النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

عيد الإذاعة المصرية.. بين النكسة والنهضة

رابط مختصر
العدد 9194 الخميس 12 يونيو 2014 الموافق 14 شعبان 1435

احتفلت الإذاعة المصرية في الأسبوع الماضي بالعيد الثمانين لتأسيسها، حين قررت الحكومة المصرية أن تحتكر البث الإذاعي وألا تسمح لأحد غيرها بأن يبث برامج إذاعية وان تلغى محطات الإذاعة الأهلية الكثيرة التي كان يديرها هواة على امتداد الأعوام العشرة السابقة، وأن تعهد إلى «شركة ماركوني»- وهي شركة بريطانية كانت تحتكر إرسال التلغرافات - بالإدارة الفنية لمحطتها لينطلق في 31 مايو 1934 أول صوت يقول: هنا القاهرة. وخلال سنوات قليلة أحدثت الإذاعة اللاسلكية للحكومة الملكية المصرية - كما كانت تسمى آنذاك- انقلابا في حياة المصريين كان ضحيتها الأولى هم «شعراء الربابة» الذين كانوا يشكلون آنذاك طائفة كبيرة تنشد في المناسبات الاجتماعية كالأفراح وحفلات طهور الأولاد والعودة من الحج والمناسبات الدينية كمولد النبي وموالد أولياء الله ويستعين بهم أصحاب المقاهي في جذب الرواد إلى مقاهيهم وإليهم يعود الفضل في ابتكار ما عرف - بعد ذلك - بدراما المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، إذ كان كل مقهى يتعاقد مع واحد منهم لكي يروي كل ليلة فصلا من إحدى السير والملاحم العريقة الشهيرة، كالسيرة الهلالية، أو سير كل من «سيف بن ذي يزن» و«الظاهر بيبرس» و«عنترة العبسي» ليتوقف الشاعر كل ليلة عند مأزق يقع فيه البطل أو حادث ينبئ بأن الأحداث ستتطور في اتجاه مختلف عما كانت تسير فيه من قبل، معلنا أنه سيكمل رواية القصة في الليلة التالية لترتفع أصوات رواد المقهى تلح عليه باستكمال القصة فيرفض ويسانده صاحب المقهى داعين من يرغب في معرفة كيف يتخلص البطل من مأزقه للحضور في اليوم التالي. وبدخول الراديو إلى المقاهي لم تعد في حاجة إلى «شعراء الربابة» لكي يجتذبوا إليها الرواد إذ كانت برامجه على محدودية عدد ساعات الإرسال آنذاك، أكثر تنوعا وأكثر جاذبية، ففضلا عن قراءة القرآن الكريم كانت هناك الأحاديث الأدبية والفكرية التي يذيعها كبار الكتاب والمثقفين ومنهم «طه حسين» و«العقاد» و«زكي مبارك» و«محمد حسين هيكل» و«فكري أباظة»، الذي كان يذيع أحاديثه بالعامية المصرية، و«أحمد حسن الزيات» و«أحمد أمين» وعشرات غيرهم، وكانت هناك الأدوار والطقاطيق والمونولوجات وغيرها من ألوان الغناء التي تبثها الإذاعة بأصوات مشاهير المطربين الذين لم يكن سماعهم متاحا إلا لفئات محدودة من الناس تمكنهم مواردهم من شراء فونوغراف ومن اقتناء اسطوانات المطربين الذين يفضلونهم أو دفع ثمن تذكرة في أحد المسارح أو السرادقات التي يغنون فيها، فأتاحت الإذاعة لرواد المقاهي الشعبية سماعهم مجانا، وحققت شهرة واسعة لمطربين مثل «أم كلثوم» و«عبدالوهاب» و«فريد الأطرش» و«أسمهان» و«منيرة المهدية» وأتاحت الفرصة أمام كل المواهب الغنائية من الأجيال التالية، لكي تتواصل مع الناس، ولا تزال تفعله حتى الآن، بما في ذلك ما تبقى من شعراء الربابة، الذين أجلتهم عن المقاهي في الثلاثينيات ثم استطاعوا - منذ منتصف الخمسينيات - أن يجدد لهم مكانا على خريطة البث الإذاعي حين تجدد الاهتمام بإحياء التراث الشعبي! ولم يكن اقتناء جهاز الراديو سهلا أو ميسرا على الطبقات الشعبية في البداية، فضلا عن ثمنه الذي كان يفوق مقدرة هذه الطبقات على شرائه، كانت هناك ضريبة يدفعها للحكومة كل من يقتني جهازا من هذا النوع، وكان الأمر أكثر صعوبة في القرى حتى بالنسبة للطبقات القادرة لأن الراديو كان يدار بالكهرباء التي لم تكن قد وصلت إليها إلى أن بدأ استخدام أجهزة الراديو التي تدار - كالسيارات بالبطارية السائدة، فانتشر الراديو بين الطبقات القادرة في الريف وكان على كل من يملك جهاز راديو من هذا النوع، أن يرسل البطارية مرة كل شهر إلى أقرب مدينة له حتى يتم شحنها من جديد إلى أن اكتشفت البطاريات الجافة، وأقيم لها مصنع في مصر فارتاح أهل الريف الكرام من عناء البحث عمن ينقل البطارية على ظهر حماره إلى أقرب مدينة ليشحنها.. ثم دخلت الكهرباء معظم القرى المصرية، فأعفتهم من عناء البحث عن البطاريات الجافة التى كانت تشح أحيانا في الأسواق بسبب نقص الإنتاج أو نقص ذمة التجار الذين كانوا يخفونها لكي يبيعوها في السوق السوداء بضعف سعرها. وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952 لم يكن عدد الساعات التي تبثها محطة الإذاعة اللاسلكية للحكومة الملكية المصرية يزيد على عشر ساعات، بين السابعة صباحا والحادية عشرة والنصف ليلا تتخللها فترات توقف عند الضحى وفي بداية المساء وبعد عام واحد من قيام الثورة كانت قيادتها قد انتهت إلى أنه لا مفر أمامها، وهي لا تملك حزبا سياسيا ولا تفكر في الاعتماد على الأحزاب من الاعتماد على الإذاعة كإحدى أهم أدواتها الرئيسية في الاتصال بالناس والتأثير فيهم وحشدهم خلف قيادتها لتحقيق أهدافها كثورة وطنية تحررية، تسعى لتحرير مصر والأمة العربية من الاحتلال الأجنبي سواء كان مباشرا على شكل قواعد عسكرية أو غير مباشر على شكل أحلاف دفاعية وسياسية مع الدول الكبرى فمددت مدة الإرسال تدريجيا لتصل إلى 24 ساعة وتغطي كل ساعات اليوم وقامت بتقوية محطات الإرسال لتصل بوضوح إلى كل الأراضي المصرية، وبدأت ببث برنامج «صوت العرب» ليتوجه إلى الشعوب العربية ويتبنى قضاياها ويتابع أخبار نضال شعوبها ضد القوى الأجنبية، ويتابع أخبار نضالها من أجل التحرر وبعد فترة قصيرة تحول من برنامج لا يستغرق سوى نصف ساعة يوميا إلى محطة مستقلة تبث على امتداد ساعات اليوم. وتيسيرا على الناس وتحفيزا لهم على الاستماع لبرامج الإذاعة ألغت حكومة الثورة الضريبة التي كانت مفروضة على اقتناء أجهزة الراديو وما كاد الراديو الترانزستور يظهر حتى أسرعت المصانع الحربية المصرية تنشئ مصانع لإنتاجه ولإنتاج البطاريات الجافة الصغيرة والرخيصة التي يدار بها وخلال سنوات قليلة انتشرت أجهزة الراديو بين أهل الريف الكرام، وبعد أن كانت حيازة هذه الأجهزة قاصرة على بيت عمدة - أو مختار- القرية ، وعدد قليل من الأعيان، أصبحت بين يدى الجميع ونشرت الصحف فى الستينيات صورة فلاح مصري يحرث أرضه على قرن الجاموسة التي تدير المحراث لكي يسلي نفسه بسماع نشرة الأخبار، وسماع «أم كلثوم» وهي تغني «ثوار ولآخر مدى ثوار/ مطرح ما نمشي يطرح النوار». وفيما بعد قال البعض ان قرار تأسيس الإذاعة اللاسلكية للحكومة الملكية المصرية، الذي صدر في 31 مايو 1934، كان بداية سيطرة الحكومات المصرية وبالتالي العربية على أجهزة الإعلام وأن إلغاء المحطات الإذاعية الأهلية التي كانت قائمة حتى ذلك الحين كان نكسة لحرية الإعلام ترتب عليها بعد ذلك نكسة 1967 التي كان إعلام التعبئة وبالذات ما بثته الإذاعة المصرية خلال حرب الأيام الستة من أكاذيب بهذه خديعة الشعب وإخفاء الحقائق عنه السبب الرئيسي في حدوثها، وقال آخرون ان المحطات الإذاعية الأهلية التي ألغيت يوم ذاك لم تكن عملا إعلاميا احترافيا يدعو للاحترام لكنها كانت مجرد وسيلة للارتزاق وكان مديروها يتبادلون السباب على الهواء مع منافسيهم. وقال فريق ثالث: قد يكون ما يقوله هؤلاء وأولئك صحيحا لكن نصف الكوب الممتلئ يؤكد أن الإذاعة المصرية الرسمية لعبت دورا مهما في امتناع الشعب وتثقيفه وشحذ وعيه للاهتمام بالقضايا العامة.. وحشده للدفاع عن كثير من القضايا العادلة. أما المهم فهو أن العيد الثمانين للإذاعة المصرية يحل بعد شهور من الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أباحت للمصريين حق إنشاء محطات الإذاعة وقنوات التلفزيون الخاصة وألزمت الدولة بضمان استقلال كل أجهزة الإعلام التي تملكها حتى تكون ساحة للحوار بين كل الأحزاب والتيارات والمصالح الاجتماعية. وبذلك استدرك المصريون الخطأ الكبير الذي وقع في 31 مايو 1934 واحتفظوا بالصواب الكثير الذي حدث في ذلك اليوم!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها