النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الخيط الرفيع.. بين الحداثة والتقدم

رابط مختصر
العدد 9187 الخميس 5 يونيو 2014 الموافق 7 شعبان 1435

للمرة الرابعة خلال عام واحد تبرز المرأة المصرية بقوة في الفضاء العام لتخطف الكاميرا من المشاركين في التصويت خلال الانتخابات الرئاسية المصرية التي جرت هذا الأسبوع، وهو نفس ما فعلته من قبل بمشاركتها بأعداد كثيفة في التظاهرات التي ملأت ميادين وشوارع مصر في 30 يونية و26 يوليو من العام الماضي وفي الحشود النسائية الضخمة التي شاركت في الاستفتاء الذي أجري علي التعديلات الدستورية في 14و15 يناير من هذا العام. وأشك في أن هذا الحضور اللافت للنظر، سيكون محل اهتمام بالغ من مراكز البحث الاجتماعي ومعامل التحليل السياسي ومختبرات العصف الذهني وحملات الدعاية للمرشحين في أي انتخابات مصرية تجري بعد ذلك سواء كانت برلمانية أم محلية أم رئاسية، وسيكون له أثره البالغ في تصاعد بروز دور المرأة المصرية في الفضاء العام، الذي يرتبط تاريخا بمشاركتها في الثورات والانتفاضات الشعبية والانتخابات - والجنازات - العامة. كان أول ظهور لافت للنظر للمرأة المصرية في الفضاء العام هو مشاركتها في جنازة الزعيم «مصطفي كامل»، الذي رحل عام 1908 وهو في الرابعة والثلاثين من عمره فخفق لرحيله - كما قال «قاسم أمين» - قلب مصر ليس فقط لأنه كان في ريعان شبابه لكن كذلك - لأنه استطاع خلال سنوات قصيرة من النضال الشاق والمتواصل أن يقود حركة وطنية أخرجت المصريين من حالة الضياع التي كانوا يعيشون في ظلها بعد هزيمة الثورة العرابية واحتلال الجيش البريطاني لبلادهم، فنهضوا يطالبون بتحريرها وبجلاء جيش الاحتلال عن أراضيها. ولأن «مصطفي كامل» كان يؤمن بأن تحقيق استقلال مصر هو أساس أي نهضة وكل تقدم، فقد كان حريصا علي تجميع الشعب بكل فئاته خلف مطلب «الجلاء» إلى درجة دفعته إلى تملق الرأي العام الذي كان ينحو إلى المحافظة في بعض المسائل الاجتماعية وخاصة قضية المرأة فاتخذ موقفا معاديا من الشيخ «علي يوسف» حين تزوج بالسيدة «صفية السادات» - ابنة نقيب الأشراف - وساند الأب الذي أقام دعوي قضائية تطالب بالتفريق بين الزوجين لانعدام الكفاءة الاجتماعية بينهما وشنت جريدة «اللواء» التي كان يصدرها حملة عنيفة ضد «قاسم أمين» عندما أصدر كتاب «تحرير المرأة» ومع ذلك فقد كانت جنازته هي أول مناسبة عامة تخلع فيها المرأة المصرية الحجاب، إذ خرجت النساء إلي الشرفات وقد خلعن حجابهن، بعد أن تحررن بالحزن عليه من القيود الاجتماعية التي كانت تفرضه عليهن وهو ما توقف أمامه بدهشة كل الذين رثوه من شعراء عصره فقال «شوقي» في وداعه «شقت لمنظرك الجيوب عقائل / وبكتك بالدمع الهتون غواني» وقال «حافظ» مشيرا إلى الملاحظة ذاتها «كم ذات خدر يوم طاف بك الردي / هتكت عليك حرائر الاستار، سفرت تودع أمة محمولة / في النعش لا خبرا من الأخبار، أمنت عيون الناظرين فمزقت / وجه الخمار فلم تلذ بخمار، قد قام ما بين العيون وبينها / ستر من الاحزان والأكدار»، وتنويعا علي نفس اللحن رصد «خليل مطران» الظاهرة فقال «سعت الخوادر حاسرات والأسي / ملق على الأبصار سترا اغدقا». بعد ذلك التاريخ بأكثر من عشر سنوات، لم يعترض أحد من المصريين على خروج النساء المصريات في مظاهرة طافت بمقر البعثات الدبلوماسية الأوروبية بالقاهرة تحتج علي اعتقاد «سعد زغلول» ورفاقه من قادة ثورة 1919 أو على مشاركة طالبات «المدرسة السنية للبنات» - وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة للبنات في مصر آنذاك - في مظاهرات تطالب بالإفراج عنه، ولا علي الصور التي نشرتها الصحف المصرية بعد الإفراج عنه والسماح لزوجته باللحاق به إلي فرنسا وفيها تبدو زوجته «صفية هانم زغلول» سافرة دون حجاب.. وكان لافتا للنظر عند عودته من منفاه عام 1921 أن صفية هانم - التي صحبته في رحلة العودة غادرت الباخرة وهي سافرة! وفي أثناء أحد المؤتمرات الجماهيرية التي خطب فيها «سعد زغلول» بعد عودته تطرق إلى ذكريات فترة النفي وأشار إلى ما كانت تعانيه زوجته معتذرا للجماهير قائلا: ان العادة جرت على ألا يتحدث أحد علنا عن حريمه ولكنه يثق بأن المصريين سيغفرون له ذلك، لأن التي يتحدث عنها هي «أم المصريين» جميعا فتصاعدت الهتافات تهز جوانب السرادق تهتف بحياة «أم المصريين» ليلتصق هذا اللقب باسم «صفية هانم زغلول» حتى اليوم. وفي لقاء آخر خطبت إحدى الآنسات أمامه وبعد أن انتهت من إلقاء خطبتها تقدم نحوها وخلع الحجاب عن وجهها وسط تصفيق وتهليل الجماهير وكانت هذه الفتاة هي «بثينة» ابنة الشيخ «علي يوسف». وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية، ومن بينها حق الترشح والانتخاب، لا تزال خافتة ربما لأن المرأة الأوروبية نفسها لم تكن قد حصلت على هذا الحق في كثير من الدول وربما لأن المجتمع كان لا يزال يحتاج إلي مزيد من الوقت لكي يقبل مثل هذا الانقلاب ألان المرأة نفسها كانت لا تزال في حاجة إلى وقت لكي تؤهل نفسها لهذا الدور ومع ذلك فقد عرفت الأحزاب المصرية - وعلى رأسها حزب الوفد - لجانا نسائية وتشكلت أحزاب نسائية خالصة، للمطالبة بهذا الحق كان من بينها «حزب بنت النيل» التي أسسته «د. درية شفيق» و»الحزب النسائي المصري» الذي أسسته «نعمت راشد». وكانت «د. درية شفيق» هي التي تزعمت في عام 1954 إضرابا عاما عن الطعام شاركت فيه عشرات من النساء المصريات وعدد من الرجال المتعاطفين مع مطلب حصول المرأة على حقوقها السياسية خاصة أن دستور 1923 لم يكن ينطوي على أي نص صريح يحظر على المرأة ممارسة هذه الحقوق بل كان علي العكس من ذلك، يضم نصا صريحا بالمساواة بين المصريين بصرف النظر عن النوع واللون والدين، لكن الحظر كان واردا في قانون الانتخابات، ولم تفض «د. درية شفيق» اعتصامها إلا بعد أن تلقت وعدا بأن تحصل المرأة على حقها في المشاركة في الانتخابات العامة. وعلى الرغم من حصول المرأة على هذا الحق منذ اجريت - عام 1957- أول انتخابات نيابية عامة بعد ثورة يوليو 1952 إلا أن نصيبها من ممارسة الحقوق السياسية اقتصر عمليا علي التصويت دون الترشح، بسبب قلة عدد اللواتي يرشحهن أنفسهن من النساء وقلة عدد اللاتي يفزن منهن ولأن الموقف المحافظ تجاه حقوق المرأة عموما، خاصة حقها في الحصول علي مواقع في سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية لا يزال ينحو إلي درجة من المحافظة، إلا أن هذه المحافظة لم تحل بين أصحابها وبين استغلال حصول المرأة علي حق التصويت لصالح الرجال، فتسابق الراغبون في الترشح منهم، خاصة الذين ينتمون للأسر ذات النفوذ في الريف لحفز النساء على قيد أسمائهن في جداول الانتخابات بهدف الاستفادة من أصواتهن في الوقت الذي كانوا يسعون فيه إلى حجب أصوات الرجال عن كل امرأة ترشح نفسها في دوائرهم الانتخابية، انطلاقا من أن الحصول علي صوت المرأة في الانتخابات هو حلال شرعا، لكن تصويت الرجال لها هو الحرام بعينه. وما لبثت أسماء النساء المقيدة في جداول الانتخابات أن أصبحت الأداة الرئيسية لتزوير الانتخابات والاستفتاءات خاصة في عهد الرئيس الأسبق «حسني مبارك» فيما عرف بظاهرة «تقفيل اللجان» إذ كف الرجال عن حفز النساء علي الإدلاء بأصواتهن في هذه الانتخابات وشجعوهن على البقاء في بيوتهن يوم الانتخابات، فإذا أنهت لجان الانتخاب عملها ولم تكن آنذاك مشكلة من هيئات قضائية هاجم أنصار أقوى هؤلاء المرشحين، اللجان وطردوا المسؤولين عنها وقاموا بالتصويت لصالح مرشحهم نيابة عن كل الغائبين ومعظمهم من النساء! وخلال ذلك كانت المرأة تتقدم بثبات في طريق إثبات أهليتها لكي تتساوى مع الرجل، فاتسع نطاق اللواتي تقبلن على التعليم حتى أرفع مستوياته واللواتي تلتحقن بسوق العمل في الإدارات الحكومية والمصانع والمتاجر من أدني السلم الوظيفي إلي قمته وشاركت المرأة العاملة مع الرجل في إعالة الأسرة، بل وانفردت بذلك في حالة تعطل الزوج أو انفصاله عنها أو وفاته. وكان لابد وأن يأتي الوقت الذي يتحول فيه صوت المرأة الانتخابي من مجرد زينة سياسية لإثبات الحداثة إلي واقع سياسي مؤثر بعد إقرار قاعدة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات والأخذ بقاعدة أن يصوت الناخب ببطاقة الرقم القومي التي سدت أبواب التزوير، ليكتشف الجميع أن صوت المرأة أصبح مؤثرا في نتائج الانتخابات العامة، كما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، وفي الاستفتاء علي التعديلات الدستورية وأخيرا في الانتخابات الرئاسية وهي حقيقة سوف يكون لها أثرها البالغ، خلال السنوات القادمة التي ستعبر خلالها المرأة المصرية الخيط الرفيع بين الحداثة والتقدم

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها