النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مطارحات

القبول بالحق في الاختلاف بدلاً من التسامح!

رابط مختصر
العدد 9184 الأثنين 2 يونيو 2014 الموافق 4 شعبان 1435

بدأت الدعوة إلى التسامح تأخذ بعدها العالمي الرسمي منذ أن بدأت المواثيق الدولية تذكرها أو تشير إليها في نصوصها، بدءا من ميثاق الأمم المتحدة، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأثمرت الجهود الدولية بشأن نشر ثقافة التسامح عن صدور»إعلان مبادئ التسامح» عن المؤتمر العام لليونسكو في عام 1995 وإعلان عام 1996 عاما دوليا للتسامح، واكتسبت هذه الدعوة الدولية للتسامح زخما ملحوظا على اثر تصاعد أحداث العنف والإرهاب وكراهية الأجانب سوء معاملة الأقليات ورواج بعض نظريات الصدام الثقافي–الحضاري خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.. وقد ازداد الحديث عن التسامح ونبذ ثقافة العنف والكراهية خلال السنوات القليلة الماضية، بالتزامن مع تفجر الصراعات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية في العديد من مناطق العالم، ونتيجة الزعزعة السياسية- الاجتماعية التي عصفت بالعديد من المجتمعات، وأدخلتها في أتون الحروب الأهلية والصراعات الطائفية المدمرة «العراق- لبنان- سوريا السودان...»، ولكن ضمن أفق الاستخدامات السطحية لمصطلح التسامح، الذي يحيل في الكثير من الأحيان إلى مفهوم العفو»عند المقدرة» أو تنازل الأقوياء لصالح الضعفاء، بمعنى تنازل» الأكثرية طائفيا او دينيا أو سياسيا..» لصالح الأقليات عن أمر ما مجاملة أو إدعاء أو كجزء من البروباغندا السياسية، بما يفقد التسامح معناه، خصوصا ومن الوجهة الدينية، حيث يبدو التسامح ثابتا من ثوابت جميع الديانات السماوية، مع ان اغلب المجازر التي حدثت في التاريخ القديم والحديث قد تمت بناء على اعتبارات دينية وطائفية، ولكن من الوجهة المدنية يشير المفهوم- وهذا هو المهم- إلى إجازة السلطة للأقليات ممارسة دين يختلف عن الدّين الرّسمي للدولة، بمعنى الترخيص والتّساهل والمعاملة بالمثل، والترخيص المتبادل بحق الاختلاف، بما يؤسس للشراكة التي تشجّع دون تعال ولا شعور بالنقص. إن أسوأ الإحالات هي تلك التي ترتبط بما يسمى بالتسامح مع المختلف في الدين أو المذهب، لأن مفهوم التسامح هنا، يطرح ضمن موقف الناس الذين هم في المراكز القوية، بمن فيهم السياسيون الحكوميون، ورجال الدين وما يمكن ان يسمى بالأغلبية الدينية أو القومية أو الطائفية إزاء الناس الذين هم في مواقع أقلية؛ في حين ليس هذا هو المقصود في الأصل، وإنما المقصود هو القبول بالرأي والرأي الآخر، أي الاتفاق على علوية الحرية والحق في الاختلاف عن السائد، وعما هو رسمي ومستقر من الآراء، والأفكار والعقائد- وفقا للقانون- دون عنف، وهذه الصياغة هي الأقرب إلى السياق الذي نقصده،وإذا كان للناس ذوي القناعات الدينية والإيديولوجية والسياسية المختلفة أن يعيشوا معاً في مجتمع ديمقراطي تعدُّدي، خاصة في مجتمعات متعدِّدة الثقافات والأعراق والطوائف، إلى مدى يتزايد باضطراد، يتحقَّق فيه خلال فترة طويلة تنوُّعٌ في الفوارق الدينية والمذهبية، فإن ذلك يجعل من حرية المعتقد والرأي والموقف ضرورة قصوى، لا تستقيم الديمقراطية بدونها. لقد شهد المفهوم تطوّرا واضحا في العصر الحديث ليتسع إلى معنى حرّية الآخر، لا فقط في الحقل الديني، بل كذلك فيما يتعلّق بالآراء والقناعات الفلسفية والسياسية والشخصية، حيث تم تنزيله منزلة الحق المقدس وليس منزلة المنة التي يتفضل بها طرف قوي لصالح طرف ضعيف، بما يوجه البشر إلى الاعتراف بالآخر دون حجب حق الاختلاف في الفكر وفي الممارسة في إطار القانون الجامع الذي يحكم سلوك الأفراد في الدولة المدنية، بل إن الفكر الإنساني تطور اليوم إلى ما هو ابعد من ذلك باعتبار الاختلاف مصدر ثراء وغنى، وهو بهذا المعنى مطلوب لذاته، ومطلوب لما يسهم به من طاقة فاعلة على مستوى الإبداع والثراء الفكري والثقافي وحتى الاقتصادي، ونرى اليوم العديد من الدول المتقدمة تستمد جزءا من غناها من التعدد والتنوع الثقافي والعرقي والديني، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فالتنوع إذا ما تم استثماره في مناخ الحرية والقانون والتضامن الإنساني، وفي سياق دولة المواطنة المتساوية، يمكن أن يتحول إلى طاقة فاعلة. ولكن المشكلة تبقى قائمة نتيجة قوة تأثير التيارات الدينية والطائفية منها على وجه الخصوص، فهي التي تتعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكافة أشكاله، بالرغم من كون التدين يبدو ظاهريا عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، إلا أنه واقعيا تحول إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من أن اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى أو في العصر الحديث قد لبست لباسا دينيا او طائفيا.. ذلك أن للإيمان وظيفتين دينية وسياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، كما أن العلاقة بين العقل والإيمان تخضع لمقومات دينية وسياسية تتغير بحسب الفترات التاريخية، لأن الديني والسياسي يترابطان، حد الانصهار منذ عصر محاكم التفتيش في أسبانيا، إلى أن جاء العصر الحديث بعد دخول أوروبا مرحلة الحداثة وتراجع الديني إلى المجال الفردي وقيام حروب الأمم بدلا من الحروب الدينية والطائفية القديمة. جمل مفيدة ناقش الفيلسوف الأمريكي الليبرالي وأستاذ الفلسفة السياسية في هارفارد جون رولز John Rawls في كتابه «نظرية العدالة» مسألة القدرة على التسامح مع غير المتسامحين نقاشاً مفصَّلاً. وحاول الإجابة عن عدد من الأسئلة المهمة المتعلقة بالتسامح، منها: هل ينبغي التسامح مع غير المتسامحين؟ وهل ينبغي للجماعات غير المتسامحة أن تتذمَّر عندما لا يجري التسامح معها؟ وهل للجماعات أو الحكومات المتسامحة الحق في ألا تتسامح مع غير المتسامحين؟ وهل يجب على الدولة أن تعامل غير المتسامحين بطريقة متسامحة؟.وكيف يمكن التوفيق بين قوة المعتقد وروح التسامح الديني؟.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا