النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الهروب الجماعي إلى الطائفية

رابط مختصر
العدد 9193 الاربعاء 11 يونيو 2014 الموافق 13 شعبان 1435

الهروب الجماعي إلى الطائفية أو تحويل المذهب إلى هوية سياسية قامت تجربة العراق الكارثية بعد الاحتلال الأمريكي وبسط الهيمنة الإيرانية الكاملة على هذا البلد على مأسسة الطائفية السياسية بقلب المعادلة من الوطنية العراقية «وفي ظل دولة مدنية مركزية قوية» الى اعتبار الطائفية مفتاح العمل السياسي، واعتبار الأحزاب «الطائفية- السياسية» مجرد تمثيليات طائفية أكثر من التركيز على التغلّب على الانقسامات الطائفية المستحكمة في القواعد والممارسات الخاصة بالعملية السياسية، وفي ظل هذا الوضع سيطر الطائفيون الموالون لإيران على جهاز الدولة، في حين أصبحت المؤسّسات عبارة عن إقطاعيات للأحزاب المتصارعة التي تتنافس على السلطة والموارد والمنزلة بما ولد حالة من مشاعر الاغتراب والنفور لدى قطاعات واسعة من المواطنين مما يحول دون بناء الشرعية السياسية المطلوبة لبناء المصالحة والاستقرار ودولة المواطنة المتساوية. هذا النموذج العراقي الكارثي الذي فرخ الحروب الطائفية والتوتر والتقاتل وانهيار الدولة هو ما يراد نشره وتعميمه لأنه نجح في تحويل الطائفية الى هوية سياسية، ولذلك بدأنا نشاهد ونلمس ما يمكن ان نسميه ساندروم «العراق» الجديدة الذي تمثل حكومة المالكي صورته الأكثر استفزازا. هذا الساندروم بدأ ينتشر في المنطقة في شكل وباء وأصبح من الطبيعي ان نعثر على تحولات عجائبية ومفارقات مدهشة من نوع تحول اليساري إلى أصولي وتحول القومي العروبي إلى انعزالي قطري، ولا يمكن ان يفهم ذلك ضمن التحولات الفكرية، في سياق التطور الطبيعي او التحول المفاجئ الذي قد يصيب الأفراد والجماعات الحزبية خلال تعاملها مع الواقع المتغير، بل ضمن الساندروم الطائفي الجديد، الذي من مظاهره تحول الماركسي إلى طائفي، يعلن عن طائفيته صراحة، وتحول القومي العربي الذي أمضي نصف حياته ينظر للوحدة العربية إلى طائفي مهووس بالطائفية، فتلك مفارقة غير معتادة، شهدنا بعض فصولها المؤلمة في التراجع عن الثوابت العربية وحتى عن القيم والثوابت الديمقراطية الراسخة ـ أو التي يفترض أن تكون راسخة - في الحياة السياسية. تلك مفارقة تدفعنا إلى الشك حتى في أصالة الفكر الذي كان يدعي هؤلاء تبنيه، بل ونجد صعوبة بالغة في الحصول على تفسير منطقي وعقلاني لمثل هذه التحولات الغرائبية، الا ضمن سياق الانتهازية السياسية، أو التستر والتجلي بحسب الأحوال والحالات والمصالح. إن مثل هذه المفارقة في جانبها المتعلق بالانتقال إلى الطائفية في مواجهة ثوابت الهوية الوطنية والقومية تطرح ثلاث إشكاليات: - الأولى تتمثل في أن هذا النكوص قد يكون مفهوما في ظل ما تعرض له العرب في العقود الأخيرة من تدمير منهجي وما رافق ذلك من تراجع في الفكرة العروبية لدى النخب والجماهير على حد سواء، ولكن أن يتم الخلط بين العروبة كهوية سياسية وبين العروبة كتجربة سياسية قومية لبعض الأحزاب والحركات في تاريخ العرب المعاصر، فأمر لا يمكن القبول به على الأقل بين أوساط النخب الفكرية والسياسية، خصوصا ان هذه العملية تتم في الغالب من دون إجراء عملية فصل واضحة بما يجعل من المتعسر توضيح كيف يمكن للعروبة أن تكون المخرج الوحيد المتصور للأزمة الطائفية المتفشية بين نخبنا وحتى داخل أوساط المجتمع. - الثانية تتمثل في هذا الهروب الجماعي نحو الطائفية، خصوصا بعد انهيار الدولة العراقية وبناء دولة طائفية على أنقاضها، حيث أصبح هذا النموذج الجديد الذي تم بناؤه بالتعاون بين الأمريكان والإيرانيين والقوى الطائفية داخل العراق، له إغراءاته واغواءاته لبعض التجمعات الطائفية في أكثر من مكان، مشجعا بموجة الثورات والانتفاضات العربية، من ناحية، وبفشل اغلب الأنظمة العربية في تحقيق وبناء الديمقراطية او نموذج للمشاركة جاذب ومقنع. - الثالثة: أن هذا الهروب الجماعي إلى الطائفية مصاحب للنكوص عن الثوابت الوطنية والقومية، بالرغم من ادعائه بأنه يتشبث بالديمقراطية ويتطلع إليها، فهو في الحقيقة نموذج معاد للديمقراطية أصلا وفصلا، وقد كشف بعض زعماء الطائفية مفهومهم للديمقراطية، عندما اكدوا علنا في اكثر من مناسبة أنها تقاسم للسلطة والنفوذ وبالتالي للثروة على أساس طائفي، أي هي مرادفة للمحاصة الطائفية، وهنا يمكننا ان نحيل إلى مثل هذا النموذج السائد في بعض البلدان العربية، فعلى رغم أن الفاعلين السياسيين فيه ليسوا رجال دين، وغالباً ما يكونون غير متدينين اصلا، فإن النظام الطائفي يدفعهم إلى تبني الهوية المذهبية كهوية سياسية، على أساسها تتم المحاصة، فالسني لا ينتخب سوى السني والشيعي لا ينتخب سوى الشيعي والدرزي لا ينتخب سوى الدرزي وكذلك المسيحي.. فالترشح والترشيح مربوط في اغلب الأحيان بالمذهب او بالدين حتى لو لم يكن المرشح والمترشح غير متدين، بما يعني في النهاية تحويل المذهب إلى هوية سياسية، وتحويل أتباع المذهب إلى جماعة سياسية، تتفاعل في المجال السياسي باعتبارها هوية وجماعة شبه ـ قومية ذات حقوق ومطالب سياسية متعلقة بها. ومن هذه الزاوية لا يهم أي المذاهب أقرب للحقيقة من غيرها، فتحويل المذهب إلى هوية سياسية وأتباعه إلى جماعة سياسية، يجعل العلاقة بين هذه الطوائف لا يحكمها منطق الحوار من أجل الحقيقة، ومن اجل المصلحة الوطنية أو من اجل المصلحة العامة بل يحكمها منطق الصراع على المصلحة السياسية الطائفية المتوحشة المتجردة من الإنسانية حتى. إن الخروج من نكبة الطائفية لا يكون إلا بالتشبث بالمواطنة الحرة وهذا لا يكون إلا ببناء الديمقراطية والشراكة الوطنية الكاملة، وباستعادة الثوابت الوطنية والقومية والتشبث بالهوية العربية لان العروبة تظل هي المخرج للأزمة الطائفية، ففي الماضي شهدت أوروبا حروباً طائفية طاحنة لم يتم حسمها إلا بإنشاء الدولة القومية الحديثة، لكن في العالم العربي لعبت الدول القطرية دوراً رئيساً في تسييس الهويات الطائفية ورعايتها، بل لكون شرعيتها في تمثيل جزء من الأمة بدأت في التآكل نتيجة عدم تعاملها مع مواطنيها باعتبارهم عرباً وعدم بناء سياساتها الداخلية والخارجية على هذا الأساس. وكنتيجة لتخلي الدولة القطرية عن الهوية العربية وتحول الهوية الوطنية الحديثة في بعض البلدان العربية إلى هوية احتفالية، لا هوية تنبثق من علاقة حقوقية بين مواطن ودولة، فإن هذا المناخ العام أصبح مهيأً للحركات الدينية الطائفية لتحويل الانتماء المذهبي الديني إلى هوية طائفية سياسية، وارتداد العرب عن هويتهم السياسية الجامعة إلى هويات طائفية ضيقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها