النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

سعد زهران وأسئلة العمر الصعبة

رابط مختصر
العدد 9201 الخميس 19 يونيو 2014 الموافق 21 شعبان 1435

عرفت “سعد زهران” في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد أسابيع من مغادرته “معتقل الواحات” بعد أن أمضى به، مع مئات غيره من الشيوعيين المصريين ما يزيد على خمس سنوات بدأت في ليلة رأس السنة عام 1959، كاحدى تداعيات الخلاف الذي نشب آنذاك بين “عبدالناصر” وبين “الحزب الشيوعي السوري”، الذي تحفظ على الوحدة المصرية السورية، وغاب رئيسه “خالد بكداشي” عن الجلسة التي صدق فيها “مجلس النواب السوري” على اتفاقية الوحدة، إذ كان الحزب يطالب بأن تكون الوحدة فيدرالية لا اندماجية، ويعترض على حل الأحزاب السورية خاصة التقدمية منها، ليحل محلها التنظيم الواحد الذي كان قائما في مصر آنذاك وهو “الاتحاد القومي”. وكان الذي دعاني وصديقا لي إلى لقاء “سعد زهران” هو شقيقه الأصغر “خالد” الذي كان زميلا لنا في الدراسة، وكان قد اعتقل هو الآخر أثناء دراسته الثانوية ثم اعتزل العمل السياسي.. وقد رحبنا بالدعوة لنلتقي بأحد الرجال الذين كنا نوزع منشورات سرية، تفضح ما يلقونه من هول في معتقلات “الاوردي” و”أبوزعبل” و”الواحات” ونطالب بالإفراج عنهم. وعلى امتداد الساعات التي استغرقتها المقابلة، بدا لي “سعد زهران” متفائلا بما كان يحدث في مصر أيامها، فخلال السنوات التي أمضاها خلف الأسوار، تغيرت الأوضاع السياسية نحو الأفضل، فاعترف “عبدالناصر” –بعد انقلاب 1961 الذي أسفر عن تفكيك الوحدة المصرية السورية– بأنه أخطأ حين تسرع باتمام الوحدة الاندماجية، بدلا من الوحدة الفيدرالية وحين اشترط حل الأحزاب السورية التقدمية أسوة بما حدث في مصر، وحين هادن الرجعية التي أيدت الوحدة، لكي توقف زحف الثورة، ثم انقلبت عليها عندما أصدرت قرارات يوليو الاشتراكية عام 1961، وفضلا عن ذلك صدر ميثاق العمل الوطني عام 1962، الذي نص بوضوح على أن “الاشتراكية العلمية” هي نظرية الثورة، وتغير اسم “الاتحاد القومي” إلى “الاتحاد الاشتراكي”. وكان الذي يشغلنا هو السؤال حول المبررات التي تستند إليها المنظمات الشيوعية المصرية، في الاتجاه لحل نفسها والاندماج في التنظيم الثوري الموحد، وهو “الاتحاد الاشتراكي”، ولم يبد “سعد زهران” حماسا للدفاع على هذا الاتجاه، أو حماسا لمعارضته، ولكنه أعطانا نسخة من دراسة ضخمة تقع في مائة صفحة من قطع الفولوسكاب، كتبت بالآلة الكاتبة ببنط صغير بعنوان “حول تطور مفهوم الاشتراكية في عصرنا الراهن”، كتبها -كما نص في ذلك على غلافها- المفكر المعروف “محمد سيد أحمد” كانت تتداول بشكل علني بين المعنيين بالأمر، وتشرح الأساس النظري الذي يستند إليه الاتجاه إلى حل المنظمات الشيوعية المصرية في تلك المرحلة، وتنطلق من أن حركات التحرر الوطني في عصر انتصار الاشتراكية، قد أصبحت على العكس مما كان عليه الأمر من قبل ان تتجه إلى إقامة نظم لا رأسمالية سوف تقودها حتما نحو الاشتراكية، وأن على الشيوعيين أن يتحالفوا معها، ويعملوا ضمن أطرها التنظيمية، لدفعها إلى هذا الاتجاه، ليتحقق الانتقال إلى الاشتراكية بشكل سلمي. وفي هذا اللقاء أو في لقاء آخر بعد أسابيع، اخطرنا “سعد زهران” بأن “الاتحاد الاشتراكي العربي”، يعد لتأسيس “منظمة الشباب الاشتراكي” بإشراف زكريا محيي الدين نائب رئيس الجمهورية آنذاك، وينظم لهذا الغرض معسكرات للتثقيف، تعد كوادر تتولى قيادة المنظمة، وأن صديقا له من اليساريين –هو د. محمد الخفيف– طلب إليه أن يرشح شبابا لديهم اتجاهات اشتراكية للانضمام إلى المنظمة، وأن شقيقه “خالد” رشحنا له، وهو يسألنا عما إذا كنا نرغب في الانضمام إلى هذه المعسكرات، حتى يرشحنا لصديقه وكانت اللهجة المحايدة التي ساق بها السؤال، وكأنه يتنصل من أي مسؤولية عن موافقتنا على العرض، هي التي دفعتنا –مع أسباب أخرى– للاعتذار عن قبوله لأسباب بدت غير منطقية، ولكنه تقبلها ببساطة ودون مناقشة وكأنه كان يخشى أن نقبل. في تلك السنة 1964 – كان “سعد زهران” قد اقترب من الأربعين يكبرنا بأكثر من ثلاثة عشر عاما، وكانت وراءه تجربة ثورية عريضة، جعلت اسمه يبرز علي ساحة النضال الوطني منذ كان –في منتصف أربعينيات القرن– طالبا في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول “القاهرة الآن”، خاصة عندما شارك بفاعلية في تأسيس “اللجنة الوطنية للطلبة والعمال” التي قادت انتفاضة 1946، وساهمت في اسقاط مشروع “معاهدة صدقي/بيفن” رسخِّت عددا من القيم السياسية التي لايزال معظمها قائما منذ ذلك الحين في السياسة المصرية، مثل الربط بين جلاء الاحتلال العسكري البريطاني وبين جلاء الاحتلال الاقتصادي الأجنبي، وبين ذلك وبين رفض الاحلاف الأجنبية والقواعد العسكرية، والربط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وهي القيم التي اعتمدتها بعد ذلك ثورة 23 يونيو 1952، على الرغم من الصدام الذي وقع بينها وبين الذين رفعوها أثناء انتفاضة 1946 ومن بينهم “سعد زهران”. وكان “سعد زهران” أحد الذين شاركوا بدور بارز في تأسيس “التكتل الثوري” الذي انشق عن حركة “حديتو” - أكبر المنظمات الشيوعية المصرية آنذاك وأكثرها جماهيرية - داعيا إلى تمصير المنظمة، وتسليم قيادتها إلى عناصر مصرية، وإلى اجلاء العناصر الأجنبية التي شاركت في تأسيس الحركة وتولت قيادتها – عن صفوفها، وهو انشقاق ساهمت ظروف حرب فلسطين الأولى لعام 1948 في توسيع نطاقه، حتى شل قدرة “حديتو” على النشاط بشكل شبه كامل. لكن ذلك لم يحل بين “سعد زهران” واثنين آخرين من رفاقه السابقين في “حديتو” وبين السعي لتأسيس منظمة شيوعية جديدة تكون قيادتها للمصريين دون غيرهم، وقادهم البحث إلى “د. فؤاد مرسي” أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية الذي كان قد عاد لتوه من بعثة إلى فرنسا حصل خلالها على الدكتوراة في الاقتصاد، وكان قبل سفره للبعثة قد نشط في مجال العمل السري في حلقة ماركسية محدودة، عندما عرفوا أنه أعد دراسة بعنوان “تطور الحركة الوطنية وصراع الطبقات في مصر” تناول تحليلا ماركسيا لتاريخ مصر السياسي والاجتماعي منذ الحملة الفرنسية حتى ذلك الحين، فاقنعوه بأن تكون هذه الدراسة أساسا لإنشاء تنظيم “الحزب الشيوعي المصري” الذي عرف بعد ذلك باسم “حزب الراية” نسبة إلى جريدته السرية “راية الشعب” أكثر المجلات الجماهيرية التي ظلت تصدر بشكل أسبوعي منتظم لسنوات متصلة، وتطبع بحروف المطبعة، وكان أصدارها –وغيرها من مطبوعات الحزب– يقع ضمن مسؤوليات “سعد زهران” لفترة طويلة، نجح خلالها بحكم مواهبته التنظيمية في تأمينها ضد غارات الشرطة، وفي عام 1953، وأثناء تفتيش منزل أحد أعضاء الحزب، لاحظ الذين كانوا يفتشون شقته، وكانت تقع بالدور الأرضي، بروزا لبعض بلاطات تقع تحت سريره، وما كادوا يرفعونها حتى وجدوا أنفسهم أمام باب يقود إلى حجرة أقيمت تحت الأرض، تضم مطبعة كاملة، تشمل لوحة للحروف، وماكينة للطباعة وآلاف الأوراق المطبوعة، وشخصا يجلس على منضدة صف الحروف يعمل بهدوء على صف منشور يدعو إلى الثورة ضد النظام! وطبقا لما يقوله ابنه الأوسط “فريد زهران” –أحد قادة الحركة الطلابية المصرية في السبعينيات ونائب رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي المصري الآن– فقد أمضى “سعد زهران” حياته السياسية رجل تنظيم وحركة، ولم يشغل باله بالتنظير إلا في أواخر فترة اعتقاله، حين كتب عام 1961 في معقتل الواحات، دراسته الرائدة “التعاليم الليبرالية في الثورة العرابية” في محاولة لإعادة قراءة التاريخ المصري، وهي دراسة كان من حسن حظي أنه اطلعني عليها في أحد لقاءاتنا الأولى، وكنت أيامها أبحث في تاريخ الثورة العرابية، فنظمت تفكيري، وجعلتني أعيد النظر في البحث الذي نشر بعد ذلك في كتابي “الثورة العرابية”. وذات يوم من أواخر عام 1967 التقيت به مصادفة في مقر مجلة “الطليعة” –المنبر اليساري الذي كان يصدر عن مؤسسة “الأهرام” ليكون– كما قال لي “سعد” يومها متفكها بمرارة –معتقلا عصريا لليسار الماركسي بديلا عن سجن الواحات– والذي وافقت أجهزة الأمن على إلحاقه بالعمل به، بعد أن رفضت عودته إلى عمله الأصلي في التدريس، ولم تكن قد مضت سوى أسابيع على مغادرتي المعتقل، وبعد أن سألني باهتمام عن السبب، وناقشني في بعض ما ورد في المقال الذي كتبته وجئت لأراجع تجربة طباعته سألته عن السبب الذي يدعوه إلى تجنب الكتابة في الشؤون المصرية، فأشار بيديه وزم شفتيه، وكأنه يقول لي: وهي دي عاوزه سؤال؟.. ثم تناول عدد صحيفة “الأهرام” الذي كانت أمامه، وكأنه يحاذر من أن يسمعه أحد ممن حولنا كتب على هامش إحدى صفحاته عبارة تقول: كل إنسان يحاول أن يأخذ الأمور بشكل جدي في هذا البلد، سرعان ما يجد نفسه ينحت في الصخر.. أو يغني في الفضاء! بعدها بأسابيع، عدت إلى المعتقل، وغادر هو القاهرة، إلى الجزائر ليظل ستة عشر عاما، يعمل فيها بالصحافة ويدرس العلوم السياسية، ويتأمل في مسيرته العسيرة من أجل وطن تستقيم أحواله، حتى لا يجد كل من يأخذ الأمور فيه بشكل جدي نفسه ينحت في الصخر، أو يغني في الفضاء، وأظن أن ذلك ما ظل يفعله خلال الأعوام الثلاثين التي مضت بعد عودته من منفاه الاختياري في عام 1984 ولعله قد وجد فيما حدث في 25 يناير و30 يونيو إجابة عن أسئلة العمر الصعبة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها