النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التعليم غرزة الشفاء!!

رابط مختصر
العدد 9207 الأربعاء 25 يونيو 2014 الموافق 27 شعبان 1435

من يرصد التطور الحضاري للمجتمع البحرين منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا ويقارن مراحل هذا التطور مع ما يحصل في كثير من المجتمعات العربية وخصوصا مجتمعات الجوار سيجد أن هذا المجتمع بمعية العائلة الخليفية الحاكمة قد عقدا النية على بناء هذا الصرح المجتمعي وبوتائر سريعة في ضوء قيم التكامل بين الرجل والمرأة من حيث حمل أمانة النهوض بالمجتمع البحريني وضمان سبل الرقي به حضاريا والذود عن مكتسباته النيرة التي جُسدت تلاحما عجيبا بين سائر مكونات هذا المجتمع رغم نعيق غربان التفرقة والميز. لقد توافق المجتمع البحريني بمكوناته الاجتماعية وتركيبته الطبقية المحدودة آنذاك مع الحكم على أن يحذو حذو المجتمعات المنفتحة والمتطورة التي سبقت البحرين وحققت في حذوها هذا نجاحات طالت سقف أمانيها، محافظة، في ذات الوقت، على خصوصياتها الدينية والثقافية. لقد جاء التكامل الذي أتحدث عنه وفق نسق مدروس بدأت إرهاصاته الأولى مع بزوغ فجر التعليم النظامي منذ أن افتتحت أول مدرسة للبنات، وقد تجسدت على أرض الواقع في عام 1928 أسوة بما تحقق للرجال عندما افتتحت مدرسة الهداية الخليفية للبنين في العام 1919 كأول مدرسة نظامية حكومية بالمحرق. وبالعودة إلى سجلات التاريخ سنجد أن إنشاء مدرسة لتعليم البنات قد برقت فكرة في رأس حرم الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين، وعمل هذا الحاكم على تحويل هذه الفكرة وتفعيلها واقعا ملموسا وغرسا طيبا في أرض طيبة، وها نحن نجني ثمار هذا الغرس صدى دوليا ومحليا طيبا للمرأة البحرينية العالمة المثقفة المبدعة القائدة والرائدة في مجالات علم وعمل شتى. فبافتتاح هذه المدرسة تأسست قاعدة قوية جنت نتاجها المرأة البحرينية تعليما وثقافة حتى ذللت جميع الصعاب الاجتماعية التي كانت العادات والتقاليد تقف حائلا دون تقلدها بعض الوظائف. لكن خلال الثلاثين سنة قبل أن يعلن القرن العشرين أفوله تمكنت المرأة من أن تحصد مزيدا من المكتسبات بفضل سياسة حكيمة لدولة مدنية ساسها حكام البحرين فرفعت من شأن المرأة وارتقت بها إلى مراتب هي بها جديرة، وأتاحت لها أن تعمل في أكثر المجالات التي كانت وقفا على الرجال. هكذا توافق آل خليفة مع مكونات المجتمع البحريني على بناء البحرين دولة مدنية تكون فيها المساواة في الحقوق والواجبات مرتكزا بين الرجل وبين المرأة بشرط ألا يخالف ذلك مرتكزات الشريعة الإسلامية، بدءا من الشيخ عيسى بن علي الذي أسس الدولة الحديثة وأقام صروحها وأشاد بنيانها، ومن بعده جاء ابنه حمد الذي انطلق إلى رفد هذه الدولة باحتياجاتها من الكوادر البشرية من خلال تأسيس التعليم النظامي، وهكذا فعل كل حاكم جاء من بعده إلى أن وصل الحكم إلى جلالة الملك حمد. وإذا كان العام 1928 قد شهد، تأسيس أول مدرسة للبنات كما سبقت الإشارة إليه، فإن بدايات القرن الواحد والعشرين وتحديدا في عام 2001، وما تلاه من أعوام، قد مثلت إطارا زمنيا تعززت فيه مكاسب المرأة البحرينية بفضل المتاحات الضخمة التي فجرها المشروع الإصلاحي الحضاري لجلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة. تسع سنوات فقط لا غير كان عدد السنوات التي سبق فيها الرجل المرأة في الانتظام على مقاعد الدراسة. هذه السنوات التسع فارق زمني أذابته المرأة بجلدها وبصبرها، ولهذا تجدها اليوم متزاملة مع الرجل في مراكز البحوث والجامعات، في المستشفيات وفي البنوك، في سلك الشرطة وقوة الدفاع والخارجية، في جميع مؤسسات الدولة الدستورية وفي الشركات الكبرى والصغرى. المرأة توصف في المجتمعات الإنسانية بأنها نصفه، وهي في البحرين تملأ هذا النصف عملا وإنتاجا وكيانا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مشاريع تمكين المرأة التي يدفع بها المجلس الأعلى للمرأة الذي تأسس في عام 2011 في الواقع الاجتماعي. وفي إطار الحديث عن المجلس الأعلى للمرأة ينبغي ألا نغفل عن الدور الذي تلعبه صاحبة السمو الملكي الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة التي لا تألو جهدا ولا علما إلا وتقدمه مساهمة منها في النهوض بالمرأة في شتى مناحي الحياة. إذن غرزة الشفاء الرئيسية في أفق الحضارة البحرينية الحديثة والتي عدلت في الميزان الاجتماعي لتتساوى فيه كفة الرجل مع كفة المرأة لصالح التنمية الاجتماعية، جاءت في عهد حاكم البحرين الشيخ حمد بن عيسى الجد وتواصل العلاج للتخلص كليا من الأدران المحمولة مع التقاليد البالية المتوارثة في كافة الأنساق الأخرى في عهدي الحاكمين، الشيخ سلمان بن حمد ومن ثم الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان غفر الله لهما، حتى آل الحكم إلى الحفيد جلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة أطال الله في عمره وأبقاه لهذا البلد قائدا تتحقق على يديه طموحات الشعب. فما الذي ترتب على غرزة الشفاء تلك التي تمثلت في بدء التعليم النظامي للمرأة ونقلت المجتمع البحريني من طور إلى طور؟ في اعتقادي، أن من النتائج المهمة للتطور الحضاري الذي أحدثه التعليم بشكل عام وتعليم المرأة بشكل خاص هو أن هذا التعليم قد بنى شخصية المرأة المستقلة، وعزز من مكانتها في المجتمع. لكن، هنالك سؤال لعله من المفيد أن نطرحه هنا ومفاده، ما الذي يتوجب علينا فعله لتحصين الجسد الاجتماعي من الأمراض؟ شخصيا أحيل هذا السؤال إلى مؤسسات الدولة وخصوصا المجلس الأعلى للمرأة. ولعلك، عزيزي القارئ تسألني لماذا؟ فأقول لك بأنه من المعلوم أن التعليم قد خلصنا من أمراض اجتماعية كثيرة، لكن هناك أمراض مستجدة بدت تغزو المجتمع على أيدي تيارات الإسلام السياسي؛ علما بأن مجتمعنا المبني على الانفتاح قد وفر للمرأة خيارات الانعتاق من سلطة الرجل وهيمنته الذكورية مع الاحتفاظ بالقيم والعادات والتقاليد وقبل ذلك كله الدين. ما ينبغي على مؤسسات الدولة والمجلس الأعلى للمرأة بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني هو أن تتوغل جميعها في المناطق التي قد تكون المرأة فيها رهينة الحبس العقائدي لتحريرها من بوتقته ودمجها في الأفق الرحب للمجتمع البحريني المنفتح. كيف السبيل إلى ذلك؟ هذا هو الرهان الحالي، وتلك معركة حضارية أخرى مصيرية ينبغي أن تتجند قوى المجتمع الحية للظفر بها وقطع الطريق أمام قوى الردة وطيور الظلام؛ فقدر البحرين ألا تكون إلا بلد النور والعلم والجمال والمواطنة والمدنية، وفي هذا رصيدنا القيمي الرمزي الذي ينبغي أن نشد عليه بالنواجذ لنبقى وتبقى المرأة شريكا فعالا قي رفع راية المجد البحرينية الخليفية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها