النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

تاجر السلاح والتبغ وصاحب أول فندق في الكويت

رابط مختصر
العدد 9216 الجمعة 4 يوليو 2014 الموافق 6 رمضان 1435

في مقال قديم حول أوائل الفنادق ومؤسسيها في دول الخليج تطرقنا عرضا إلى أول فندق افتتح في الكويت، وهو فندق شيرين، وقلنا ان الاسم نسبة إلى صاحبه يوسف شيرين الذي افتتحه في عام 1947 في ساحة الصفاة بالقرب من المبنى القديم لوزارة الدفاع في موقع سوق الحريم. لكننا وقتها لم نعط الموضوع حقه من الاستطراد وتسليط الأضواء بسبب المعلومات المتضاربة وعدم استنادها إلى مصادر موثوقة. غير أن باحثا كويتيا شابا هو محمد إبراهيم الحبيب، طالب الدكتوراه في قسم التاريخ بجامعة لندن سد النقص وأجاب على الكثير من الأسئلة حول شخصية «يوسف شيرين»، وجذوره العائلية، وأنشطته التجارية، ودوره، مع غيره من رجالات الكويت، في تأسيس النظام الاقتصادي الذي ترافق مع مرحلة توطيد الكيان السياسي الذي بدأ في ظل حكم الشيخ مبارك الصباح، أي منذ عام 1899 حينما وضعت البلاد تحت الحماية البريطانية، وما تلا ذلك من اعتراف الدول العثمانية باستقلالها بموجب الاتفاقية الانجلو تركية لعام 1913 ، وذلك طبقا لما نشرته صحيفة القبس في 24/10/2012 . في عمله البحثي القيم ــ الذي نقتبس هنا الكثير مما جاء فيه وندعمه بالكثير مما ورد في وثائق الهند البريطانية، ورسائل وسجلات الوكلاء والمقيمين البريطانيين في الخليج، الذين كانوا يعمدون إلى تدوين تفاصيل الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، ورصد حركة الناس وعلاقاتهم بشكل يومي او شهري منظم ــ توصل الباحث «الحبيب» إلى نتائج كثيرة مفادها أن «يوسف شيرين» هذا ليس سوى «يوسف محمد حسين بهبهاني» الذي ولد في حي الشرق في عام 1892 تقريبا لأسرة ذات جذور فارسية ــ من مدينة بهبهان الواقعة في جنوب غرب إيران ــ استوطنت الكويت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر على أقل تقدير، حيث نشأ وتربى مع إخوانه الثلاثة محمد قاسم وإسماعيل وعلي، وأخواته الثلاث مريم وسارة وخير النساء، قبل أن يتزوج وينجب من البنين يعقوب ومراد ومحمد صالح ومحمد رضا وأحمد، ومن البنات معصومة ورضية وفاطمة ومكية ووجيهة. وقد ذكر «هارولد ديكسون» الوكيل السياسي البريطاني في الكويت في أحد تقاريره لعام 1933 أن لقب «شيرين» أعطي ليوسف بهبهاني من قبل البحارة والتجار، وأن الرجل يُعتبر من أبرز الشخصيات. ثم قال عنه ما يلي: «عمره خمسون عاماً، رجل ثري ومن الممكن أنه مهرب متقاعد. يعمل حالياً في التجارة بشكل واسع مع ثلاثة من أبنائه (من أصل خمسة) في الأجهزة اللاسلكية والساعات وأعلى درجة من البضائع المجففة. رجل مؤنس ذو عاطفة موالية للبريطانيين ومعروف عنه الكرم». والحقيقة، وكما يتبين من التقارير البريطانية التي كــُتبت ما بين عامي 1936 و1944 عن الكويت، ومن المرويات الشفهية، أن اسم «شيرين» أطلقه على الرجل أشخاص كويتيون ذو أصول فارسية بسبب عذوبة لسانه وطيب معشره وبشاشته الدائمة، حيث أن كلمة «شيرين» باللغة الفارسية تعني الحلاوة والعذوبة كما في قولهم «زنان تهروني خيلي زبان شيرين دارن» أي «النساء الطهرانيات يتمتعن بلغة عذبة». ولعل هذا هو الترجيح الأقوى ــ في نظري ــ لمصدر الاسم. وقد نقــّب الباحث «الحبيب» في بعض التقارير والوثائق البريطانية الخاصة بأحوال التجار الكويتيين وصادراتهم ووارداتهم ومعاملاتهم في تلك الحقبة فوجد أن تجارة «يوسف شيرين» لم تكن متنوعة فحسب وإنما كانت أيضا متميزة لجهة مصدر بضائعها وهو موانئ جنوب غرب إيران مثل بندر ريق وبندر معشور والمحمرة وبوشهر ولنجة وبندر عباس، وكلها موانئ عــُرفت بتصدير البضائع المجففة مثل المكسرات المتنوعة والفواكه المجففة والمملحة. ويــُعتقد أن الأصل العرقي للرجل وإجادته اللغة الفارسية ساهما كثيرا في استكشافه لأفضل مصادر وارداته وأجودها، الأمر الذي انعكس ايجابا على سمعته التجارية وموارده المالية. لم تقتصر تجارة «يوسف شيرين» على استيراد وبيع المكسرات والفواكه المجففة والمواد الغذائية، وإنما شملت أيضا استيراد السجائر ـ أو ما كان يـُسمى وقتذاك التتن ــ من إيران. وهناك من الوثائق الجمركية ما يؤكد ويدعم ذلك، لعل أهمها ثلاث وثائق: الأولى تقول بوصول صندوقين من علب السجائر لحجي يوسف بهبهاني في عام 1927 من البحرين، علما بأن البحرين هنا لعبت مجرد دور محطة الترانزيت لشحنة السجائر التي كان مصدرها أحد موانئ جنوب غرب إيران. والثانية تقول بوصول شحنتين من علب السجائر للمذكور من بندر عباس في عام 1928، علما بأن الشحنة الأولى كانت مكونة من 36 صندوقا والثانية من 30 صندوقا. أما الوثيقة الجمركية الثالثة فتعود لعام 1929 وفيها ما يفيد بوصول 302 صندوق من السجائر من المحمرة باسم حجي يوسف بهبهاني على ظهر بوم النوخذه «حبيب بن محمد» اتلفت منها مائة صندوق على إثر تعرضها لمياه شط العرب. ويخبرنا الباحث «الحبيب» استنادا إلى مطالعاته للوثائق والسجلات البريطانية الخاصة بتلك الفترة أن تعاملات «يوسف شيرين» أو «يوسف بهبهاني» التجارية انتقلت لاحقا من المحيط الاقليمي الضيق إلى المحيط العالمي بدليل أن الرجل استورد في عام 1927 ستمائة كيس من السكر من الصين طبقا لشهادة جمركية ســُجل فيها أن لون السكر الصيني المستورد كان أصفر. كما يخبرنا الباحث عن دور الرجل في تجارة السلاح في الكويت فيقول ما نصه: «نظرا لزيادة تهريب السلاح من مسقط الى الكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح، اتخذت بريطانيا اجراءات متعددة للحد من التهريب، من ضمنها اعطاء رخصة ــ لا مانع ــ لمن يريد استيراد السلاح عن طريق حاكم الكويت وبعد موافقة حكومة الهند البريطانية». ويضيف أن عقد الثلاثينات شهد توجها من قبل «شيرين» لاستيراد بعض الاسلحة للكويت، أحيانا عن طريق الحصول على الرخصـــة المذكورة التي كان يلح عليها في الفترة ما بين عامي 1935 و1938 ، وأحيانا من دون تلك الرخصة إلى درجة أن البريطانيين شكوا في دخول السلاح إلى الكويت دون إذن منهم. حيث يوجد تقرير بريطاني يتحدث عن قيام «حجي يوسف شيرين» باستيراد عشرين بندقية صيد وعشرين ألف رصاصة سلاح من ألمانيا دون رخصة، وأن هذه الأسلحة تم نقلها عن طريق شركة هانسالين الألمانية للمراكب التي كان المستورد وكيلا لها في حينه. لم يكتف «حجي يوسف بهبهاني» باستيراد المواد الغذائية والاتجار بالسجائر والسلاح، بل خاض غمار عمل كاد أن يعرضه لعقوبة الحبس والغرامة المالية لولا تدخل حاكم الكويت لصالحه. ولم يكن هذا العمل سوى نقل جثث الأموات الإيرانيين من الطائفة الشيعية من إيران إلى كربلاء والنجف بغرض دفنهم هناك. حيث يوجد في وثيقة بريطانية تعود إلى العام 1937 ما يفيد أن الرجل كان ينقل جثث الايرانيين الموتى إلى العراق عن طريق الكويت مقابل سعر زهيد هو دينار واحد لكل رأس. وقد ذكر في الوثيقة أيضا أن «البعض يعتقد أن ما كان يفعله حجي يوسف بهبهاني عمل مشرف ومرض للمعتقدين به دينياً، الذين يتمنون أن يدفنوا بالعتبات المقدسة سواء في النجف أو كربلاء كونهما المكانان اللذان دُفن فيهما الإمامان علي بن أبي طالب وابنه الحسين». ويعلق الباحث «محمد الحبيب» على ما جاء في هذه الوثيقة البريطانية الخاصة فيقول «يبدو أن حجي يوسف بهبهاني لم يخاطر بنقل جثث لشيعة غير كويتيين وبسعر قليل إلا لإيمانه الراسخ بأن هذا العمل يؤجر عليه، خصوصاً أنه دفن هو، أيضاً، في النجف مع أخوته، كما أنه من الصعب على التجار الايرانيين أنفسهم نقل الجثث إلى العراق، نظرا إلى العلاقات السياسية المتوترة بين البلدين آنذاك». ثم يستنتج قائلا ان حجي يوسف بهبهاني ربما كان مسؤولا ايضا عن نقل كثير من جثث الكويتيين من الطائفة الشيعية، ليدفنوا إما في مدينة النجف أو كربلاء، خاصة وأنّ كثيرا منهم دفنوا في تلك المدن، ولا يزالون. إضافة إلى قيام حجي يوسف بهبهاني بكل ما تطرقنا إليه في الأسطر السابقة قام الرجل أيضا بعملية نقل الحجاج برا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، خصوصا وأن تلك العملية كانت تتطلب في تلك الأزمان جهودا جبارة بسبب وعورة الطريق وبعد المسافة والانعدام النسبي للأمن وتخلف وسائل المواصلات، وهو ما جعل أمر ترتيب رحلات الحج عملية مربحة، خصوصا إذا ما عرفنا أن الحاج الواحد كان يدفع مبلغا يتراوح ما بين 2000 ـ 5000 روبية. وفي هذا السياق يخبرنا الباحث «الحبيب» استنادا إلى وثيقة عثر عليها أن «حجي يوسف بهبهاني» تعاقد للغرض سالف الذكر مع متعهد سيارات سوري الأصل يدعى «عبدالرزاق الشامي» على أن يعطي الأول للثاني نسبة 8 بالمائة نظير أجرة توصيل الحجاج من وإلى مكة المكرمة. ونظرا لازدياد عدد الراغبين في الحج اضطر الشامي لشراء شاحنات قديمة باسعار أعلى من نسبة رأس المال المقدم من «حجي يوسف بهبهاني» والمبالغ المدفوعة من قبل الحجاج. وهكذا فشل «بهبهاني» في تأمين مقاعد للحجاج الذين دفعوا له مقدما ما مجموعه 900 ألف روبية، الأمر الذي جعله مضطرا لاقتراض هذا المبلغ من «المصرف الامبراطوري الايراني» أو «إمبريال بانك أوف إيران» ومن بعض التجار الكويتيين من أجل سداد ما عليه تجاه الحجاج، على أن يقوم بعد عودته من رحلة الحج ببيع الشاحنات التي تم شراؤها، وتسوية أوضاعه. لم يعش «حجي يوسف بهبهاني» طويلا بعد استقلال الكويت ليرى ويتلمس النهضة الاقتصادية والتنموية الجبارة التي شهدتها. إذ توفي في الكويت في عام 1963، ودفن في النجف مع إخوته، تاركا وراءه بعضا من أعمال الخير مثل مسجد شيرين الذي بناه في منطقة شرق مقابل مجمع بهبهاني في عام 1961 . لكن ماذا عن ارتباط اسم هذه الشخصية الكويتية بـ «بيت السدو» الذي هو مبنى تاريخي وشاهد حي على جوانب مهمة من التاريخ الثقافي والاجتماعي والمعماري للكويت؟ علما بأن «السدو» كلمة يطلقها أهل البادية على عملية حياكة الصوف التي تعتبر من أقدم الحرف التقليدية في البيئة الصحراوية لشبه الجزيرة العربية، وتعكس في الوقت نفسه كفاح أهل البادية للتأقلم مع بيئتهم القاسية عبر الانتفاع بما تجود به الأغنام والجمال والماعز من صوف وحليب ولحوم. الإجابة نجدها على لسان المؤرخ الكويتي فرحان الفرحان في كلمته التي ألقاها ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي التاسع عشر في يناير 2013 ، والتي نقلتها صحيفة الأنباء الكويتية في عددها ليوم 22 يناير 2013 . حيث ذكر الفرحان أن «بيت السدو» بناه الوجيه يوسف المرزوق على مساحة 1061.5 متر مربع في عام 1929 بمنطقة القبلة المطلة على شارع الخليج العربي، وأنه حرص في بنائه للبيت أن يجمع ما بين اسلوب العمارة الكويتية التقليدية من حيث التصميم وفن العمارة الهندية من حيث الزخارف المحفورة على الأبواب والنوافذ، ناهيك عن أن البيت كان أول منزل خاص في الكويت يتم بناؤه من الاسمنت والكنكريت المسلح وتحت إشراف معماري هندي جيء به من بلاده خصيصا لهذا الغرض. وأضاف الفرحان أنه في عام 1938 اشترى التاجر يوسف شيرين هذا البيت ليستخدمه كسكن لعائلته، لكنه قام قبل الانتقال إليه بإضافة تعديلات عليه مثل تقسيم دوره الأرضي إلى طابقين، وتكسية أرضيته بالرخام، وتركيب مدفأتين في دوره الأرضي، وإغلاق ما كان فيه من ملاقف الهواء المعروفة باسم «البادغير»، وإضافة خزائن خشبية إلى جدرانه. وفي عام 1952 تم إدخال الكهرباء إلى البيت فركبت في غرفه المراوح والمصابيح. ولاحقا حينما بدأت الأسر الكويتية، ومنها أسرة يوسف شيرين بهبهاني، تنتقل إلى المناطق السكنية الحديثة قامت الدولة بشراء هذا البيت التاريخي ليصبح منذ العام 1979 مقرا للجمعية الحرفية التعاونية للسدو. ولا يكتمل حديثنا عن هذا الرجل، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع حكام وشيوخ الكويت من آل صباح الكرام، إلا بالحديث عن واحد من أشهر أبنائه الذين لازموه وعملوا معه، بل وساروا على خطاه في المغامرات التجارية وتعريف المجتمع بكل ما هو غريب ومبتكر، ألا وهو المرحوم «مراد يوسف محمد حسين بهبهاني» المولود في عام 1918 والمتوفى في عام 2005 ، والمعروف بعلاقته الوثيقة مع أمير دولة الكويت الأسبق المغفور له الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح. اشتهر «مراد بهبهاني» باستيراد أجهزة الراديو إلى الكويت، سائرا بذلك على درب والده، الذي صنفه الوكيل السياسي البريطاني «غالواي» في تقرير له مؤرخ في عام 1938 عن التجارة في منطقة «الخليج الفارسي» بأنه ــ اي يوسف شيرين ــ من التجار والوكلاء العموميين لأجهزة الراديو في الكويت. ففي أحد التقارير التي اطلع عليها الباحث «الحبيب» هناك ما يفيد بأن «مراد بهبهاني» قام في عام 1943 باستيراد مائة جهاز راديو من إنتاج شركة «بيلارد» السويسرية. وفي تقرير آخر تم التطرق إلى أن الرجل قام في حدود عام 1947 بتأسيس محطة شيرين الخاصة التي كانت تبث البرامج الموسيقية بإرسال لا يتجاوز مداه الميل الواحد. والجدير بالذكر أن مراد هذا كان من أوائل الكويتيين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة الامريكية، وقد تمت زيارته تلك في عام 1936 ، كما أنه أول من أدخل أجهزة التكييف «الكنديشن» إلى الكويت. لذا لم يكن غريبا وجود غرف مكيفة في الفندق الذي افتتحه والده في عام 1947 ، حيث كان سعر المبيت في الغرفة الواحدة هو ثلاثون روبية لليوم الواحد، تضاف إليه عشر روبيات نظير تشغيل مكيف يعمل بالماء. أما إخوان «مراد بهبهاني» مثل «محمد صالح» و»محمد رضا» فقد عملوا أيضا مثله في التجارة واستحوذوا على وكالات لعلامات تجارية معروفة، فيما إشتهر أخوهم الأكبر «يعقوب يوسف بهبهاني» في منطقة الخليج باستحواذه على وكالة واحدة من أشهر ساعات المعصم في الخمسينات والستينات وهي ساعة «وست أند».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها