النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

المصريون يتحدون العجز!

رابط مختصر
العدد 9222 الخميس 10 يوليو 2014 الموافق 12 رمضان 1435

بعد مناقشة استمرت ست ساعات مع وزير المالية ورئيس الوزراء رفض الرئيس «عبدالفتاح السيسي» التصديق على مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2014/2015، لأنها ترفع العجز إلى أكثر من تريليوني جنيه مصري، وكان منطق الحكومة، أنها اضطرت لتمويل الميزانية بالعجز، حتى تتجنب حدوث مشكلة مع الرأي العام الذي لن يتحمل إضافة أعباء جديدة، بينما رأى الرئيس أن تمويل الميزانية وبها هذا العجز الكبير، يعني أننا لا نواجه المشكلة، بل نزيدها تعقيداً، ويضيف إلى هذا العجز أقساط الديون وفوائدها وأن على الحكومة أن تواجه الشعب بالحقيقة، وأن تدعوه لتحمل جانب من أعباء الأزمة الاقتصادية، حتى تمر البلاد، من عنق الزجاجة، وضرب الرئيس المثل بنفسه، فقرر أن يتنازل عن نصف مخصصاته، وعن نصف ثروته التي ورثها عن أبيه، في إطار دعوة للفئات الأكثر قدرة على التخلي عن بعض ما يفيض عن حاجتها لمواجهة هذا العجز وأسرع البنك المركزي المصري، بفتح حساب برقم 3737 في إشارة إلى يوم 3 يوليو من العام الماضي، الذي استرد فيها الشعب المصري السلطة ممن خطفوها - لتلقي مساهمات الراغبين في هزيمة العجز! وربما كانت هذه أول مرة، يتنازل فيها رئيس مصري عن نصف مخصصاته ونصف ميراثه، لمشروع عام، ولكنها ليست المرة الأولى - ولن تكون الأخيرة - التي يدعو فيها المصريون القادرون - وحتى غير القادرين - إلى المساهمة في مثل هذا النوع من المشروعات، وفي كل مرة، كانوا يستجيبون بحماس وهو ما أثق بأنهم سيفعلونه هذه المرة. وكانت الجامعة المصرية، هي أول المشروعات الكبرى التي تبرع المصريون لإنشائها في بداية القرن العشرين، وكان أول من طالب بذلك هو «جورجي زيدان» - مؤسس مجلة «الهلال»- الذي طالب عام 1900 بإنشاء «مدرسة كلية» لتثقيف الشباب المصريين بدلاً من إرسالهم إلى أوروبا، وبتشكيل لجنة لجمع الأموال لها طريق الاكتتاب العام وانتقلت الفكرة إلى الزعيم «مصطفي كامل» الذي تحمس لها ويتبنى الدعوة إليها وبحكم مكانته وجماهيريته الواسعة بين الشعب، اكتسبت الفكرة الكثير من المؤيدين، لكن الظروف حالت دون تنفيذها بسبب الخلاف الذي نشب بين الخديو «عباس حلمي الثاني» وبين «مصطفي كامل»، وبسبب معارضة «اللورد كرومر» - المعتمد البريطاني في مصر - لها وإعلانه بأن بلداً فقيراً ومديناً وتنتشر الأمية فيه لا يحتاج في الظروف التي كانت قائمة آنذاك، إلى «جامعة»، بل يحتاج إلى التوسع في تأسيس الكتاتيب التي يتعلم فيها الأطفال مبادئ القراءة والكتابة، وهي فكرة اقتنع بها كثيرون من المصريين خاصة أعيان الريف الذين أخذوا يتنافسون في التبرع لإنشاء الكتاتيب في قراهم، وثارت المناظرة على صفحات الصحف حول أيهما أفضل لمصر، الجامعات أم الكتاتيب؟.. مع أنه لم يكن هناك تناقض بين الأمرين. وجاءت الخطوة العملية الأولى، عندما أرسل «مصطفي كامل الغمراوي»- أحد أعيان محافظة «بني سويف» بشمال الصعيد - في عام 1906 خطاباً للصحف، يجدد فيه الدعوة لإنشاء الجامعة، ويفتتح الاكتتاب العام لإنشائها بتبرع قدره خمسمائة جنيه، وبعد عامين من هذا التاريخ افتتحت «الجامعة المصرية»، وبدأ الطلبة الدراسة بها، وظلت تبرعات المصريين تتصاعد لتمول تعليم هؤلاء الطلاب، وإرسال مبعوثين منهم إلى الجامعات الأوروبية، وتبرعت الأميرة «فاطمة إسماعيل»- وعمة الخديو إسماعيل ودعمه الخديو «عباس حلمي الثاني» بمجوهراتها وبمساحة من الأرض هي التي أقيمت عليها المباني التي لا تزال تشغلها جامعة القاهرة حتى اليوم، وبعد أن كانت الجامعة لا تضم سوى كلية واحدة هي كلية الآداب، أصبحت - بعد أن وضعتها الحكومة تحت رعايتها عام 1925 - تضم كليات عديدة، وبعد أن كانت تقتصر على الطلبة، انضمت إليها الطالبات كذلك، وبعد أن كانت جامعة واحدة، أصبحت مصر اليوم تضم 23 جامعة حكومية، غير عشرات الجامعات الخاصة، وبعد أن كان الذين يدرسون في التعليم الجامعي لا يتجاوزون المئات، أصبحوا يتجاوزون مئات الألوف. وكان «بنك مصر» هو المؤسسة الثانية التي نهض المصريون لتأسيسها بمبادرات أهلية وليست حكومية، وحتى بداية العقد الثالث من القرن العشرين، كانت البنوك التي تعمل في مصر، أما فروع لبنوك أوروبية، أو بنوك خاصة يملكها الأجانب المحليون الذين يقيمون بها، ولم تكن هذه البنوك تسهم في أي نهضة اقتصادية في مصر، إذ اقتصر دورها في الغالب علي إقراض كبار ملاك الأراضي الزراعية بضمان الأرض أو المحصول، وكان هذا ما شغل «محمد طلعت حرب» الذي أصدر في عام 1917 كتاباً بعنوان «علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك وطني للمصريين».. دعا فيه إلى تأسيس بنك يملكه المصريون، ويضعون فيه مدخراتهم، لكي يستثمرها البنك أو يقرضها لمستثمرين من المصريين، يقومون بإنشاء مشروعات صناعية وزراعية وتجارية تسهم في نهضة البلاد اقتصادياً وتضمن استقلالها. وبعد شهور من بدء ثورة 1919 التي رفع المصريون خلالها شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، بدأ «طلعت حرب» في تنفيذ فكرته، دون معونة من أحد لا حكومة ولا حزب ولا حتى مجموعة من رجال المال، فأخذ يطوف بالمدن والأقاليم ليقنع المصريين بشراء أسهم بنك مصر، لكن المصريين - بخاصة أعيان الريف - كانوا آنذاك يفضلون اكتناز أموالهم في شراء الأراضي، ويشكون في قدرة المصريين على إدارة البنوك، بل ويشك معظمهم - من الأصل - في مشروعية التعامل معها من الناحية الدينية، فكانوا يستقبلونه بترحاب، ويقدمون له واجب الضيافة ثم يعتذرون عن المشاركة في المشروع. وتقول «فاطمة اليوسف» - في مذكراتها - انه ذهب مرة إلى أحد أثرياء الصعيد وأنفق معه ساعتين كاملتين يشرح له وظيفة البنك وأغراضه وأرباح المساهمين فيه. وفي نهاية الجلسة قال له الثري الكبير: يا بني.. الله يحنن عليك.. أنا لا أفهم في هذه الأشياء.. لكن خذ 20 جنيها تساعدك.. ولم يغضب «طلعت حرب» ولم يفقد أعصابه بل أخذ العشرين جنيها وأرسل بها أسهماً إلى الثري الكبير. وواصل طلعت حرب رحلاته لكي يبحث عن مساهمين مصريين يسهمون معه في إنشاء البنك وسط حرب شعواء شنها عليه الجميع: الملك فؤاد الذي كان يحنق عليه لأنه ليس من رجاله، والأحزاب السياسية التي رفض الانضمام إليها والصحف الصفراء التي كانت تواصل الهجوم عليه وعلي البنك لكي يدفع لها مصاريف سرية وهو ما كان -كما تقول فاطمة اليوسف- يفعله لكن من جيبه الخاص إذ لم يكن يستطيع أن يدفع لهذه الصحف من أموال المساهمين ولم يكن يستطيع أن يتجاهل هجومها عليه لأن ذلك يضر بمصلحة هؤلاء المساهمين ويهدم فكرة البنك من الأساس. وأصر «طلعت حرب» على أن المصريين - الذين قصر العمل في البنك عليهم- يصلحون للأعمال المصرفية وكان يتابع عمل الذين التحقوا منهم بالعمل في البنك، بنفسه ويرقبهم لكي يتدرجوا في تولي المناصب القيادية. وبعد سنوات قليلة من إنشائه كان الله قد حن على «طلعت حرب» فازدهر بنك مصر وأقبل المصريون على إيداع مدخراتهم به، وشرع البنك يستثمرها في إنشاء صناعات جديدة لم يكن لها بها عهد فأنشأ شركات للغزل والنسيج وحليج الأقطان ومتاجر لبيع المصنوعات المصرية وشركات للبواخر ومصائد الأسماك ودخل في مجالات مبتكرة فأنشأ شركة مصر للتمثيل والسينما التي بنت استديو مصر وأنتجت عدداً من الأفلام السينمائية المهمة وأسس شركة مصر للطيران التي أصبحت تملك خطوطاً جوية تغطي معظم أنحاء العالم وأصبح للبنك فروع في كل عواصم الأقاليم وفي عدد من المدن المصرية الصغيرة، فضلاً عن فروع في الدول العربية والأجنبية. وفي عام 1940 وبعد عشرين عاماً من تأسيسه تعرض البنك بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية - إلى هزة اقتصادية - فطلب من الحكومة التي كانت قائمة آنذاك أن تدعمه حتى يعبر هذه الأزمة، ولكن الحكومة بسبب خصومة شخصية بين رئيسها وبينه اشترطت أن يترك إدارة البنك، إذا أراد أن تدعمه وقبل «طلعت حرب» الشرط واستقال من إدارة البنك الذي أسسه وبعد شهور من ذلك غادر الدنيا. تلك نماذج تؤكد أن «الرئيس السيسي» لم يخطئ حين راهن على أن المصريين قادرون على تحمل ظروفهم الصعبة وقادرون على تحديها وقادرون على الخروج من عنق الزجاجة! ولتكن يد الله على قلب الذين يسعون لأهدافهم صفاً واحداً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها