النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

«لوعة» تأهل الجزائر في البرازيل!!

رابط مختصر
العدد 9218 الأحد 6 يوليو 2014 الموافق 8 رمضان 1435

لست من المهوسين بمتابعة بطولات كرة القدم. ومعرفتي بنتائج مبارياتها لا تتجاوز الاحتفاظ في الذاكرة بأسماء مجموعة من مشاهير ملاعبها من أمثال لاعب البرازيل المعروف عالمياً «بيليه»، والأرجنتيني «مارادونا»، ومعهما في القائمة لاعب فريق برشلونة المعروف بقصر قامته وتسجيلاته الخاطفة لويس ميسي، ومهاجم رويال مدريد المشهور بمباغتته لدفاع الخصم وقدرته على اختيار الزاوية الأفضل للتصويب، كرستيانو رونالدو. رغم ذلك يصعب في هذه الأيام تحاشي متابعة أحداث مباريات كأس العالم، خاصة عندما يكون من بين الفرق المتأهلة للجولة الثانية فريق عربي هو الجزائر، بعد تعادله مع الفريق الروسي بهدفين لكل منهما. لا يلام المشاهدون العرب على موجة الفرح التي اجتاحتهم وهم يتابعون انتصارات الفريق الجزائري. فبهذا نحن نهرب، بوعي أو بدون وعي من إخفاقاتنا الأخرى التي تقتلنا يومياً في العراق في هذه الآونة، وفي سوريا قبل ذلك. فموجة السلوكيات «اللاإنسانية»، دع عنك أي شيء آخر، التي باتت تسيطر على مشاهد المسرح السياسي العربي وصلت إلى الحد الذي لم تعد مقبولة بأي مقياس من مقاييس علم الاجتماع الذي يوصف العلاقات بين المواطنين، بعد أن تحولت الخلافات السياسية إلى صدامات مسلحة، وتطورت الأخيرة كي تصل إلى الانتقامات الطائفية التي فاقت في قسوتها قوانين حب البقاء بين الكائنات وليس البشر. الإحباطات السياسية المتتالية على امتداد الخمسين سنة الماضية هي التي تجعل المواطن العربي يلهث باحثاً عن أي نصر يجد فيه بارقة أمل تبدد سواد واقعه الذي يعاني من مراراته. والحق يقال إن الجزائر من بين الفرق العربية الأخرى تحتفظ بسجل مميز في تاريخ بطولات كأس العالم لكرة القدم تعود إلى العام 1982، عندما هزمت ألمانيا الغربية التي ضم فريقها حينها نجوماً من أمثال كارل هاينتس رومينيجه وبول برايتنر 2-1. وكانت، كما توقع الجميع، قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الدور الثاني، لولا تواطؤ النمسا مع ألمانيا، عندما اتفقتا على أن «يفوز الفريق الألماني الغربي بهدف واحد في مباراته مع النمسا كي يقصى المنتخب الجزائري». وكان على الفريق الجزائري أن ينتظر أربعاً وعشرين عاما على آخر مشاركة له في بطولة كرة القدم في العام 1986. فقد تأهل كي يلعب في نسخة 2010 للمونديال بجنوب إفريقيا. لكنه فشل حينها للتأهل للجولة الثانية إثر مباراته مع المنتخب الإنجليزي التي انتهت بالتعادل السلبي، قبل أن يخسر أمام الولايات المتحدة ويودع الملاعب مبكراً دون أن ينجح في إحراز أي هدف. كل ذلك لم يمنع علامة استفهام كبيرة تلح على ذهن المشاهد العربي وهو يتابع، حتى ولو بشكل متقطع، مباراة الجزائر ضد روسيا، وتأهل الجزائر للعب في الجولة الثانية بعد فوزه بفرق النقاط على نظيره الروسي، الذي تعادل معه بهدفين لكل منهما في المباراة الأخيرة. كان لعب الفريق الجزائري مميزاً، خاصة في قدرته الفائقة على الاستفادة السريعة الماهرة مما يعرف في فن كرة القدم بالكرات المرتدة، كي يحولها إلى هجمات خاطفة يحرز من خلالها هدفاً مباغتاً للخصم. فالسؤال الأهم من فرحة الانتصار، هو كم عدد لاعبي الفريق الجزائري الدوليين الذين يلعبون في فرق جزائرية محلية، أم أنهم لا يحملون من جزائريتهم أكثر من الأسماء التي يحملونها أو الانحدار السلالي للدولة؟ ربما ينبري من بين القراء من يدافع عن درجة ومستوى انتماء الفريق الجزائري لبلده بالقول إن «هذه هي حال معظم الفرق غير الأوروبية في مباريات كأس العالم»، ويسارع كي يورد أسماء كي يدلل على أن هذه ظاهرة عالمية، فلاعب مثل سواريز من الاوروغواي، ويلعب في فريق ليفربول الإنجليزي، وآخر مثل ليوناردو البرتغالي يلعب في فريق رويال مدريد الإسباني، حتى ميسي صانع ألعاب وانتصارات برشلونة الإسباني هو أرجنتيني الأصل... وهكذا. لكن الأمر مختلف عندما يكون جميع أفراد الفريق وليس لاعباً أو اثنين قد تلقوا تدريباتهم ومارسوا لعبهم في فرق أجنبية، ومن ثم فهم، سواء من حيث البنية الجسدية، أو المهارات الفنية، مستوردون إلى الجزائر من الخارج، ومن ثم فلا يتجاوز الحضور الجزائري في الفريق دائرة حق الاستعادة، أو بالأحرى إعادة «استيراد أفراد الفريق من الخارج». ربما يغضب هذا المدخل بعض القراء، ويتهمون المقال بالاستفاضة في التشاؤم أو جلد الذات غير المبرر. لكن دعونا، مؤقتا، نضع كرة القدم وملاعبها جانباً، وننظر إلى أنفسنا في المرآة بشي من التجرد والشفافية التي تبحث عن صدق الأشياء وجوهرها، عوضاً عن مظاهرها الخارجية وخداعها، كي نكتشف أننا أمة مستهلكة بامتياز وعلى الصعد كافة، بما في ذلك مشتقات النفط الذي تختزنه أراضينا ونصدر للعالم ما يزيد على 25% من النفط الخام الذي يسد احتياجاته الاستهلاكية من الطاقة، ثم نعود كي نستورد، ونستهلك ما تقوم تلك البلدان المستوردة بتصنيعه وتحويله إلى سلع جديدة تشمل الكثير من البضائع التي نتحول نحن إلى مستهلكين لها، بما في ذلك الملابس المستخرجة من مواد خام نفطية، سبق لنا أن قمنا بتصديرها للبلد الذي استوردناها منه. أكثر من ذلك دعونا نجري مقارنة سريعة لمصانع التكرير العاملة في البلاد العربية الرئيسة لتصدير النفط، مع تلك الدول الأوروبية، وهولندا نموذجاً صارخاً لها، المستوردة له. الفرحة بتأهل الجزائر تكسرها لوعة ألم الشعور بأن الجزائر هي في حقيقة الأمر مستوردة، تماما كما هو الحال في البضائع المصنعة من المشتقات النفطية، للفريق بدلاً من أن تكون صانعة له، وحاضنة مبكرة لأفراده. فمتى نبدأ في صنع فريقنا العربي بدلاً من الاكتفاء بتصدير أفراده ثم استيرادهم؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها