «الوفد» العداء أن يكتب لها رحب بذلك بشدة واستجاب للدعوة على الفور وبدأ ينشر مقالاته فيها، لكن اسمه لم يجذب للصحيفة قراء الكتابة فيها، إذ لم تعد له لقب الكاتب الجبار الذي كان قد فقده للأبد. وفي تلك الأيام أصدر د. محمد حسين هيكل باشا كتابه الشهير «حياة محمد» ولقي الكتاب - الذي كان محاولة لكتابة السيرة النبوية بأسلوب عصري - رواجا شديدا دفع «العقاد» لكي يتحول من كاتب سياسي جبار إلى كاتب إسلامي جبار لعله يجد في هذه السوق الجديدة مكانا للعمل بعد أن سدت أمامه السبل، فكتب «عبقرية محمد» ثم أعقبها بعبقرياته الإسلامية الشهيرة كما استأنف مسيرته في الكتابة الأدبية وأعاده ذلك إلى سوق قراء الكتب الإسلامية والكتب الأدبية، ولكنه لم يعد إلى مكانته ككاتب سياسي. وصحيح أن «العقاد» استأنف الكتابة في السياسة علي صفحات صحف الحزب السعدي الذي انضم إليه بعد انشقاق «أحمد ماهر» عن الوفد عام 1938 ثم في صحيفة «الكتلة» التي أصدرها المجاهد الكبير «مكرم عبيد» عن الوفد عام 1943 واسترد عضويته في البرلمان بعد تعيينه عضوا في مجلس الشيوخ في ظل الحكومات غير الوفدية، لكنه لم يضف لهذه الصحف جميعا أو تضف إليه قارئا واحدا ولم تعد إليه لقب الكاتب الجبار كما لم تعد لمكرم عبيد لقب المجاهد الكبير. ولو أن صحفيي وإعلاميي ثورة يناير الذين كفوا عن الكتابة وانسحبوا من المشهدين السياسي والإعلامي بعد ثورة 30 يونيو انصفوا الحقيقة لاعترفوا بأنهم توقفوا عن الكتابة لا لأن أحدا صادر حريتهم أو ضيق عليهم، ولكن لأنهم اتخذوا مواقف تتحدى إرادة الذين يقرؤون لهم فانصرفوا عن متابعة ما يكتبون وبعد أن كانوا يستقبلون ما يكتبونه بالورود والزغاريد أصبحوا يستقبلونه بالبيض الفاسد ويشدون عليهم المسخرة، فالشعب - كما كان يقول «جورج أمارو» - يعرف وجه شعرائه كما يعرف وجه أبطاله وهو صاحب الحق في منح لقب «الكاتب الجبار» وفي سحبه مِن مَن منحه له في أي لحظة.. لأنه الأكثر جبروتا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها