النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

ما كـــــان البحــــر رهـــــواً

رابط مختصر
العدد 9201 الخميس 19 يونيو 2014 الموافق 21 شعبان 1435

في أواخر العام الماضي، وفي معرض الشارقة للكتاب تحديدا، دشن الكاتب البحريني غسان الشهابي كتابه «ما كان البحر رهوا: صياغة ميثاق العمل الوطني البحريني وتداعياته». يوثق الكتاب بشيء من التفصيل لمسيرة أحداث تلك المرحلة التي تبدأ مع مطلع القرن الواحد والعشرين، وتمتد كما يحددها الكاتب من «الفترة الواقعة ما بين أواخر العام 2000 والشهور التالية المتلاحقة حتى العام 2002»، ويعتبرها «من أهم الفترات المكتظة بالأحداث الكبرى في البحرين والتي لها من التلاوين ما أجهد العيون في متابعته». وكأنه بذلك يقول إنها كانت مبهرة إلى درجة شديدة أفقدت البعض القدرة على رؤيتها على النحو الصحيح، وفي الإطار المطلوب وضعها فيه. ولا يترك الشهابي قارئه ينعم بذلك الانبهار، إذ لا يلبث أن يصدمه بعبارة تتحدى ذهنية ذلك القارئ، حين يخاطبه قائلا «اليوم تبقى للميثاق أهميته، ولكنها ليست بذات الأهمية التي خرج بها، يبقى البحرينيون المعاصرون لهذه الفترة يتذكرون الحدث الذي قر في وجدانهم، ولكن جرت مياه من بعده». فمن جانب يقر غسان بأهمية الميثاق، لكنه يعود كي يقول أيضا ان مياها قد جرت من تحته. لا تجرف الأحداث التي اكتظت بها صفحات الكتاب، ولا يمنع المنهج التوثيقي الصرف الذي تقيد به الكاتب، من خروج هذا الأخير ببعض الاستنتاجات التي تستحق التوقف عندها وقراءتها من منظار تاريخي مثل قوله «والأراشيف... كل هذا يمثل ذاكرة غنية وبالغة الثراء. فأمة بلا أرشيف تسهل زعزعتها، والكذب عليها، والبراءة من تصريحات ومواقف سابقة.... وهذا أمر منسحب على الجميع من غير تفريق». وكأنه بهذا يؤكد دور «الذاكرة التاريخية» في التأسيس لمجتمعات الأمم المتقدمة، والدور الذي تمارسه عملية الأرشفة في الإلهام لذلك التطور. على أن اول ما يستوقف القارئ هو ذلك الإهداء الذي يضيء إحدى الصفحات الأولى للكتاب، قائلا «إلى محمد كمال الشهابي ماضٍ في (هيئة وطنية) تسور حلما قبل أن يتفلت، (ويضيف)، إلى هشام الشهابي الذي رحل أثناء إعداد هذا الكتاب ... وهو مؤمن أن العناد سبيل الرشاد، (منهيا)، إلى أجيال ستأتي كي تعلم كيف صاغ أمسها يومها الذي تعيش وغدها الذي تأمل». هنا يضع الشهابي لمساته الناعمة على ذهن قارئه، عندما يحث القارئ على الربط بين تعظيم الكاتب لدور الأرشفة، ورؤيته لهذا الدور كرافعة للتواصل التاريخي للشعب البحريني الذي تعتبر مرحلة الخمسينات وما تلاها من القرن الماضي من محطاته التاريخية الملهمة، ومحمد الشهابي، وهشام الشهابي من رموزها الوطنية البارزة. ويصر الشهابي التأكيد على ما حققته البحرين خلال مرحلة صياغة «ميثاق العمل الوطني»، ويبرز أهمية ذلك الميثاق ودوره الإيجابي في إخراج البحرين من نفق مرحلة «قانون أمن الدولة» السيئ الصيت وتلبيته –الميثاق– لطموحات شعب البحرين التي كانت «تود لو تنتهي فترة الترقب لتعود الحياة الديمقراطية من جديد، ويجري رفع القيود عن المواد المجمدة أو المعلقة في الدستور الذي طال تعليقها ربع قرن بفعل حالة الطوارئ وقوانينها، ومحكمتها التي ارتبطت بأمن الدولة»، ويربط بين هذه المرحلة النضالية وتلك التي عرفتها الحياة السياسية البحرينية خلال قيادة «هيئة الاتحاد الوطني لها»، ويضع ذلك في إطار دعوة صريحة مناهضة لكل من يحاول تزوير نضالات الشعب البحريني. إذ يؤكد الشهابي أنه «ليس من الصواب أو الإنصاف التأريخي لديسمبر من العام 1994، على أنه بداية التحركات الشعبية لمطالبات مختلفة... ففي النصف الثاني من القرن العشرين كانت هيئة الاتحاد الوطني التي استطاعت أن تملي شروطها على المستشار البريطاني». ويجهد الكاتب نفسه كي يستخلص بعض النتائج المنصفة بحق الميثاق الذي يعتبره نقلة نوعية إيجابية في تاريخ البحرين السياسي المعاصر، فنجده بين الصفحة والأخرى يخرج بعبارات مثل «كان الميثاق سلما للمتغيرات التي أتت بعده. فإن صحت القاعدة (ما بني على باطل فهو باطل)، تصح أيضا عند القول (ما بني على حق فهو حق)». في تلك العبارة دعوة واضحة مغايرة لتلك النظرات التي تصر على أن ترى الميثاق من مدخل سلبي محظ. يتوقف الكتاب عند بعض المطبات التي اعترضت سكة قطار ميثاق العمل الوطني مثل استقالة مجموعة بلغ عددها ثمانية من أعضاء لجنة صياغة الميثاق، لكن نتيجة محادثات بين أحد الوزراء معهم، «تراجع اثنان من الستة (جاسم فخرو وعبد الغفار حسين). واستمر الأربعة (حس رضي، وعبدالعزيز أبل، وعلي الأيوبي، وعبدالله الشملاوي) المجموعة كانت ثمانية في الأصل، إذ كان من بين أفرادها تقي البحارنة، ويوسف زينل». ولا يمكن لقارئ الكتاب أن يفصل بين مادته الغنية بالأحداث، وبين تلك المقدمة المكثفة التي كتبها د. باقر النجار، الذي وجد ان ميثاق العمل الوطني، بقدر ما «خلق حالة (من) الانفراج السياسي»، لكنه بالقدر ذاته، وفي الوقت ذاته «مثل تحديا سياسيا مهما، ليس على صعيد طبيعة علاقة (مؤسسة الحكم) بالخارج وحسب، وإنما من حيث هي كذلك طبيعة القوى القائمة داخل مؤسسة الحكم». وينطلق النجار من ذلك كي يضع ما جرى في البحرين في تلك الفترة في نطاقه الإقليمي الصحيح، حيث نجده يقول «إن نمو وتطور تجربة البحرين، قد يبقى محكوما بنمو وتقدم تجارب أخرى إقليمية». بقيت نقطة لا بد من لفت القارئ لها، وهي عنوان الكتاب «ما كان البحر رهوا»، الذي اشتق، بذكاء – من نص ورد في القرآن الكريم في «سورة الدخان». لقد صيغ ذلك العنوان بذكاء يرغم على التوقف عنده، ولا أريد ان أحرم القارئ من متعة التمعن فيه والخروج باستنتاجاته الذاتية له.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها