النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

التمرد ليس من الحضارة

رابط مختصر
العدد 9196 السبت 14 يونيو 2014 الموافق 16 شعبان 1435

كن حرا، انسلخ من كل ما يقيدك، ابحث عن ذاتك، استفتِ قلبك حتى لو كانت فتواه ضد عادات نشأت عليها أو تقاليد تلزمك على فعل ما لا تريد.. ولكن لا تتمرد على قيم تربيت عليها أو نشأت في رحابها مثل أولئك الذين يتمردون على قيم المجتمع بحجة انها لا تعجبهم او تسير على هواهم، فتلك القيم التي يتجاهلونها الآن هي أصل الحضارة وروحها، ومن يحاول الانسلاخ منها إنما ينسلخ من جسده ليكون مسخا وليس إنسانا. فالإنسان الحق هو الذي يتمسك بالوازع الديني ولا يخضع للغزو الثقافي الذي يسمونه «التحرر الفكري» او «التحرر الثقافي»، والحقيقة انه استعمار فكري وثقافي وليس تحررا كما يدعون. فالوازع الديني هو الحصن الحصين للحضارات والثقافات الأصيلة، لأن الدين هو الرادع من كل سوء او وافد الينا يكون خطرا علينا وعلى أخلاقنا وثقافاتنا وقيمنا، وقد نعرج هنا بالمناسبة الى ضرورة تذكير مؤسساتنا الثقافية والدينية، بضرورة عدم التخلي عن دورها المنوط بها. فعندما تقوم تلك المؤسسات بمهامها المعهودة، فإن لها دورا كبيرا في تدعيم القيم الثقافية للمجتمع، حتى لو اطلقنا عليها اسما افتراضيا هو «عادات وتقاليد»، رغم ان تلك العادات والتقاليد ربما تكون من القيم الدينية، او تكون دخيلة على جيل مضى وتمسك بها بالخطأ الى ان صدرها لأجيال لاحقة حتى أصبحت عادات وتقاليد يصعب التخلي عنها. وبمناسبة هذا القول، فإن جيل الشباب الذي يدعي أحيانا انه ينتمي الى الحضارة المعاصرة بتقليده ومحاكاته لقيم غربية، فهو يسير في طريق خطأ، لأن الحضارة في أصلها هي كل ما يفيد المجتمع ويضيف الى قيمه الإيجابية وسلوكياته وعاداته وتقاليده ، والأهم الا يحيد عن الدين. ومن الخطأ ان نرى البعض يسلك طرقا غريبة بتقليد أعمى لسلوكيات وافدة او قادمة من الغرب عبر الإنترنت او الأفلام الأجنبية او بمجرد رحلة الى دولة ما وسرعان ما يتمسك بعاداتها ليترك ما تربى عليه وسلوكيات ترعرع عليها وتقاليد نشأ في وجدانها، ثم للأسف يأتي الينا بعد بضعة أيام او أشهر ليدعي اننا مجتمع رجعي، هذا إن استخدم لغة مؤدبة ومقبولة، وثمة من هم عكس ذلك، فنراهم يرجعون مستخدمين سلوكيات خاطئة ثم يدعون اننا «متخلفون» عن الركب الحضاري. في حين انه لو نظر هؤلاء «المستغربون» للسلوكيات التى تمسكوا بها مقابل تركهم عاداتنا وتقاليدنا، لاكتشفوا زيف ما جاؤوا به الينا، وأنهم هم الخاسرون وليس نحن. والأمثلة كثيرة لا حصر لها ولكن المقام لا يسع لذكرها. وهؤلاء هم الذين يتعرضون لصدمة حضارية عندما تصطدم أفكارهم وقيمهم وموروثهم الثقافي والاجتماعي بحضارة أخرى غير التي نشؤوا عليها. فالشاب الذي يعتقد انه ينتمي الى دائرة حضارية غربية بحجة انها الحضارة المعاصرة ثم يسارع بتقليدها ومحاكاتها لا لشيء سوى التنصل من قيمه التي نشأ فيها، فهذا ينسلخ من مجتمعه ولا يحق له ان يعيش فيه، ويأتي هنا دور المؤسسات الثقافية والتربوية والدينية كما أسلفنا لتعيد له ثقته في نفسه وفي قيمه وفي حضارة أجداده. فليس هناك حضارة قديمة وحضارة معاصرة، وإنما هناك قيم يجب التمسك بها والحفاظ عليها وعدم إهدارها بحجة ما يسمونه زيفا بـ «الحداثة». وإذا كنا نحض على التمسك بالقيم، فهذا لا يعني اننا لا نتخلى عن القديم، فإذا كان هذا القديم او التقاليد تضرنا في حاضرنا او لا يتماشى معه، فهنا يكون التخلي عنه ضرورة بل وأمرا حتميا أيضا. ولكن المشكلة ان الغرب سعى طويلا الى تصدير مفاهيمه وتقاليده وما يطلق عليه «الحريات العامة» الينا نحن المشرقيون، فهذا لم يكن سوى سعيا منه للسطو علينا، ليس كاستعمار فكري فقط، وإنما لتصدير أنماطه وعاداته السيئة لفرض سيطرته على شبابنا واستلاب عقولهم وملئها بافكاره وعاداته وتقاليده الغربية التي لا تتناسب مع قيمنا المتأصلة فينا. والعيب هنا ليس في الغرب، وإنما فيمن ترك نفسه وعقله وقلبه وكل كياته في قبضة الآخر ليسيطر عليه ويضعه تحت الميكروسكوب لاخضاعه لفكره. وكان حريا بجيل الشباب تحديدا محاربة هذا الاستعمار، بل السعي الى تقليد الغرب في أسباب نجاحه وتقدمه علينا في مجالات شتى. بيد أن كلامي لا يعني أنني مع التسليم بما وضعه المجتمع بما أسماه بـ «المحرمات» او ما يطلق عليها الغرب «التابو «، فالمحرمات او نظيرتها الغربية ما هي سوى كلمة استخدمها البعض كفزاعة لنا إذا أردنا مثلا تغيير شيء ما الى الافضل، ولكن هؤلاء لا يريدون لنا هذا التطور، وعلى سبيل المثال، انه كان قديما لا يناقش الابن إباه في شيء جريا على عادة «المحرمات» المتوارثة فالابن يجب ان يقبل بنصيحة الوالد ولا يناقشه فيها. ولكن في وقتنا المعاصر تغيرت الظروف وأصبحت المشورة واجبة مع الاحتفاظ بحكمة العمر التي لا يضاهيها حكمة على اعتبار ان السنين خير معمل للإنسان وتترك لديه خبرات متراكمة تمنحه معرفة حياتية. وبالتالي، أصبحت المشورة واجبة بين الأجيال، بل وصارت شكلا من أشكال التحرر الحضاري الذي يفرضه الواقع للتعبير عن الجديد في اطار الالتزام بما هو موجود او يكون إضافه له. لقد بحثت في مراجع شتى عندما فكرت في الكتابة عن العادات والتقاليد والقيم وضرورة الحفاظ عليها، وخرجت بنتيجة مهمة جدا حول النزاع بين الاجيال بشأن التقاليد والتجديد والتحديث، وهذا يعود في الأساس الى تراجع الألفة الاجتماعية التي كانت تحكمها قيم وعادات وتقاليد المجتمع. هذا التراجع في الألفة الاجتماعية أدى الى انتكاسة في السلوكيات والقيم التي كانت سائدة في المجتمع، وبما يؤدي أيضا الى حدوث فجوة كبيرة بين المعرفة الثقافية والاجتماعية بين الأجيال، فالكبار اعتادوا نمطا معيشيا يحكمه الأكبر منهم سنا بقيمهم الرمزية، بينما الشباب لم يعد يستسيغ هذه القاعدة، وما دام أن الحالة صارت على هذا النحو، فإن هؤلاء الشباب أخذوا لأنفسهم أنماطا جديدة من العادات او القيم لم يستسغها جيل الكبار لكونهم يرونها سلوكات منافية لقيمهم التي نشؤوا عليها. ونحن لا ننكر حق الشباب في الاستقلال عن الكبار لان هذا حق طبيعي لا ينازعه فيه احد، فالحرية مصانة وليس من الوصاية المجتمعية ان نفرض حكرا ثقافيا واجتماعيا على الشباب. ولكن يجب ان ندعه يفكر ويستخدم عقله وموروثه الثقافي والعلمي للقبول بقيمنا ولكن دون ان يقدموا على انتهاك انتماءاتنا الثقافية والاجتماعية والدينية، لأن هذا سيكون خرقا للمجتمع نفسه ولقيمه المتوارثة والتي لا يجب الاقتراب منها لأنها هنا تعدت العادات والتقاليد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها