النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الرد القومي.. وليس الطائفي ينقذ العراق ومعها المنط

رابط مختصر
العدد 9211 الأحد 29 يونيو 2014 الموافق 1 رمضان 1435

ما بين إعلان وكيل المرجع الديني الأعلى علي السيستاني في كربلاء الشيخ عبدالمهدي الكربلائي، يوم الجمعة الموافق 13 يونيو 2014، «أن التصدي للهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة على العراق واجب كل الجهات المستطيعة، لافتا الى ان من يقتل اثناء دفاعه عن ارض العراق فهو شهيد»، وتأكيد الرئيس الأمريكي باراك أوباما «أن بلاده لن ترسل قواتها إلى العراق وأنه طلب من ادارته إعداد خيارات يمكن أن تساعد القوات العراقية، (مضيفا) أي دعم سنوفره يجب أن يترافق مع جهود عراقية وتشجيع الاستقرار والدفاع عن مصالح الشعب (منوها) إلى أن إمدادات النفط في العراق لم تتوقف وأن سيطرة (داعش) عليها سيكون مبعث قلق، يمثل خطراً على العراق ويهدد المصالح الأميركية، وأن هذا التنظيم استغل ما يجري في سورية»، وبشكل مواز لذلك يأتي تأجيل مواجهة «أربعة حراس سابقين في شركة بلاك ووتر محاكمة بتهمة قتل 14 عراقيا مدنيا، وجرح 18 آخرين»، وعلى هامش ذلك، يبدو استنكار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المحذر من أن «ارتفاع معدلات العنف في العراق على أيدي المجاميع الإرهابية واختطاف الدبلوماسيين الأتراك، مشددا على ضرورة عدم السماح للإرهاب بالنجاح في تعطيل مسيرة العراق نحو الديمقراطية، معربا عن قلق مجلس الأمن العميق إزاء نزوح مئات الآلاف من بيوتهم هربا من الأوضاع في الموصل»، وفي سياقهما، «يخوض الجيش العراقي اشتباكات مع مسلحين في طريقهم إلى مدينة بعقوبة، ويحشد المسلحون على محور آخر قواتهم للهجوم على سامراء»، وفي ثنايا هذه الصورة يبدو الاجتماع الطارئ الذي عقده «سفراء الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي مساء الأربعاء، بناء على طلب تركيا لبحث الوضع في شمال العراق حيث سيطر متشددون إسلاميون على قطاعات من الأراضي واحتجزوا عشرات المواطنين الأتراك رهائن»، وفوق هذا وذاك ورود أنباء مؤكدة عن تسليم «الجيش بالقرب من محافظة إبيل في إقليم كردستان آلياته لقوات البشمركة، خوفاً من وقوعها في يد المسلحين، وتفشي حالة من الانهيار الأمني تام في صفوف الجيش العراقي في الجانب الأيسر والأيمن من الموصل»، إلى درجة اتهام قادته «أي الجيش» من قبل المحافظ أثيل النجيفي «ومن ضمنهم قائد عمليات نينوى الفريق مهدي الغراوي والفريق أول علي غيدان قائد القوة البرية بالهرب إلى بغداد عبر المروحيات»، وأخطر من ذلك كله نشر «إيران ثلاث وحداث من الحرس الثوري بالعراق وتأكيد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، أن إيران ستكافح عنف وإرهاب المتمردين الجهاديين الذين شنوا هجوماً في شمال غرب العراق»، تتجسم الصورة العراق الحالية، ويبدو في خلفيتها المستقبل الأسود الذي يتربص ليس بالعراق فحسب، وإنما بالمنطقة العربية بكاملها. إن أخطر ما في الموضوع العراقي اليوم هو الاصطفاف الطائفي الواضح المعالم الذي يكشر عن أنيابه، مهددا مستقبل هذه المنطقة بدخولها في دوامة حروب طائفية صغيرة متناثرة تتحول بموجبها البلدان العربية إلى أرخبيل من الجزر المتناحرة التي يصعب التمييز بين هويات المتحاربين فيها، ويبيح للمستفيدين من هذه الفوضى تمويه معالم سحناتهم لدرجة تصعب تحديدها. مخاطر كثيرة تحملها هذه الحروب والفوضى الطائفية التي باتت تنتشر كالفطر، بعد أن كانت، وإلى فترة قريبة، محصورة في حفنة من البلدان العربية، تبدأ من لبنان التي انفجرت فيها الحروب الطائفية منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، ولاتزال تأكل الأخضر واليابس في ربوعها، بعد تعطيل الحياة السياسية في مفاصل دولتها. لن تقف المخاطر عند تمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، وتفتيت الهيكل السياسي للعراق، فمهما بلغت سلبية ذلك، لكنها تبقى في نطاق الدولة العراقية، وفي أطرها التي نعمت بها منذ ما يزيد على القرن من الزمان. فالأخطر من كل الخسائر التي مني بها العراق ونكب بها شعبه، أن ما يجري من تشظ طائفي سيفتح الباب على مصراعيه أمام تدخلات دولية وإقليمية، البعض منها واضحا للعيان والآخر متخفيا في لبوسات مموهة. فعلى المستوى الدولي، تكفينا تصريحات واشنطن، ومعها الناتو، وعلى هامشهما استنكار بان كيمون، وعلى المستوى الإقليمي، هناك السلوك الإيراني الواضح، والصمت الإسرائيلي المتخفي، الذي يبقى، مهما حاول تأكيد حياديته، عنصر خطر متربص كامن دائم قابل لاكتساب النشاط والتدخل عندما يجد الظروف الملائمة، وليس هناك ظروف أفضل من تلك التي يعيشها العراق اليوم. قد يهلل البعض منا لتلك الانتصارات التي تتحقق اليوم على أرضية طائفية في العراق، لكنها، وكما يؤكد منطق التاريخ، وقوانين تطور المجتمعات البشرية، لن تكون أكثر من مكاسب آنية محدودة زمنيا، وضيقة جغرافيا، وقزمة سياسيا، إذا ما جرى مقارنتها بمشروع قومي عربي يشمل المنطقة العربية. فمن أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها الحركة السياسية العربية اليوم، قوى معارضة كانت، أم حكومات، أن يكون مدخلها، ومن ثم مواقفها أزاء ما يجري في العراق محموما بردة فعل طائفي، سيكتوي بنيرانها الجميع بمن فيهم المؤيدون لها، ولن يستفيد منها سوى الأجنبي، دولي كان ذلك الأجنبي أم إقليمي، بل وحتى عربي. فما هو مطلوب اليوم جر قدمي المنطقة العربية نحو اقتتال طائفي، تستنزف فيه طاقاتها البشرية قبل الاقتصادية، وتقزم من خلاله مشروعاتها السياسية قبل الاجتماعية، وتتحول بفضل هذا المدخل الخاطئ المنطقة برمتها إلى ملعب تتبارى فيه القوى الأجنبية، مستخدمة من يتحالف معها، او بالأحرى من يخدم مصالحها في هذه المنطقة. ولن ينقذنا من هذا المستقبل المظلم، سوى نبذ المدخل الطائف، واللجوء إلى ذلك القومي، إن أردنا أن ننتقل من طوائف متناحرة إلى مجتمعات مستقرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها