النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

إعلام المقالب.. وأخلاق المهنة!

رابط مختصر
العدد 9215 الخميس 3 يوليو 2014 الموافق 5 رمضان 1435

أثارت النجمة شبه المعتزلة «آثار الحكيم» قضية مهمة تتعلق بأحد أهم بنود مدونة السلوك المهني للصحافة والإعلام، عبر الضجة التي أثارتها في أعقاب تسجيلها لحلقة من برنامج بعنوان «رامز قرش البحر» وهو برنامج ستعرضه إحدى الفضائيات ضمن ماراثون برامج الترفيه والتسلية التي أصبحت أحد أهم ملامح خريطة برامج رمضان التليفزيونية. والبرنامج هو أحد البرامج التي تعود نجم السينما شبه المعتزل «رامز جلال» تقديمها كل رمضان بسبب حالة الركود التي حطت على صناعة السينما وأدت إلى انكماش الطلب عليه وعلى غيره، وتقوم فكرته على دعوة ضيف من نجوم السينما أو الغناء للمشاركة في برنامج تلفزيوني سياحي بمناسبة مباريات كأس العالم يجري تصويره في أكثر من مكان من الأماكن السياحية عبر حوار يجرى بين الضيف وبين مذيعتين إحداهما برازيلية والأخرى لبنانية تنتهي بمشهد يجري تصويره في قارب بخاري يسير في البحر ثم يتوقف فجأة بسبب خلل في المحرك ليتفاجأ الضيف باهتزاز القارب وبظهور كائنات غريبة من تحت سطح البحر وبوقوع إحدى المذيعات في الماء وظهور بقعة حمراء واسعة من الدم ويسارع فريق العمل بالقفز من القارب هربا من سمك القرش الذي يهاجمه ويتركون الضيف وحده وفي النهاية يظهر السيد «رامز قرش البحر» في صورة سمكة القرش ليتضح للضيف المسكين أن المسألة كلها مقلب لاختبار رد فعله، إذا ما فوجئ أثناء قيامه برحلة بحرية، بهجوم أسماك متوحشة تسعى لافتراسه بل وتفترس بالفعل من كانوا يصاحبونه في الرحلة. وكما يحدث عادة في مثل هذا النوع من البرامج فان «آثار الحكيم» ما كادت تطمئن إلى أن المسألة كلها مقلب وانه لا خطر هناك يتهددها حتى شاركها فريق العمل الضحك ووافقت بالصوت والصورة على عرض الحلقة لكنها كادت تعيد التفكير في الأمر حتى عدلت عن موافقتها وأصرت على عدم السماح بعرض الحلقة على الرغم من المغريات المادية التي قدمتها لها الشركة المنتجة واستندت في ذلك إلى أن صناع البرنامج تعمدوا خديعتها والكذب عليها فعرضوا عليها المشاركة في برنامج يحمل اسما وهميا غير اسمه الحقيقي وأنها لو كانت تعلم أن الذي يقدمه هو «رامز جلال» لما شاركت فيه بسبب نوع البرامج التي يقدمها فضلا عن أن البرنامج عرضها لموقف نفسي صعب حين تعمد إرعابها وسجل رد فعلها في مواجهة حالة مفاجئة تعرضت فيها حياتها للخطر. والسؤال الذي يطرحه اعتراض آثار الحكيم هو: هل يجوز من الناحية المهنية المحضة للصحفي- سواء كان يعمل بالصحافة المقروءة أو المرئية- أن يخدع مصدره فيقدم نفسه باسم مستعار وان ينتحل لنفسه العمل في صحيفة أو قناة تليفزيونية غير التي يعمل بها.. والتي سينشر بها إجابات المصدر أسئلته إذ قد يكون لدى المصدر أسباب تدعوه لرفض الإدلاء بتصريحات لجريدة بعينها أو الظهور على شاشة بذاتها لأي سبب من الأسباب قد يكون من بينها أنها تحرف تصريحاته أو تتعمد نشر أخبار كاذبة عنه وقد يكون السبب سياسيا يتعلق بعدم حيادية الصحيفة أو الشاشة أو قيامها بحملات ضد النبلاء أو الحزب الذي ينتمي إليه ففي معظم البلاد العربية ترفض الشخصيات العامة الإدلاء بتصريحات أو إجراء حوارات مع الصحف وأجهزة الإعلام الإسرائيلية التزاما بقرارات حظر التطبيع مع إسرائيل التي اتخذتها أحزابهم أو نقاباتهم وفي مصر ترفض كثير من الشخصيات العامة الإدلاء بأحاديث مع قناة الجزيرة بسبب موقفها من الأوضاع الراهنة فيها خاصة بعد ثورة 30 يونية. ذلك حق للمصدر لا يجوز للصحفي أو الإعلامي أن يهدره ولا يجوز له أن يجري حوارا مع هذا المصدر على أساس انه سينشره في جريدة معينة ثم ينشره في جريدة أخرى إلا بعد أن يستأذن المصدر في ذلك والأساس الذي تستند إليه هذه القاعدة المهنية هي أن الصحفي ينبغي أن يتعامل مع مصادره على أسس أخلاقية تمكنه من اكتساب ثقفتهم بمهنيته وأمانته وحياديته وتؤكد انه ليس طرفا في خصومة معهم أو يعمل لحساب خصومهم أو يسعى للانتقاص من أقدارهم حتى لا يفقدهم وتفقدهم الصحيفة التي يعمل بها. ومشكلة صحافة وإعلام المقالب الذي شاع خلال السنوات الأخيرة وخاصة في برامج التليفزيون انه يقوم على أساس غير أخلاقي هو خديعة المصدر بإخفاء اسم البرنامج الحقيقى أو بالتلصص على المصدر وتصويره أو التسجيل له دون علمه كما يحدث في برامج من نوع «الكاميرا الخفية» أو بتوجيه أسئلة استفزازية له تدفعه للغضب الذي قد يصل أحيانا إلى سب مقدم البرنامج أو الضيف الآخر الذي يتعمد استفزاز المصدر بالتقليل من شأنه كما هو الحال في برنامج «حيلهم بينهم» وغيره من البرامج.. وهي برامج تحصل على صك البراءة من مخالفتها للتقاليد المهنية بكشف المقلب للمصدر في نهاية التصوير مما يجعله في حالة نفسية تدفعه للموافقة على إذاعة الحلقة.. وهو ما حدث مع آثار الحكيم التي ندمت بعد ذلك على موافقتها وهددت بمقاضاة القناة إذا أذاعتها! وكانت الصحافة هي التي ابتدعت هذا الأسلوب غير المهني في التعامل مع المصادر ومن أشهر هذه المقالب في تاريخ الصحافة المصرية هو المقلب الذي شكل الصحفي الراحل «سعد زغلول فؤاد» لعدد من الشخصيات العامة المصرية كان على رأسها الكاتب الجبار «عباس محمود العقاد» وكان «سعد» يعمل محررا شابا في أسبوعية إثارية هي «الجمهور المصري» حين اتصل بهذه الشخصيات باعتباره محررا في صحيفة أمريكية شهيرة وطلب رأيها في مشروع لإنشاء حلف جديد يضم بعض دول المنطقة ومنها مصر وعلى عكس الآراء المعلنة لهذه الشخصيات التي كانت تعارض الفكرة ومنها «العقاد» فقد نجح «سعد زغلول فؤاد» في استدراجها بحيث بدا وكأنها تتعاطف معها وهو ما كان يشكل مواجهة صريحة مع الرأي العام الذي كان في ذروة حماسه لرفض المشاركة في أي أحلاف أجنبية.. وما كاد الموضوع ينشر حتى قامت الدنيا ولم تقعد وسارع «العقاد» وغيره من الشخصيات التي أبدت رأيها في الموضوع ينفون ما نسب إليهم ويؤكدون أنهم لم يلتقوا بهذا الصحفى في حياتهم. وكان المقلب الثاني الذي حدث في بداية الستينات مقلبا أدبيا لا سياسيا وصاحبه هو الكاتب الساخر «أحمد رجب» الذي كان يعمل آنذاك في صحف «دار الهلال» في الوقت الذي تكاثر الحديث فيه عن مسرح اللامعقول الذي كان اتجاها جديدا في المسرح العالمي آنذاك فجلس على مكتبه وكتب مسرحية لا رأس لها ولا قومين من فصل واحد بعنوان «الهواء الأسود» باعتبارها أحدث ما كتبه الكاتب السويسرى «دورتيمات» أحد أقطاب هذا التيار ثم طاف بها على عدد من ألمع نقاد الأدب في تلك الحقبة وطلب إلى كل منهم ان يكتب نقدا قصيرا لها، واندفع هؤلاء يكتبون عن المسرحية ويشيدون بها ويعتبرونها تجديدا للكتابة المسرحية.. وفي الأسبوع التالى نشر «أحمد رجب» تعليقاتهم وكشف عن أنه الكاتب العبقري لهذا النص مؤكدا انه عجز عن أن يفهمه بعد أن انتهى من كتابته وانه يدهش لأن هؤلاء النقاد قد اكتشفوا فيه عبقرية لا يعرفها عن نفسه! والغريب أن أحدا ممن تابعوا ما جرى لم يتوقف أمام التقاليد المهنية ولم يجد فيما حدث خروجا عن أخلاقيات الصحافة والإعلام ربما لأن الخروج عنها لم يكن شائعا آنذاك بنفس الدرجة التي أصبح عليها هذه الأيام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها