النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11723 الخميس 13 مايو 2021 الموافق غرة شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:25AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

يعقوب كرّو مرّة ثانية

رابط مختصر
العدد 9222 الخميس 10 يوليو 2014 الموافق 12 رمضان 1435

وأرى أن الذاكرة هي محفظة الأشياء التاريخية التي وعاها الانسان وانصرف عنها.. إنها الاشياء المهجورة في محفظة وعي الانسان.. والذاكرة لا مسافة لها كأنها خارج مدى المسافات والأوقات والازمنة.. إلا انها تلقائية عفو خواطر المناسبات والمسافات والأوقات والازمنة.. وإن حضورها منسوب إلى اشياء مضت وانقضت في حلوّها ومرّها كأنها من صفات الانسان المنسوجة في وعي حافظته.. ولكن من ينبش الذاكرة من يحرّك ذات ذاكرتها المحفوظة في وعي الانسان؟!. إن عفو الخاطر الموصول بخيوط محفظة الذاكرة يشكل مؤشر حركة الذاكرة واستوائها وعياً مؤجلاً وحاضراً في وعي الانسان!!. إني في وعي ذاكرتك فأعي جماليتها في وعي جمالية ذاكرتي.. وكنّا في جمالية وعي دربنا نمسك ولا نمسك بحقيقة البروليتاريا التي تكبّدنا وكبدّناها خسران فشلنا.. ومازلنا نتفادى الاخطاء في ذاكرتنا وخارج ذاكرتنا ونحن قابضون على جمر وعينا في نيران حرائق الحرب الأهلية المتصاعدة على الأراضي السورية.. وفي عام 1957 كنتُ أساكنه الوعي الثوري ونحن في بيت (أم طوني) هو طالب في جامعة دمشق - قسم الحقوق وأنا مُطارد فكر وتنظيم على أرض وطني النائية عني، وأنا في دمشق الحالمة بالوحدة العربية: في البيطار والحوراني وعفلق.. وكانت ذاكرة البروليتاريا تشدّنا في ذاكرتها حتى تكاد تختلط ذاكرة ثورة اكتوبر الروسية المجيدة في ذاكرتيْنا.. كأن التاريخ أصبح طيّ قبضتيْنا هنا في دمشق وهناك في الرياض (!!). يعقوب كرّو الطالب في جامعة دمشق يدلف الدار عندي أحياناً وهو مضمّد بلفائف الشاش الطبية إثر صدامات طلابية بين اليسار السوري والإخوان المسلمين، إنها ذاكرة التاريخ بعينها اقول بيني وبين نفسي في حياة الامم والشعوب بين الظلام والنور.. وعلى رنين الهاتف مساء يوم امس وبعد مُضي اكثر من نصف قرن يأتيني صوته مطمئنًا بعد ان سمع اني في علاج من مرض خبيث.. هو ذات الصوت في بُحّته الرجولية ودفء نبضه الإنساني.. وكأن جرح سوريا النازف اتوجّده في جرح صوته فأجسّه مجروح النفس والنَفَس... إلا أني اعرف انه قوي الشكيمة واثق العزيمة كما عهدته فهو مسكون بمجد سوريا الذي لم يغب لحظة واحدة في حقيقة اليسار السوري الذي يجسّد وعي انتصار الشعب السوري.. في الحرب الأهلية الطائفية وانهزامية الحاكمية الطائفية فيها.. عندما كانت الوحدة بين مصر وسوريا تنامت الافكار شمالاً ويميناً، وقد حذّر اليسار السوري يومها بوحدة عربية مشحونة المشاعر والعواطف القومية وكان فشلها المحتوم وفق ما حذر عنه اليسار السوري.. يومها دخل يعقوب كرّو السجن مع ثلّة من خيرة الوطنيين اليساريين.. وحملتُ رحالي خارج سوريا إلى بيروت فقد كانت الجريمة شديدة البشاعة في حرق جسد الانسان الوطني الكبير فرج الله الحلو بنار الأسيد وإذابته.. وكانت جريمة شنعاء نكرة ارتبطت بوحدة البعث والناصرية على الأرض السورية.. إني في رحلة ذاكرة تأخذني إلى اعتاب اكثر من نصف قرن يوم ان سمعت صوت يعقوب كرّو اهتزت خيوط ذاكرتي وأنا اسمع صوته من بعيد بعد غياب طويل فتذكرت هذا البيت الشعري لقيس ابن الملوّح: وإني لتعروني لذكراك هزّةٌ كما انتفض العصفور بلّلَه القطرُ وكنت اريد ان اسأله: أيطول ليل دمشق التي احببناها بزنايق ورودها وهزيز ذهاب وإياب صباياها.. يومها كانت الحياة زاهية باليسارية.. يومها كانت أحلامنا تفيض وعياً انسانياً في وعيها.. هي الذاكرة أستعيدها مرّة ثانية على رنين هاتف يعقوب كرّو في صوته الذي يتقطّع سورياً محزوناً قطعةً قطعةً في دماء اطفال ونساء سوريا.. أسأله عبر الهاتف كم عمرك؟ يأتيني صوته واثقاً محباً للحياة ولذائذ فواكها.. في السبعين... وأنت: اقول في الثمانين... فأقول بيني وبين نفسي 70+80 = 150 عاماً اشهد إنّا عشنا طول الحياة وعرضها.. وسوف نعيش ما تبقى منها على ذات الطريق.. سلاماً هي حتى مطلع الفجر!!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها