النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الخروج من “المولد بلا حمص”:

رابط مختصر
العدد 9212 الاثنين 30 يونيو 2014 الموافق 2 رمضان 1435

الخروج من “المولد بلا حمص”: من أجل إنقاذ البنية المدنية للدولة يحتاج أي نظام ديمقراطي جاد في بناء الديمقراطية إلى وجود معارضة حقيقية أو الحراك المدني المراقب لعمل السلطة من رحم الدولة المدنية ومن رحم القانون والدستور والأنظمة القائمة، وهو الحراك الذي من شأنه أن يطور الحياة السياسية ويخدم جمهور المواطنين ويسهم في التقدم نحو بناء الديمقراطية والشفافية والرقابة المتبادلة من خلال الإسهام بما يؤسس حقيقة لنظام سياسي ديمقراطي يكون فيه الفصل المتوازن بين السلطات، وتفعيل الرقابة المتبادلة بينها واحترام كل منها للاختصاصات الوظيفية المنوطة بالسلطة الأخرى، وفقا للقواعد الدستورية والقانونية، مما يوفر شفافية في عمل كل منها وقدرا مهما وضروريا من المساءلة، بما يمنع سوء استغلال السلطة والصلاحيات. ولكن ولكي تكون هنالك معارضة مدنية حقيقة فلا بد أن تكون هي الأخرى معارضة ديمقراطية ناشئة من رحم الدولة الديمقراطية ومن صلب مدنيتها ومؤسساتها الدستورية والقانونية، إلا انه من المؤسف حقيقة أن نرى أن القوى السياسية الطائفية التقليدية عندنا لاتزال تهيمن على المشهد السياسي، وتلقي بظلالها على الحياة السياسية والاجتماعية، وتمنع حدوث التطور الطبيعي المدني للمعارضة، ولعل أخطر ما يصيب حياتنا السياسية ويمنع تطورها بطريقة سلمية، هو وجود أحزاب طائفية، والمصبية الأكبر أنها هي المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في ذات الوقت، بما تمتلكه من موارد ضخمة ومن فضاءات حرة خارج رقابة الدولة تتحرك فيها، وبما تمتلكه من حرية الوصول إلى الجماهير دون وجود قانون يضبط ذلك، وبما تمتلكه من امتدادات خارج الحدود «وهي امتدادات مشروعة من الوجهة الدينية والطائفية» فكانت النتيجة الحتمية في السنوات الأخيرة، توسع انتشار المشاعر الطائفية والمذهبية وتأثيرها السلبي المدمر على الوعي الجمعي والسياسي والخطابات المختلفة، وأصبحت الأحزاب الطائفية عاملاً حاسماً في بلورة وتوجيه سلوكيات الأفراد وتكوين مواقف قسم كبير من المواطنين.. حيث لمسنا إبان الأزمة انه لم يعد للدين وللقيم التربوية والأخلاقية تأثير كبير على السلوك السياسي للأفراد، فقد تبخر كل ذلك فجأة، وكان نسيا منسيا، كمن انتزع الخير من قلوب الناس وزرع محلها الكراهية، وأصبحت المفارقة الكبرى تتمثل في هذا الجمع بين الانتماء الديني بما يفترضه نظريا من قيم روحية وأخلاقية عالية، وبين المنزع الطائفي الذي فجر هذا الكم من الكراهية تجاه الآخرين الذين ليسوا سوى الشركاء في الوطن.. نظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، ولكن واقعيا تحول هذا التدين إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من أن اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصور الحديثة قد لبست لباسا دينيا او طائفيا. إن المشكلة تتمثل في تنامي الخطاب الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية لتيارات وجماعات طائفية تصنف ضمن تيارات الإسلام السياسي، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير،باتت تتحكم في الخطاب الديني السائد والمروج جماهيريا، يدور حول التكفير او التغيير بالقوة، فخلق « التكفير» «القاعدة» و»داعش» و»عصائب الحق»، وخلقت مبدأ التغيير بالقوة أحزابا طائفية دخلت معترك السياسة للاستيلاء على السلطة باستخدام لغة الديمقراطية في الظاهر، لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، واستخدام القوة في ذات الوقت تجسيما لفكرة التغيير بالقوة، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة. لقد كشفت الأزمة التي عشناها وجود خزان أسود للكراهية وسط الحشد الطائفي الذي تسخر له إمكانيات هائلة، يتجاوز كل حد معقول، خصوصا بعد أن استحكم الفكر الطائفي في المنطقة وسيطر على الأرض العراقية والسورية وسط حشد المليشيات الطائفية التي تستحضر المرجعيات الطائفية وملفات التاريخ القديمة للمحاسبة بما يثير الإحساس بالتقزز والغثيان إزاء الكم الهائل من الحقد والهمجية! ما الحل إذن؟؟ إذا اتفقنا أن الأحزاب الطائفية هي السبب الرئيسي خلف هذه الكارثة، لأنها تسهم في تقسيم المجتمع، وتخريب بنيانه، فإن أقصر السبل لإصلاحها يتمثل في حلها بكل بساطة وشجاعة، وذلك لأن منهج إلغاء الطائفية من خلال إصلاح أحزابها حيلة ساذجة جربت ولم تنجح، وقد رأينا بعض الذين رهنوا عضويتهم أو تحالفهم مع الأحزاب الطائفية، بإصلاحها بما يضمن لهم جماهيرية الطائفة، دون الالتزام بمقتضياتها أو بثقافتها، اتسمت مواقفهم بانتهازية واضحة، وكانت نتيجة هذا الخيار سيئة وكارثية.. فقد تورط اليساريون والقوميون «العلمانيون» في هذه الشراكة السياسية ليكتشفوا أنه قد تم استغلاهم للزينة والدعاية السياسية والإعلامية، وأنهم في لحظة الحسم «يطلعون من المولد بلا حمص» في أحسن الأحوال، قبل أن ينقلب عليهم حلفاؤهم من «المؤمنين». إن العصبيات الطائفية ضيقة الأفق محكومة بإدامة الانقسام في المجتمع، ومحكومة بإدامة الحرب والدموية بين الطوائف والتأثير سلبا على تعزيز مدنية الدولة على المدى البعيد، فما بالك ببناء الديمقراطية الحقيقية، فأقصى ما تنشده الأحزاب الطائفية هو إنزال الهزيمة بالطوائف الأخرى، أو نقل الهيمنة من طائفة إلى طائفة أخرى، ولذلك فإن الحل الحقيقي الجوهري يتمثل في النهاية في حل الأحزاب الطائفية ومنع تأسيس أي حزب على أساس طائفي وتعزيز ثقافة توحيد البنية الوطنية على أساس مدني صرف، ولكن لكي يتحقق ذلك لا بد أن يشعر المواطن بان انتماءه للدولة يحقق مواطنيته الكاملة، إنها عملية مركبة. ولكنها مهمة وجوهرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها