النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

العراق ومستنقع التعصب المذهبي

رابط مختصر
العدد 9205 الأثنين 23 يونيو 2014 الموافق 25 شعبان 1435

التعميم الذي أصدرته وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف لأئمة المساجد وخطباء المنابر بضرورة الالتزام بضوابط وآداب الخطاب الديني جاء في وقت تشهد فيه المنطقة سموم وأدواء الفتنة حين تم طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير. منذ عام 2011 والمنطقة تشهد حراكاً دموياً بشعاً تغذيه بعض الدوائر الاستخباراتية والقنوات الفضائية ومراكز التواصل الاجتماعي، ولمن شاء فليتأمل في مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا ولبنان وأخيراً العراق، لذا جاء تعميم وزارة العدل لتنزيه منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السموم والأدواء التي أصيبت بها تلك الدول والمجتمعات، وإبعاده عن التجاذبات السياسية والطرح الطائفي وتأثير الأحداث الإقليمية والدولية، فالتعميم أشار وبشكل واضح للأحداث التي تشهدها العراق هذه الأيام حين أشعلت الساحة فيها بفتاوى الجهاد والقتل وسفك الدماء، وهي الأحداث الأسواء على المنطقة منذ أن هبت رياح التغيير تحت شعار (الربيع العربي)!. لا شك أن المنطقة اليوم تتعرض لأبشع صور التغيير، خاصة حينما طرح بالعراق مشروع الاصطفاف الطائفي، وهو مشروع تدميري للعراق والدول المجاورة، فالمسؤولية اليوم تحتم على الخطباء والأئمة الابتعاد عن القضية العراقية، وعدم استنساخ الاحتراب الدائر هناك وإسقاطه على الشأن الداخلي، وقد استطاع أبناء هذا الوطن خلال السنوات الماضية تجاوز الكثير من آثار القضايا العربية، ولعل أبرزها الخلاف بين منظمة التحرير وحركة حماس، فكانت الدعوات العقلانية بعدم التدخل في القضية الفلسطينية التي لن يعالجها إلا الفلسطينون أنفسهم، وكذلك في الشأن المصري والتونسي والليبي واليمني، فمحاولة نصرة فريق على آخر أو الوقوف معه هنا تكمن الخطورة. أبشع الخطابات المنبرية هي دعوة الشباب للانخراط في الجماعات الإرهابية والعنفية، وتصوير قتالهم وكأنه واجب شرعي أو تكليف إلهي!، فقد خسر هذا الوطن الكثير من أبنائه الذين شاركوا في القتال في سوريا والعراق، لذا يجب على خطباء المنابر تحذير الشباب والناشئة وأولياء أمورهم من خطورة الساحات هناك، بل الواجب على الخطباء والأئمة أن يشيعوا ثقافة التسامح والتعايش والألفة، وهي الثقافة التي يقوم عليها منبر رسول الله، خاصة بين أبناء الدين الواحد الذين ينطقون بالشهادتين. لقد جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة للبعد عن الغلو والتشدد والتطرف، والمتأمل في واقع الأمة اليوم يرى داء التعصب والتشدد في شبابها وناشئتها في ظل غياب الرؤية الشرعية الصحيحة، فما تشهده المنطقة هو صورة مستنسخة لما تعرضت له أوروبا في العصور الوسطى حينما سيطر عليها الجهل والطاعة العمياء لرجال الدين، وظهرت فيها الفتاوى الدينية التي تدعو للقتل والعنف والتخريب، فحصدت تلك الحروب الملايين من البشر، ودمرت كل أوجه الحياة، والمنطقة العربية اليوم تشهد نفس الحالة حين تم طرح مشروع تغيير الهوية، والمتأمل في العراق وسوريا يرى الحروب التي عاشتها أوروبا في تلك العصور!. لم تقف آلة الحرب بأوروبا إلا حينما تحرك رجال الدين المعتدلين ومحبي السلام، وقاموا بدورهم ومسؤولياتهم رغم اختلاف لغاتهم وألسنتهم ومذاهبهم وأعراقهم، فاليوم نحن في أمس الحاجة لمن يستشعر تلك المسؤولية فيتعامل من الناس على أسس المساواة والمواطنة والانتماء. لقد أصدرت وزارة العدل في السابق (عام 2009م) دليلاً استرشادياً يحتوي على آداب الخطاب الديني، وقد تضمن 14 بنداً، ولعل أبرزها: العمل على بث روح الانتماء للوطن والدفاع عن ثوابته الإسلامية وهويته العربية، احترام مبدأ المواطنة الصالحة والتعايش المشترك، مراعاة الخصوصية المذهبية واحترام التعددية تحت مظلة الإسلام وتجنب الخوض في كل ما يثير الطائفية، اتخاذ الوسطية والاعتدال في الطرح منهاجاً عاماً في الخطب والدروس الدينية وتجنب التعصب للآراء في المسائل الخلافية والدعوة إلى التسامح والتواصل والحوار واحترام الرأي الآخر، الحث على احترام النفس البشرية وحرمة الدماء والأموال والأعراض، تجنب تعبئة الناس بالفتاوى الداعية للتفسيق والتكفير، الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان، تجنب استغلال الخطاب الديني لخدمة اتجاهات سياسية شخصية أو فئوية أو لعمل دعاية انتخابية. خطباء المنابر وأئمة المحاريب عليهم مسؤولية تعزيز أمن دور العبادة، وإبعادها عما يعكر صفوها، والحذر من الخطابات التحريضية التي تثير الرأي العام أو تتسبب في حدوث مشاكل بين أبناء الوطن الواحد، ويبقى للخطيب أن يأخذ الدروس والعبر مما يجري في العراق وسوريا، وكيف أن أبناء الوطن الواحد يتقاتلون فيما بينهم، ويسفكون دماء بعضهم البعض بعد أن ذهب منطق العقل والحكمة. يجب على وزارة العدل متابعة الخطب المنبرية والدروس والمحاضرات التي تلقى بالمساجد والجوامع، فرب كلمة أشعلت نار يصلى بلهيبها الجميع، من هنا فإن المسؤولية الوطنية تحتم على الجميع اليقظة والحذر، فالعراق اليوم تحول إلى مستنقع للتعصب المذهبي والاصطفاف الطائفي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها