النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

فسحة أخيرة في آخر الطريق!

رابط مختصر
العدد 9214 الأربعاء 2 يوليو 2014 الموافق 4 رمضان 1435

موحش عالم اليوم بالرغم من صخبه وضجيجه وبريقه الخاطف وتدفق نهره الذي لا ينقطع، موحش عالم يفقد قدرته على التوقف والتأمل والانتظار، ويفقد صبره للتوقف عند طفل تدهسه حافلة تزن عشرات الأطنان، عالم يتبلد أمام مريض سحقه الفقر والمرض الى حد التدمير. موحش عالم تفقد فيه القدرة على ان تطلق السلام وتبتسم لأبنائك وإخوانك وجيرانك عند الخروج من باب البيت، أو عند العودة إليه. موحش عالم اليوم عندما تتحول مشاعر الحب والامتنان الى بلادة بلاستيكية متخشبة.. **** علماء عصرنا يقولون إن الحب عبارة عن ظاهرة كيميائية تنشأ في داخلنا، عندما يفرز جسم الإنسان عندما يحب مواد كيميائية تدفعه تجاه شخص معين دون سواه، وعندما يحصل الانجذاب يفرز المخ مواد كيميائية تجعلنا نشعر بالسعادة أو الارتياح نحو ذلك الشخص، ويبقى الدماغ بعد مرور فترة من الزمن يفرز مادة «الأندروفين» وهي مادة تشبه المورفين تكون مسئولة عن إحساس الحبيب بالأمان والطمأنينة والانجذاب، وذلك كلما كان الارتباط بالحبيب قوياً وصادقا وعفويا، وكثيرا ما يكون شعور المحبين بأنهم حيارى وقلقين تدور من حولهم الأرض في حالة من الحلم الدائم، عائدا إلى أنهم مغمورون في تلك اللحظات الرومانسية بفيض من الإفرازات الكيميائية التي ينتجها الدماغ والتي تسري عبر الأعصاب وتجري في الدم، فيشعرون بالحب والغيرة والشوق والانتظار واللهفة والغضب وحتى الرغبة في الموت في حال فقد الحبيب أو هجرانه. وتقول النظرية أيضا إن تناقص إنتاج هذه المادة في الجسم يكون نتيجة حتمية لضعف الارتباط بين شخصين - حتى وان اضطرا لأسباب اجتماعية أو مصلحية للعيش معا طول العمر - ومن هنا يبدأ الشعور بالنفور، وعدم الأمان، والغضب المتصاعد والإحساس بالألم والقهر وسوء الحظ، وصولا إلى حالة اللامبالاة التي هي النقيض الفعلي لحالة اللاحب، وليست الكراهية مثلما يعتقد البعض، فلحظة اللامبالاة هي المرادف لانتهاء الحب. ويوجد اليوم من بين مجالات الدراسة العلمية مبحث كامل حول هذا الموضوع، وتوجد مئات الدراسات الجينية والكيمائية والسيكولوجية التي تفسر الظاهرة التي لا علاقة لها برغبة التملك التي كثيرا ما يتم الخلط بينها وبين الحب، أو حالة سلطة العادة التي قد توهم بوجود الحب في حين أنها مجرد إدمان يمكن التحرر منه تماما مثل إدمان التبغ والكحول. ولان الحب مرتبط بالكيمياء فإنك عندما تستمع إلى من يردد العبارة الشهيرة: أحبك إلى الأبد! لا تملك نفسك عن الابتسام الساخر، حيث لا شيء يستمر على حاله، تماماً مثل تحولات الكيمياء. ولكن من المهم الاعتراف في ذات الوقت أن الحب يرقق روح الإنسان ويجعل إحساسه بالناس والأشياء من حوله مرهفا وعذبا وناعما، ليس فقط أمام من يحب أو لمن يحب بل حتى في إحساسه الإنساني بشأن الطيور والزهور الماء والهواء والسماء، وكل ما في الطبيعة يصبح رقيقاً وكأن إحساس الحب يملأ عينية فلا يرى في الوجود إلا كل ما هو جميل وجذاب وحالم، ولان الحب حالة كيميائية كما يقول العلماء فقابليته للتحول واردة في كل لحظة، فالعشرة الطويلة قد تجر معها الملل فتحدث الصحوة من الحلم، فيكتشف الحبيب حالة الانطفاء التي يموت معها كل إحساس الحب الذي قد يتحول إلى لامبالاة أو حتى إلى كراهية.! إن المشكلة الحقيقية أن البشر بطبائعهم وبشخصياتهم الإنسانية المتقلبة وبأحوالهم النفسية المتحولة، وبأوضاعهم الاجتماعية المتغيرة، يتغيرون كل يوم، فيرتبطون بالآخرين بشبكة علاقات متداخلة خاضعة للتبدل، وهو التبدل الذي يقبلونه بل ويسعدون به في كثير من الأحيان، في المجالات المعيشية اليومية، مثل تغيير السكن والديكورات والوظائف والمطاعم والملابس وغيرها من الأمور، لكنهم يتحملون بصعوبة بالغة التبدلات في عواطفهم ومشاعرهم، فهي، حتى وان حدثت فعلا، فان الكثير منهم يتجاهلها أو يلجأ إلى المواربة، والى الصور المتضمنة تعبيرا عير مباشر عن انتهاء الحب، ولكن الهروب من مواجهة هذه الحالة لا يستمر طويلا، إذ تنشأ حالة من البرود والجفاف في العواطف قاسية ومدمرة لحياة الإنسان خاصة عندما يكون مضطرا للإبقاء على العلاقة كمجرد تعبير اجتماعي مظهري أمام الناس، أو كتعبير عن نوع من الالتزام العائلي أو الأخلاقي أو الديني، ويكون الحب قد مات بالفعل وانتهى، ولذلك تنشأ حالة من الصراع النفسي مريرة قد تفقد الكثير من الناس صوابهم، وتنتهي بالانتحار النفسي أو الفعلي وصورهما أصبحت اليوم مشهودة. ولكن قد تحدث الصحوة من الحلم، فتتولد حالة الانطفاء التي يموت معها كل إحساس بالحب الذي يتحول إلى لامبالاة. وعندما ينتهي الحب بداخلنا ماذا يبقى لنا؟ لا شيء تقريبا سوى الخواء والموت البطيء! ولكن في غمرة هذا الحزن والضيق نتناسى أن هنالك دائماً فسحة جديدة من الأمل، لحياة جديدة تنتظرنا إن لم نكن نراها في لحظة الخيبة، هنالك دوماً صباح جديد محتمل نفيق فيه ونحن أحرار، لا ننظر خلفنا إلا للذكري، ونبدأ نستعيد حريتنا التي فقدناها في سكرة «الأندروفين». همسة تركتُ أبوابَ القلب مشرعةً والبلابلُ واليمامُ على شفى نافذتي هدلتْ وزغردتْ بانتظاركِ ولكنَّكِ ما أتيتِ! رحلت فأغلقت الشمسُ ابوابَها ونوافذها حزينة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها