النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فاقد الشيء لا يعطيه: 1/2

رابط مختصر
العدد 9217 السبت 5 يوليو 2014 الموافق 7 رمضان 1435

فاقد الشيء لا يعطيه: 1/2 هل يمكن للجمعيات الدينية الطائفية أن تكون ديمقراطية؟! دعونا نتكلم بصراحة، وبدون مواربة: هل يمكن ان تكون هنالك ديمقراطية وحريات عامة وخاصة ودولة مدنية في ظل هيمنة وسيطرة الجمعيات والأحزاب الدينية - الطائفية؟؟ الجواب هو بالنفي بطبيعة الحال، ومن يعتقد غير ذلك فإنه يعيش في حالة وهم. فبغض النظر عن البعد الفكري الإشكالي لهذا الموضوع الذي لا يمكن أن يستوعب المنظور الديني الطائفي ضمن أي سياق ديمقراطي على الصعيد السياسي، فإن التجارب قد بينت بما لا يدع مجالا للشك، بان التيارات والجمعيات والأحزاب الدينية الطائفية، بمختلف مشاربها، لا يمكن أن تكون ديمقراطية ولا يمكن بالتالي أن تكون مع الديمقراطية بأي مفهوم لها، إلا من حيث العبور من خلالها «والاستناد إلى منطق الكثرة العددية» إلى السلطة، ومن ثمة الانقلاب عليها، مثلما حدث في إيران في 1979/1980. فالديمقراطية كمفهوم وكممارسة لا يمكن أن تكون إلا في سياق مدني فقط، لأن المدنية في هذا الإطار تعني أن الدولة والمجتمع يجسدان علاقات إنسانية، أي بين البشر، وليس علاقات دينية، أي بين البشر وربهم، فالدولة والمجتمع في ظل المدنية هما حاصل علاقات إنسانية واقعية، وليسا انعكاسا لإرادة إلهية يعبر عنها رجال الدين باعتبارهم الوسيط الذي يجسد هذه الإرادة بواسطة المؤسسة الدينية، كما ان البنية الاجتماعية المدنية تتكون من خلال النشاط الإنساني وليست بنية فوقية مفارقة للواقع، أي من خارج النشاط الإنساني، إنها تفصل بين الدين والسياسة بالضرورة، بين الممارسة الدينية والممارسة السياسية، وتلغي تنظيم المجتمع على أساس الطوائف، وهي إذ تلغي الطائفة كوسيط بين الفرد والدولة فإنها توفر أساساً ضروريا للديمقراطية وتوحيد المجتمع في إطار عقلاني لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام الديني - الطائفي. إن المشكلة أننا عندما نتحدث عن الديمقراطية السياسية لا يبدو أننا نتكلم عن أمر واحد، باستثناء موضوع الانتخابات كمفهوم إجرائي شكلي، والذي يكاد يختزل الديمقراطية في السماح بإجراء وتنظيم انتخابات، تفوز بها في الغالب جماعات دينية - طائفية متطرفة، لا علاقة لها بالديمقراطية من بعيد أو من قريب، بل ولا تؤمن بالحريات العامة ولا الفردية، ومع ذلك تتصدى للتشريع لمجتمع يطمح لأن يكون حرا وديمقراطيا، بل وتمنع تمرير أي تشريع ديمقراطي أو يعزز الحريات أو إنسانية الإنسان «يكفي ان نذكر بتعطيل تمرير قانون الأسرة في شقه الجعفري تحت ضغوط المرجعيات كمثال على ذلك». لا أحد تقريبا لايزال يجادل في أهمية الديمقراطية، من الناحية النظرية باعتبارها ضرورة ملحة، باستثناء مجانين طالبان وداعش وعصائب الحق ومشتقات القاعدة وأخواتها، بل لا نغالي إن قلنا إن أي عمل سياسي أو تحرك شعبي أو تكتل حزبي إذا لم يضع في أولوياته ترسيخ قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، فإنه لا يحظى بالقبول في ظل انتشار هذه القيم بين جموع الناس، ولكن الطريف الجديد، هو أن الجماعات الدينية - الطائفية المنظمة، وحتى المغلقة والمتشددة منها، قد غادرت لفظيا محطة رفض الديمقراطية واعتبارها «بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، بل أصبحت لا ترى مانعا في القبول بها نظريا ورفض مضمونها، بمعنى القبول بالياتها للوصول إلى السلطة، ورفض مضمونها الإنساني والثقافي وما يترتب عليها سياسيا وفكريا واجتماعيا من التزامات. ولذلك لم يعد غريبا أن تجد الجماعات الدينية الطائفية اليوم تطلق على نفسها مسميات لا تخلو من عبارتي «الوطنية والديمقراطية»!! وهذا منتهى السخرية والفذلكة السياسية.!!!! والحقيقة أن القليل من بات يعود بالديمقراطية إلى منابعها ومنابتها الأصلية والى مقتضياتها والياتها، وهي أن الديمقراطية لكي تنجح وتنتشر فلا بد لها صراحة من فصل بين الدين والسياسة «وليس بين الدين والدولة» أي الفصل بين الدين والسياسية على مستوى مؤسسات الدولة وعلى مستوى الأنظمة والقوانين باستثناء ما له بالمنظومة الدينية التي تخص إيمان الناس وعقائدهم وقناعاتهم الشخصية. والسؤال الذي يُطرح هنا: هل يمكن بناء الديمقراطية وتعزيز بنيانها القانوني والسياسي دون أن يكون هذا النظام متصفاً بالمدنية الحقيقة وبفصل الدين عن السياسة في ذات الوقت، او يأخذ بالمنظور المدني لإدارة شؤون الدولة؟ وهل يمكن أن نطرح بطريقة جدية السؤال المسكوت عنه من قبل البعض لأسباب مختلفة وهو: هل ان الذين يرفضون ويعادون مدنية الدولة وفصل الدين عن السياسة ويزجون بالدين والطائفية في كل صغيرة وكبيرة في السياسة يمكن ان يكونوا ديمقراطيين؟ وهل الذي ينبذ العلمانية هو ديمقراطي؟ هل يمكن الأخذ بالديمقراطية دون الأخذ بمدنية الدولة؟ ان الممارسة الديمقراطية تعني ببساطة شديدة: المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وحتى تكون هذه المشاركة حقيقية وفاعلة لا بد من توافر شرطين اثنين هما: - المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة بغض النظر عن الفوارق الدينية والعرقية والسياسية والجنسية. - والثاني هو ضمان حرية الفرد الكاملة في التعبير والتنظيم والعمل السياسي فالديمقراطية هي حرية الفرد وحرية المجتمع ومسؤولية الفرد ومسؤولية المجتمع معا، وهي أيضا حق الآخر في الوجود وحريته في العمل والتعبير.. هي المساواة بين الجميع دون تمييز على أساس الدين أو العرق او الجنس أو القومية.. هي نسبية الحقيقة: أي الاعتراف المسبق باحتمال خطأ الذات الذي يقابله احتمال أن يكون الآخر على صواب... هي حق الأقلية في أن تتحول إلى أكثرية، وحقها في ان يكون لرأيها قيمة ووزن. فبدون هذين الشرطين لا يمكن القول بوجود ديمقراطية حقيقة.. وهنا يأتي دور مدنية الدولة لضمان احترام هذين الشرطين، فهي الهيكلية الوحيدة التي تضمن احترام المساواة والحرية على أساس المواطنة المتساوية.. وهي بناء الدولة «كمؤسسة» على أسس ديمقراطية تستوعب الجميع، وتوزيع الحقوق والواجبات على أفراد الشعب على أساس المواطنة دون أي اعتبار للانتماءات، وبناء التشريع على أساس المصلحة النسبية والمتغيرة في الزمان والمكان، وليس على مفاهيم مطلقة وثابتة، إلا فيما هو ثابت، وهي وسيلة للاعتراف بالآخر وحقه في الوجود والعمل والمشاركة والتعبير عن الهوية «دينية أو ثقافية أو عرقية»، وهي مظلة إنسانية كبيرة يعيش تحتها أبناء الدولة بوصفهم مواطنين فحسب. وبهذا المعنى فإن الدولة بالضرورة كيان مدني بطبيعته لتكون ملكا للجميع ومن اجل الجميع.. وذلك أرقى أشكال الديمقراطية.. وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا