النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

ضد الحرية والحداثة ومدنية الدولة..

رابط مختصر
العدد 9226 الأثنين 14 يوليو 2014 الموافق 16 رمضان 1435

مشروع الحداثة يفترض نظريا على الأقل ان تمثله الدولة بالضرورة، ولذلك يفترض أن يكون الخطاب - معارضا كان أم مواليا - مع الدولة في سعيها الحتمي نحو الحداثة التي هي شرط الديمقراطية والحرية، فينتصر للدولة ضد استبداد الأصولية-الطائفية، وينتصر للدّيمقراطية والحرية والحداثة ضد الدولة عندما تستبد،ولكن المشكلة تتمثل في أن أغلب الجمعيات السياسية التي تنشط على الأرض هي أصلا ضد الحداثة وضد الحرية وضد الديمقراطية، وضد مدنية الدولة، فهي تتحدث عن الديمقراطية وعن الدولة المدنية شكلا، وترفضها مضمونا، في حين أن الدولة المدنية الديمقراطية كما تم بناؤها في الغرب، قد قامت على أساس ربط الحرية بالتاريخ، وبالفعل اليومي، بما يجعل الإنسان متحررا من ممارسة الهمجية والتوحش والخرافة والتقديس للبشر. ومن هذا المنطلق فان الحديث عن الخطاب السياسي المعارض والامتثالي على حد سواء، يقود إلى رصد عدد من المظاهر التي تفسر عجزه المزمن على بناء منظومة فكرية تتأسس على العقلانية السياسية ومنها على الأقل: - الافتقار إلى الموضوعية والنزاهة والشفافية في المعركة من أجل السلطة، وضدها، فالذين يدعون اليوم أنهم مناضلون من أجل الحرية والديمقراطية يدخلون على خط التزييف وانتهاك قيم النزاهة والإنصاف التي يدعون الدفاع عنه: يفبركون الرغبات والاتجاهات التي يحركونها في معركتهم في مواجهة السلطة، في حين كان يفترض بالخطاب المعارض ألا يكون مشاركاً في الفبركة وسلب الناس وعيهم، لأن معركته الحقيقية ـ باعتباره خطابا بديلا كما يدعي - هي ضد تزييف الوعي، صناعة “الأوهام والأحلام” من خلال تصوير “السلطة” على أنها العدو والوحش والمستعمر والفساد المطلق، والشر المستطير، وبناء عالم بديل من الأوهام والاغتراب، واستخدام الصورة والكلمة كنظام جديد للاستعباد. - النزعة العدمية في اللغة وجرد الحساب، بما يفضي إلى تقرير “صفر انجاز، وصفرديمقراطية، وصفر حرية، وصفر تنفيذ توصيات، وصفر إصلاح...” بما يفقد هذا الخطاب مطابقته للواقع، ولا شك أن هذا الملمح العدمي لا يساعد على التقدم نحو معالجة الخلل في الواقع، لأن المطلوب محوه بالكامل وإحلال واقع آخر بديل عنه، أي “اجتثاثا” على طريقة السيد بريمير في العراق الذي أوصل هذا البلد إلى مرتبة “الدولة الفاشلة”. -الغرور السياسي: ويتمثل في هذه النزعة الإرادية المثالية العاجزة عن قراءة معادلات الواقع كما هو والتصرف بمقدار الأوزان الواقعية والمعادلات التي تحكم حركة التاريخ، فيأتي منطق “إننا نريد ونريد ولا راد لإرادتنا” كتعبير مثالي عن إرادة جزء من “نخبة” قررت هكذا أنها تريد، بغض النظر عما يريده الشركاء في الوطن وما يحتمله الواقع، هذه النزعة هي التي قادت إلى العبث الذي اتسمت به احداث فبراير 2011 وما تلاه. - “الاتباعية” للمرجعيات المقدسة، بما يجعل القرار السياسي الديمقراطي “الانتخاب أو الاستفتاء أو التشريع عامة” مقيدا بمباركة وموافقة أو عدم موافقة المرجع المقدس!! بما يطرح سؤالا مشروعا: أيهما أهم في المنظومة والهيكلية السياسية “الديمقراطية” في ظل هذا الفكر: المنتخب ديمقراطيا؟ أو المقدس الذي بيده الحل والربط وتشخيص المصلحة؟؟ والجواب يفضي حتما إلى نفي الديمقراطية أو إفراغها من محتواها في النهاية. - خلط الداخل بالخارج: إذا كان للخارج دور في الداخل باعتبار ما أفضت إليه التحولات في العلاقات الدولية وانتشار القيم الإنسانية، وإذا كان من الطبيعي أن يكون النضال من أجل الحرية له بعده العالمي، فإنه من غير الطبيعي ولا المقبول اختزال الذات إلى عنصر هامشي، واستبعاد المكونات المحلية القابلة للتطور والنمو، وخلخلة البناء الاجتماعي بصورة فوضوية، بما يفضي إلى انهيارات متعاقبة في البنى الأصلية، حتى أن ما كانت تراه المعارضات في السابق تبعية “رسمية” للغرب على الصعيدين العسكري والاقتصادي، وتغريبا على صعيد الفكر والثقافة، أصبحت ترحب به اليوم فيما يشبه الحلف الجديد، ضمن العلاقة الملتبسة التي يشوبها الإغواء المجرد من شروطه التاريخية، دون ان يتساءل الخطاب المعارض مثلا: لماذا يحتضن الغرب الليبرالي العقلاني عناصر من القوى الدينية الطائفية المحافظة، ويوسع لها المجال ويمنحها الامتيازات في تناقض جذري مع قيمه وما يبشر به؟؟ أليس لأنه يستخدمها للابتزاز والاستثمار فقط؟؟؟ ألا يفترض أن تتوخى المعارضة، مهما كانت خلافاتها مع السلطة المصالح الوطنية دائماً في سلوكها، وأن ترتبط بمصالح البلاد العليا ومصالح الجماهير وأن تعبر عنها، بما يتطلب في جميع الأحوال دعم كيان الدولة من الناحية السياسية والاقتصادية والقانونية!! - إعادة إنتاج الاستبداد: نرى أنالأحزاب المعارضة والتي تشكل المطالبة بالديمقراطية والتجديد والإصلاح الأساس الرئيس لمعارضتها للسلطات القائمة، تقوم على احتكار السلطة الحزبية واعتماد مبدأ الشخصانية داخل مؤسستها الحزبية ومصادرة الرأي الآخر ومنع النقد الذاتي والمراجعة، وتقديس القيادات وتنزيهها وتأبيد وجودها، حتى أنه أصبح بالإمكان اليوم ممارسة نقد السلطة دون عناء ودون أن تتعرض للمساءلة أو المضايقة ولكنك تتعرض لأعنف الهجمات وأسوا حملات التشويه لمجرد أنك تنتقد خطاب المعارضة أو ممارساتها، فهي المقدس الجديد تقريبا. وإذا كان الخطاب المعارض تمثله أحزاب وجماعات حزبية ذات عنوان واضح وهو”إسقاط النظام”، فإن الخطاب الامتثالي لا تمثله بالضرورة أحزاب محددة وإنما هو خطاب سياسي - إعلامي، ويشترك فيه عدد كبير من الأفراد والجماعات أو الجمعيات - وهو أقرب إلى الموقف الذي يجهد في الدفاع معارض للمعارضة دون أن يكون حزبا للسلطة، ومن ملامحه: - النزعة المطلبية، بعكس خطاب المعارضة الذي يتميز بالاحتجاج المطلق المفرغ من الوعي بحدود المهام التي يمكن انجازها في كل مرحلة-بالموازنة بين الولاء لشرعية الحكم والاستعداد للتضحية بكل شيء من اجل الحفاظ على كيان الدولة واستقرارها، وبين النزعة النقدية لممارسات وأخطاء السلطة التنفيذية، وبين النزعة المطلبية في بالنظر إلى الدولة على أنها دولة “رعاية” بعكس الخطاب المعارض الذي ينزع إلى بناء شرعية أخرى، أو الدعوة إلى تقاسم السلطة والثروة!! ولذلك نستطيع القول إن هذا الخطاب، وبالرغم من أنه لا ينازع السلطة سياسيا-فإنه يضغط عليها اجتماعيا واقتصاديا أكثر مما يضغط الخطاب المعارض، بما يجعله خطابا مطلبيا. -التحرك من موقع رد الفعل على الخطاب المعارض نتيجة الشعور بخطورته ونزوعه لضرب الشرعية، بما قد يمس في النهاية بأهم أسس الدولة: الاستقرار-التعايش-الرعاية. - النزوع إلى التبرير، ورفع الشعارات التي تطغى فيها اللغة على المضمون، الذي يفترض أن يذهب إلى منطق الحجة، الذي يَفهم بعمق ما تُنجزه الدّولة على الأرض - بشهادة التقارير والأرقام الدولية والمنجزات المشاهدة بالعيان على الأرض ضمن حركة البناء للحداثة والدّيمقراطية رغم الصعوبات وتراكم التحديات - ولذلك فهو خطاب يضطر باستمرار للدفاع عن الدولة لشعوره بارتباط مصيره بمصيرها واستقراره باستقرارها، وازدهاره بازدهارها، وثباته بثباتها، ولذلك كثيرا ما يلجأ إلى انتقاد السلطة عند تسامحها مع انحراف المعارضة أو تجاوزها للقانون، إلا أنه في دفاعه عن الدولة ينزع إلى اتباع طريق رد الفعل فقط، ولعل هذا عائد إلى أن خطاب الامتثال متنوع في خلفيته الفكرية والقيمية وغير محكوم بمرجعية، مقدسة” مثلما هو خطاب المعارضة، ففيه من التنوع والحرية مساحة كبيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها