النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

الدولة المدنية ليست ترفاً... ومعاناتنا مع من يتخذ

رابط مختصر
العدد 9224 السبت 12 يوليو 2014 الموافق 14 رمضان 1435

في بداية الشهر الفضيل تحدثنا عن التسامح واغتنام أيامه ولياليه المباركة في التقرب الى الله عز وجل بالصيام والقيام والعبادة، ولكننا فوجئنا بالحادث الإرهابي الأخير الذي أودى بحياة شهيد الواجب الوطني الشرطي محمود فريد، ليضعنا أمام معضلة خطيرة ليس علينا سوي البحث لها عن حلول فورية لتفاديها مستقبلا وتجنيب أفراد شعبنا وجنودنا مغبة الموت غدرا على أيدي أناس لم يحترموا دينهم ولا إسلامهم ولا الشهر الفضيل الذي نعيش أيامه حاليا، ولم يمنعهم من ارتكاب جريمة بشعة يندى لها الجبين. كنا نظن أن الإرهابيين سيتوقفون على الأقل أيام شهر رمضان المعظم عن أعمالهم البشعة الإجرامية البعيدة عن روح هذا الشهر الحرام وتعاليم وقيم الإسلام السمحة، بل وبعيدة تماما عن روح الإنسانية جمعاء وحرمة وقداسة إزهاق دماء أي نفس بشرية. فالحادث يؤكد لنا خطورة المنابر الدعوية التي لا تستخدم في صحيح أغراضها، وإنما يستغلها البعض في التحريض على القتل والعنف والنيل من هيبة المملكة. لقد ألهب هؤلاء ظهورنا بتسخير آيات القرآن الكريم لتبرير القتل والنيل من مكتسباتنا ومشروعنا الاصلاحي طمعا في أهداف وأطماع شخصية وسياسية بالمخالفة لتعاليم الإسلام السمحة. ولا نعرف كيف يصعد رجل دين الى منبر المسجد الذي يخصص للوعظ والإرشاد وتعليم صحيح الدين، ثم ينقلب علينا وعلى وطنه ليبث سموما، يتلقاها أنصاره ومريدوه وسرعان ما ينفذون وصاياه بالقتل، فالخطبة التي يفترض إنها دينية هي بمثابة تصريح بالقتل وليست وعظا للمصلين. وللأسف ذهب الشرطي محمود فريد ضحية لعمل إرهابي جبان تنفيذا لهذه الخطب الخسيسة. وعلينا الجميع أن نتكاتف – قيادة وحكومة وشعبا – من أجل وضع حد نهائي لأعمال التحريض التي تمارسها بعض قيادات الجمعيات التي تتخذ من الدين ستارا لتسميم المملكة، مستغلة أيضا أجواء التسامح ومساحات الحرية المتاحة لها في منابرها السياسية والدينية لتصنع الموت والتحريض وتتسبب بشكل مباشر في مواصلة مسلسل الإجرام والقتل الذي يستمرئه المجرمون الطائفيون مالم يتم تطبيق حد القصاص. وأمامنا النموذج المغربي الذي سنه الملك محمد السادس ومنع من خلاله الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من مماسة أي نشاط ديني أو سياسي ومن اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي بالاضافة الى المنع عن القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية. ونحن هنا في المملكة في أشد الحاجة الى مثل هذا القرار الحكيم، وهو سيخدم السياسة والدين معا، لانه يحفظ للدين مكانته بالابتعاد عن السياسة وألاعيبها التي تصل الي النفاق السياسي، ورجل الدين عندما يمتهن السياسية يختصم بالتأكيد من مكانته الرفيعة في المجتمع، لان المجتمع يحترمه لمكانته ودوره ومسؤوليته المتمثلة في الكلمة الصادقة التي يهدي بها الناس، أما إذا تحدث عكس ذلك، فمكانته ستهتز في القلوب. كما أن قرار منع رجال الدين من العمل في السياسة، بات أمرا ضروريا لانه سيحد من استغلال الدين في السياسة وتحويل الدين أو المذهب الى أداة لتحقيق طموحات سياسية، وبذلك فإن فصل الدين عن السياسة، يحمي السياسة أيضا. وإذا كان الوقت يداهمنا، فلدينا التشريعات التي تطالب بمنع رجال الدين من إقحام المنبر الديني في العمل السياسي. فهذا المنع من شأنه مصلحة الدولة وفي مصلحة الدين أيضا، خاصة وأن الإسلام طاله التشويه من ممارسات المنادين بـ»الإسلام السياسي»، كما سيكون في صالح السياسة التي أفسدها الإسلاميون بإقحام الفتاوى في الخلافات السياسية والاستقواء بالدين والمنبر الديني وإقحامه في العمل السياسي والانتخابي. وإذا وجهنا نظرنا شطر ما يحدث في سوريا والعراق، لتأكدنا من الجرائم التي يرتكبها المتمسحون بالدين. أما إذا نظرنا جنوبا، شاهدنا بأم أعيننا فظائع الحوثيين الذين يستغلون أيضا لمصالح دنيوية. ولهذا، ليس أمامنا بديلا عن الدولة المدنية، فهي تحتضن كل الأطياف والأجناس والأديان والتوجهات، ولا تسمح لطرف أن يستقوي بالدين على آخر، ولذلك من الضروري جدا ألا تسمح أجهزة الدولة للجمعيات الدينية بالعمل السياسي، فعندها يجب أن تتخلى عن استخدام الدين والفتاوى الدينية كغطاء لها في السياسة، ويجب أن تتمسك بمشروع وطني واضح وأجندات سياسية وتنموية وتطويرية للواقع بعيدا عن الاستقواء بالمنبر الديني. وربما نستعين هنا بوثيقة الأزهر الشريف، تلك التي أصدرها شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، فهي وثيقة مهمة تاريخيا وفقهيا، فالأزهر مع قيمته ومكانته الدينية والروحية في مصر والعالم الإسلامي لم يتخل عن دوره الوطني في مواجهة إرهاب بعض جماعات الإسلام السياسي التى إرادت ابتلاع مصر في فترة ما. وسارع في طرح وثيقة تحدد طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ورغم سمعة الأزهر في العالم الإسلامي، لم تتوان المؤسسة الدينية العريقة في مصر في طرح وثيقة تنادي بالدولة المدنية، الوطنية، الدستورية، الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة. وعرفت الوثيقة طبيعة النظام الديمقراطي بانه يعتمد على الانتخاب الحر، ويطبق صيغة عصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون. إذن نحن أمام وثيقة سياسية، ولكن الجهة التي طرحتها هى أرفع مؤسسة دينية في العالم الإسلامي، ولم تتوان عن مواجهة عنف النظام الإسلامي الحاكم حينها، بل وقفت مع القوي الوطنية في مصر وتقدمت بوثيقتها الشهيرة لتضع حدا لتصرفات الجماعات الإسلامية الفظة. وبالإضافة الى ما قدمه الأزهر الشريف للوطن، لم يتخل إسلاميو المغرب عن وطنهم وتكاتفوا مع قرار الملك محمد السادس في منع استغلال المنابر الدينية في غير الدين، وكذلك المملكة العربية السعودية التى تشددت كثيرا في مثل هذه الأمور لكي تحافظ على استقرار الأوضاع من أجل مصلحة الأشقاء السعوديين. أما في بلادنا، تخلي بعض رجال الدين عن مهمتهم الحقيقية وهي توجيه النصح والإرشاد وحث الناس على الالتزام بتعاليم الدين الحنيف وأحكامه الفقهية والشرعية والعقائدية، ليقتحموا عالم السياسة بكل ما به من آثام وضغائن، مستغلين وضعهم ومكانتهم الدينية لإسباغ الصبغة الدينية المقدّسة على آرائهم السياسية، وهذا ما يولد الإرهاب والعنف. ولكننا نؤكد من منبرنا الإعلامي هذا، أن مثل تلك الحوادث الإرهابية لن تنال من وحدتنا الوطنية ونسيجنا الاجتماعي المتماسك وثوابتنا الراسخة في أعماق وجذور الشعب البحريني، وستفشل تلك الأيادي الغادرة التي تريد أن تعبث بأمن الوطن، في تحقيق أغراضها الشريرة وتحقيق مخططاتها في زعزعة الأمن والاستقرار. وما علينا فعله في الوقت الراهن، أن نقف صفا واحدا ضد الإرهاب ومحاولات بث الفتنة الطائفية والعنف في صفوف المجتمع البحريني الواحد. والحل يقتضي بالضرورة اللجوء الى الحوار والمشاركة في العملية السياسية حسب ما تقتضيه قواعد الديمقراطية والمسؤولية الوطنية، وما كفله الدستور والقوانين تحت مظلة المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدي. فلدينا مؤسساتنا التشريعية من برلمان وشوري، وسلطة وحكومة وقيادة ودولة مدنية قائمة . قبل الأخير حسنا فعلت حكومة مملكة البحرين بقرارها الشجاع بطرد الدبلوماسي توم مالينوسكي مساعد وزير الخارجية الأمريكية والغاء زيارته للمنامة، ولا يهمنا ما تردده واشنطن بأنها قلقة أو منزعجة، فهذا أمر يخصها مثلما ان طرد الدبلوماسي الأمريكي هو شأن داخلي بحريني..وللأسف، لم تراع الولايات المتحدة الأعراف الدبلوماسية، بل يتمادي دبلوماسيوها خرق القواعد الدبلوماسية في الدول التي يزورونها، ويحاولون تحت ستار وظائفهم وحصانتهم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولهذا نشيد مجددا بالقرار البحريني الحكيم، ولعله يكون بداية للتعامل الجاد والند بالند مع كل من يرى أنه فوق الدول كائنا من كان. اللهم احفظ بلادنا البحرين من كل مكروه وسوء وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها