النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

عناق اللون والحروف عند فريال العظمي

رابط مختصر
العدد 9215 الخميس 3 يوليو 2014 الموافق 5 رمضان 1435

«إني عراقية وليشهد التاريخ بهذا وإنني أدافع عن ذاكرة العراق ومخطوطاته الجميلة وسلاحي هي لوحة بمساحة مفتوحة على مد البصر والألوان التي تليق بهذا البلد العظيم والعشوائية بالرسم تختلف عن العشوائية بالحوار الناطق تلك العشوائية التي يضع الكثيرون حولها اشارة استفهام هي عفوية الروح بالتعبير والولاء عن بلد اعطانا الحب كما تعطي الأم وليدها الحنان». ألحت علي هذه الكلمات المتأججة بحب بغداد، كما جاءت على لسان الفنانة التشكيلية العراقية فريال الأعظمي، وأنا أتابع تطورات الأوضاع في العراق الذي يقف اليوم، كمجتمع قبل أن يكون دولة، على شفا حفرة نار طائفية ستأتي على الأخضر واليابس. وتداخلت في ذهني صور متناقضة لذلك العراق، إذ كيف يمكن لشعب يتقاتل تحت رايات الطائفية البغيضة، أن ينجب فنانة مرهفة شاعرية مثل فريال الأعظمي. لا يفسر مثل هذا التناقض الصارخ أكثر من لوحات فريال التي يمتزج فيها الحزن بالألم، ويتفجر ذلك في لوحات تشكيلية تستعين فيها فريال بالحروف العربية المتناثرة فوق مساحاتها اللونية. فكما في تنافر ألوان لوحات يكمن سر سحرها ومكنون إبداعها، كذلك يفسر استمرار العراق موحدا قدرته العظيمة على استيعاب مثل تلك التناقضات الاجتماعية ـ التي نأمل أن تكون آنية وعارضة في تاريخه العريق. تتوزع على مساحات لوحات فريال التي جمعت بعضها بين دفتي كتاب حمل عنوان بيت من إحدى قصائد الشاعر السوري، المتمرد هو الآخر، لؤي طه يقول فيه «تحت وشاح ألواني، هناك ينام وطن»، آلام وطن غائب. فكلاهما «فريال ولؤي»، اضطرتهما ظروف الحياة ركوب بحار رحلة بحث عن وطن مازالا يحلمان به بالريشة، أبياتا عند لؤي، وألوانا عند فريال. ويتعانق الفنانان في قصيدة جميلة عنونها لؤي متسائلا «متى الغافلون عن جرحك يا عراق؟» يقول فيها: وعلى سور بابل، تجلس غانية شقراء تلف الساق على الساق وتفتعل القتل على أرضك يا عراق أيعقل أن يظل شعبكَ في سباتهِ غافياً فمتى يصحو الغافلون، عن جرحك يا عراق؟ وتحول فريال تلك الأبيات إلى لوحة فنية تشكيلية رائعة، تتميز بخلوها من الحروف العربية التي تعودتها في معظم أعمالها، وهي تجربة غنية تقول عنها فريال «كما لكل منا منهجه وفلسفته الخاصة مع الأشياء التي يتعاطى معها، أنا جعلت لنفسي «فلسفة الألوان» المتضاربة والصارخة واخترت الفلسفة العفوية والبسيطة، لأنها أقرب إلى الروح». وهو أمر يؤكده، ويلفت النظر له الفنان التشكيلي والناقد العراقي محسن الذهبي، في مقدمته لكتاب فريال حين يقول «على ايقاع تكويني ضمن مفارقة مقصودة تأخذ حركتها من اتجاه قراءة النص التشكيلي للكتابة العربية، لتؤكد على فاعلية الحركة الكامنة لروح الحرف المنفرد في مسعى لاستغلال الايقاعات المتشابهة لترتيب التكوين الفني ولخلق صدى انغام مرئية تتخللها فراغات صامته تتحدث عن روح حكائية مشبعة بالشاعرية، فهي تحافظ على الشكل الواقعي للحرف المقروء ولا تتجاوز واقعيته البنائية وهندسته الشكلية تأكيدا لروحانية الحرف كثيمة لها قدسية في ذاكرة المتلقي وتقربا من تجسيدها لروح الجملة الشعرية او الحكائية التي تطرحها» ويصف الذهبي، في تلك المقدمة للكتاب المكتظ باللوحات فريال التي استطاعت ان تبرز أجمل ما في روح الحرف العربي من نفحات، «تتحسس روح الحرف في التعبير وتعيش معه قبل أن تعيد صياغته بأسلوبها الابداعي الخاص المعتمد على تجسيد مكنون ذاتية القول والحرف بتكوين معماري، تتشابك به حروف القول وتتقاطع مع بعضها بانسيابيتها مما يعطيها احساس بعمق الحقيقة وقوتها لتخلق نصا جماليا اخر يضيف للنص القولي لونا وتعبيرية تجعله مؤثرا في روح المتلقي مبنيا في تركيبه المعماري على تسطيح الشكل في قلب اللوحة مع المحافظة على منظور تجسيمي لشكل الحرف وبابعاده الثلاثة». كقارئ، او بالأحرى كزائر عادي، لهذا الكتاب/ المعرض، استوقفتني، بشكل عفوي، كي لا أظلم لوحات الكتاب الأخرى، مجموعة من العناوين مثل «الحقيقة: الحقيقية جرح بملامح الحب». هنا تتوسط اللوحة تفاحة أرجوانية اللون تتداخل فيها مجموعة من الألوان الأبرز بينها الأسود والأحمر، يتوجها شكل أقرب للجوهرة، وتحيط بها مجموعة من الحروف العربية المتناثرة، تتقدم خلفية متماهية يسيطر عليها اللون الأحمر والأخضر. التفاحة، كما الحقيقة، مجروحة، لكن تشع منها علامات الحب المحضونة بمجموعة من الحروف العربية التي تكاد أن تشكل سياجا حنونا يصر على الدفاع عن التفاحة، وكأنه بذلك يدافع عن حقها في الحب، وبهذا تفصح فريال عن سبب التصاقها بالحرف العربي الذي ترى فيه، حين تتحدث عن محمود درويش. فهي لا ترى أن شاعرنا الكبير الراحل «مجرد قصيدة وحروف نثر، فهو حالة حب عميقة، حدثت في مكان ما، وفي زمان ما نحن نفتقدها في هذا الزمن، الذي بات الحب يأتي بسرعة الضوء، وينتهي بوقت أسرع لأن مشاعر هذا الزمن أجدها ليست عميقة». ومن ثم، فبالنسبة لها «إن الحروف التي استقرت في أعمالي كانت مستقرة في نفسي أساسا، فهي حروف مقدّسة ألهمتني وحاورتها وسكنت في داخلي، الأمر الذي انعكس على أعمالي بشكل فني جميل». ولا يخلو الكتاب من مسحات إنسانية ذات بعد آخر، يبتعد بعض الشيء عن الوطن، ويحط رحاله عند الأم. فلوحة أمي التي تحادثها فريال «على الهاتف تكلمت أمي، فتناثرت حروفها على وجهي ذهبا. فاحترت أأجمع حنيني منها، أم أجمع الذهب؟» اللوحة المقابلة لهذا النص هي حروف متناثرة بحرفية رائعة تتمازج فيها قسوة الألوان، بلهفة الأمومة. فيأتي ذلك لوحة ناطقة تعانق فيها ألوان ريشة فريال قلم لؤي طه الذي أعتقد أن الأبيات تعود له.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها